العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الثورة… في السينما فقط

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

في غياب الأحزاب والحركة الطالبية الجدية في الجامعات وقاعات الحوار يغدو الـ «مول»، وحتى النوادي الليلية، الأمكنة شبه الوحيدة لمراقبة تفاعل بعض المجتمع مع التطورات المحيطة به. وسرعان ما يعبّر هؤلاء في الشكل والمضمون عن لامبالاتهم بما يحصل حولهم، أما الأسباب فكثيرة

غسان سعود

بين جسر الدورة ونفق نهر الكلب، تقوم أربع مجمعات تجارية ضخمة يكاد لا يجد قاصدها كرسياً فارغاً، سواء في مطاعمها أو في قاعاتها السينمائية. وفي أكثر من صالة عرض، يمكن التوقف عند أعاجيب حقيقية: دفتر رسم سعره 90 دولاراً، فيه 32 ورقة. علبة أقلام تلوين، سعرها 650 دولاراً. أقلام تراوح أسعارها بين 300 دولار و1400. ربطات عنق بالسعر نفسه و«طلوع». ورغم الأسعار الجنونية، تكاد تتجاوز الكثافة السكانية هنا الخمس نسمات في المتر المربع الواحد. كأنه متر في White أو Sky Bar، أو غيرهما من نوادي الهواء الطلق الليلية التي تجاوز عددها التسعة في الشريط الساحلي وحده، كما تجاوز سعر الكاس الواحدة فيها الخمسة والعشرين دولاراً.
على الطاولات لا نقاش بالمعنى الجدي للكلمة، فقط خبريات. «بدأ عنّا التزفيت». «رأيت المرسيدس 2013؟». «العماد عون يزور جزين الأسبوع المقبل!». «شو في جديد بسوريا؟». «اشتريت تين أمس». تكسّرت، يقول أحد الشبان المسيسين، كل الأساطير التي كانت تحوم فوق المكتظين هنا. اكتشفوا «حقائق الجغرافيا» التي تجعل التأقلم مع «السوريّ» بمرّه وأمرّه أمراً لا مفر منه. وأنهم خسروا حروبهم مع «الفلسطيني» بدليل استقرار نحو نصف مليون فلسطيني في لبنان. وانفضاض شهر العسل الماروني ــــ الإسرائيلي من دون عريس أو عروس. كما انفضحت كذبة «الغرب يحمينا». وبدا للمجتمعين أنهم ليسوا جزءاً أو حتى فتاتاً في أي مشروع دولي، ولا هم في بال أحد. ولم يعد أحد يكترث جدياً بالتالي لهذه القضية او تلك. بلغ الانكفاء حدّ الاستعاضة بالتسوق عن التعصب لهذا النادي الرياضي أو ذاك.
في هذه اللحظة، يمثل الشمال والبقاع، يقول أحد المتابعين، خاصرة سوريا الرخوة. و«الجنوب شوكة في الخاصرة الاسرائيلية». أما جبل لبنان فكأنه خارج الجغرافيا والتاريخ مهما «هدّ» سمير جعجع و«أدّ». يمكن الشعراء إرضاء غرورهم والجمهور بقصائد عن لبنانية المسيح والمركبة التي حطت على القمر وفي المريخ. كما يمكن رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون الاستمرار في القول إن الحرب الكونية الأولى شُنت لإطاحته من قصر بعبدا، فيما تكتل في الحرب الكونية الثانية الأسطول الأميركي والنفط الخليجي والفكر الأوروبي والتكنولوجيا اليابانية والخبث الإسرائيلي لإطاحته في كسروان. فلا شيء يوجع قلب بعض المتابعين أكثر من محاولة رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع إقناع جمهوره بأن السنابل التي تفتّحت في العالم العربي زرعت معراب بذورها، وسقتها ستريدا جعجع، وأن القوات السورية تقصف البلدات الحدودية لامتعاضها من خطابات زعيم الزعماء.
