العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

«السيرة التجارية» بالمذهب والصداقات

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بدا النائب عقاب صقر أول من أمس مختلفاً عما دأب على الظهور به. كان في العادة «أهضم»، أهدأ وبديهته أسرع. يتندّر أصدقاؤه عن دخوله مرة (كان في بداية مسيرته الإعلامية) إلى احتفال تربويّ في اليونسكو، متأنقاً كعادته، فهرع إليه أحد المنظمين مرحّباً بعدما غشه مظهره فظنه ممثل رئيس الحكومة، ورافقه حتى الكرسي المخصص لممثل رئيس الحكومة ليجلسه عليه. فلم يتردد صقر ثانية: شكر مستقبله، سلّم على ممثلي رئيس الجمهورية والمجلس النيابي وجلس.

في المبدأ، لا مشكلة مهما كان الكرسي طالما هو كرسي، وفي صف الاحتفال الأول. فدرس التجربة العقابية الأول: لا ترضى الجلوس على غير الكرسي الأماميّ، حيثما كنت. في دروس الشرع في إحدى حوزات الضاحية تفوّق. وتفوق أيضاً في صفوف أستاذيه وضاح شرارة ورضوان السيد الجامعية. وما كاد يتعرف، لاحقاً، على الأستاذ الجامعي سعود المولى حتى بات دينامو لجنة الحوار الإسلامي ــــ المسيحي، وأبرز وجوهها الشبابية.

 

وطّد علاقته بالنائب السابق سمير فرنجية وبعض شباب التيار الوطني الحر و«زَرَك» نفسه بنفسه في اجتماعات إعلان بيروت واستفاد من مذهبه للفوز بكرسي آخر في اجتماعات البريستول. من كان يمثل صقر يومها أو ماذا؟ لا شيء. عقاب صقر يمثل عقاب صقر.

صحافياً، ما كاد يشغر «كرسي» مدير تحرير صفحة الرأي في جريدة «البلد» حتى شغله بواسطة قدمها له المولى، مزوداً إدارتها بتصور خارق لم يحقق منه شيئاً: لم يفد «البلد» بأكثر من مقابلة مع العماد ميشال عون، فيما وفّرت له علاقات عامة مع كتاب وصحافيين وسياسيين، منبراً إعلامياً غدا بموجبه أكثر المنظّرين إطلالاً تلفزيونياً. لم يعقد صقر اجتماعاً تحريرياً واحداً، ولم يحرر جدّياً مادة صحافية واحدة، ولم يكتب خلال عامين أكثر من ثلاثين مقالاً صغيراً. عملياً، يعتبر صقر أول من اخترع ظاهرة المحلل السياسي الذي تستضيفه الشاشات بوصفه صحافياً فيما هو مجرد منظر لا علاقة له بالصحافة من قريب أو بعيد.

ولم يلبث مذهبه بحكم الولادة أن قدم له خدمة إضافية. فها مطبخ الخارجية الأميركية الإعلامي – الإعلاني يرى فيه ضالته الشيعية المفقودة، ويرئسه موقع «لبنان الآن» الإلكتروني. مرة أخرى، عرف صقر كيف يضاعف إفادته الشخصية من جيب غيره، فدفع مبالغ خيالية لبعض الصحافيين، المختارين بعناية من الطائفة الشيعية خصوصاً، ثمن تقاريرهم وتحليلاتهم، مؤسساً شبكة صداقات خاصة به على حساب الموقع الإلكتروني وجودة منشوراته. وسرعان ما تعثر الموقع على غرار «البلد» وقبلها لجنة الحوار الإسلامي ـــ المسيحي، وبعدها جميعاً تيار المستقبل، فيما استمر صقر.

الاتجار بالمذهب يترافق هنا مع براعة في التمثيل. في رواية تمثيله رئيس الحكومة المتداولة، ينقل أصدقاؤه أن ممثل رئيس المجلس النيابي همس في أذنه رسالة ليوصلها إلى رئيس الحكومة، فتصرف صقر بجدية مطلقة وأبلغ محدثه أن رسالته ستنقل بأمانة. وإذ صدق كذبته لم يلبث خلال أحداث 7 أيار أن أدى دوراً تمثيلاً مشابها: حرص صقر على تمضية أيام قريطم العصيبة الخمسة إلى جانب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري رغم الخطر الأمني المحدق، مدعياً الاتصال كل بضعة دقائق بمعارفه وسط المهاجمين ليضمن سلامة شيخه. وقد انطلت المسرحية على الشيخ، فخرج صقر من تلك الأحداث غير صقر قبلها. غدت علاقته بالحريري مماثلة في قوتها لعلاقته ورئيس فرع المعلومات الراحل وسام الحسن. وكما كان الحسن يتكل عليه وشبكته الإعلامية إعلامياً وسياسياً، غدا الحريري يتكل عليه سياسياً وترفيهياً. شبك صقر مع ثلاثي قريطم: وسام الحسن وأحمد الحريري وهاني حمود، فأحاط بالحريري من جميع جوانبه وتفرغ لتسليته بوسائل تتراوح تقديرات أصدقائه بشأنها. ومن صداقاته العونية مروراً بالبلد وصولاً إلى قريطم، يجمع من يعرفه على إتقانه تسلية أصدقائه، بشتى الوسائل.