هكذا، في ظل تكرار جعجع ـــ عون فيلميهما، وإعادة النائبين نديم وسامي الجميل تمثيل فيلم والديهما، وتوقف البث عند آخرين، يغدو الإقبال المنقطع النظير منطقياً أكثر. النساء المحتشدات أمام صالات السينما سواء في ABC أو City Mall لم يفوّتنَ حلقة واحدة من برنامج «نهاركم سعيد». لكنهن، ببساطة، مللن. وبعد تحزبهن الشديد، تراخت الآن أعصابهن فعدن إلى القهوة والموضة و«إنجازات» أبنائهن. فمراقب التغيير والإصلاح يموت همّاً، تماماً كما يشكك متابع جعجع أن النظافة من الإيمان.
لم تقدم القوى السياسية الرئيسية الناشطة هنا مادة يمكن المواطنين النقاش فيها. يتحدث الناشطون في القوات ساعتين عن إنجازات الرئيس رفيق الحريري، و«نظافته» تحديداً. فيما يعتبرون سؤالهم عن مشروعهم استفزازاً. ثمة حزب ممثل في المجلس النيابي، تملّ المؤتمرات الصحافية رئيسه، ولا يعرف أحد مشروعه البيئي لكسروان مثلاً، أو السياحي لبشري، أو مشاعر حساسيته السيادية في عكار. لا يمكن الرجل الجالس في مطعم التبسّم لشاب «يستجحشه» في حديثه عن وجوب إسقاط بعض الطغاة في بعض العالم العربي، من دون أن يخجله اشمئزازه من الديكتاتورية السورية فيما يغدق المديح على الديكتاتورية السعودية. ولا يمكنه عدم التنبه إلى التصاق المشروع العوني باهتمامات الوزير جبران باسيل الآنية: حين تشغل الاتصالات باسيل يتحدث التيار بأمه وأبيه عن الاتصالات. ولا يلبث التيار نفسه أن يتخصص بالطاقة فور تولي باسيل مسؤوليات وزارة الطاقة. وأياً كان موضوع النقاش، يستنفر العونيّ حواسه بحثاً عن مخرج يتيح له التأكيد والجزم «وحياة الله» أن «الشيعة» أفضل من «السنة». ومن ذم «الآخرين» إلى التباهي بـ«محاسنهم»، يخيّل للعوني، حين يبدأ الحديث عن سلاح حزب الله، أنه بندقية صيد يمكن العوني استخدامها بالاتجاه الذي يريد.
لا تترك اللامبالاة شيئاً إلا تشمله، حتى الحماسة لزيارة البابا بنديكتوس السادس عشر لا تقارن أبداً بالحماسة للقاء سلفه. مرة أخرى الناس لا يريدون، يقول أحد الشبان المسيّسين، سماع أنهم وطن الرسالة و(…). لقد ملوا الرسائل وصناديق البريد. يبلغ التذمر حد راهب كسليكيّ خمسينيّ فيسأل عن المشروع الذي يحمله البابا بنديكتوس السادس عشر للمسيحيّ الإيراني كي يبقى في أورميا، وللمسيحي السرياني أو الأشوري ليبقى في نينوى وللسوريّ المسيحيّ في مجاهل القامشلي، إضافة إلى اللبناني. فالمواطنون يحتاجون إلى أكثر من الصلاة: «ليس بالمنّ والسلوى وحدهما يحيا الإنسان». ويشير صديقه إلى أن زيارة البطريرك بشارة الراعي الأخيرة إلى عكار صالحت بعض نواب المستقبل مع ناخبين كانوا قد بدأوا ينبذونهم وخفّفت الاحتقان، لكنها لم تعالج أساس المشكلة، أو تتطرق حتى إليها.
لا يمكن التسوق حل مشكلة، يلهي فقط عن انفجارها. ومع الارتفاع الجنونيّ للأسعار يصبح التسوق مشكلة في ذاته. وهذا ما يوتّر الصبايا أكثر من الشباب لكنه لا يحثهن على الثورة، فالثورة تحصل في السينما فقط.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.