صقر، خلافاً لما يشاع عنه، لا يأتي من أسرة فقيرة أو طفولة مأساوية رغم وفاة والده (الذي سمّي عقاب تيمناً به) قبل أن يبصر النور. يروي أحد عارفيه أن عمه المقيم في بلجيكا كان دائم العناية مادياً به. كانت أوضاعه المالية بخير من دون أن يكون ثرياً. وحين كان يتناول الغداء مرة في مطعم «ديك ديوك»، في الأشرفية، وأعلمه مسؤول الحريري الإعلامي هاني حمود في اتصال هاتفي أن ميزانيته الشهرية ستبلغ ستين الف دولار، أخذ يقفز فرحاً. إلا أن «احتكاره» الجزء الأكبر من أموال «لبنان الآن» وتيار المسقبل أثار حسد بعض أصدقائه، وكذلك تماديه في البذخ مسكناً وسيارات ومرافقين وسكرتيرات قبيل انتخابه نائباً وبعده.

وللنيابة قصتها أيضاً، فاختياره مقعد زحلة الشيعي مرده إلى إيمانه بعشائرية عائلته وقدرته على البناء على إرثه العائلي حيثية شيعية يحتاج إليها المستقبليون. وذهب صقر في تصديق نفسه حد المجاهرة قبيل تلك الانتخابات بأن «التكليف الشرعي الذي صدر لتحريم التصويت لعقاب صقر يؤكد حجم مخاوف البعض». ولم تلبث أحلام الزعامة الشيعية التي بلغت حدّ ترشحه إلى رئاسة المجلس النيابي أن تلاشت، كما تلاشت حماسته النيابية: تهرّب من ناخبيه الذين واصلوا التردد الى مكتبه في المجلس النيابي لمطالبته ببعض الخدمات، حتى اقتنعوا بأنه لا يقصده أبداً. أعلم صقر أصدقاءه بعدم حاجته إلى كل ذلك: «المهم رضى الشيخ سعد». وسرعان ما أثارت حظوة صقر استياء غالبية نواب المستقبل ممن لم يتفهموا نفوذه القريطمي المفاجئ وتعليماته لهم. لم يبرز في كتلة المستقبل صديق واحد له غير النائب شانت جنجنيان.

ذات مرّة، انفتح على شاب بقاعي كان يبحث عن تمويل لتياره السياسيّ. والشاب المعارض لحزب الله، تربطه صلة قرابة بمسؤول بارز في الحزب، ممن تريد أميركا وإسرائيل رأسهم. وما كاد النائب البقاعي يسأل صديقه الجديد عما إذا كان خال أولاده يزورهم، حتى اضطر بعد أيام إلى المغادرة على عجل إلى بلجيكا حيث عمه، من دون أن تتضح لأحد أسباب مغادرته. وما كادت الأضواء تسلط على سوريا حتى لمع نجمه، على كرسي مجدداً، قبالة الهلال في العلم التركي. علماّ بأن غالبية من قصدوا تركيا بمهمات صحافية آملين الاستفادة من علاقتهم السابقة به عادوا خائبين.

لم يقم صقر في مكان إلا مقته المكان. يمكن منطقة الشياح أن تكتب موسوعات عن ابنها غير البار. أساتذته ممن سبق ذكرهم يروون عن جحوده. لم يبق له من أصدقائه، ولا سيما الصحافيين منهم، أكثر من خمسة يستفيدون منه أكثر بكثير مما يفيدونه. نواب كتلته يكرهونه (مهما زايدوا اليوم في مواقفهم المعلنة تجاهه). أما المتعاونون معه في «الجيش السوري الحر»، فواضح من تسريبهم التسجيلات الصوتية نوع علاقتهم به. حوّل نفسه بنفسه إلى نموذج آخر عن الببغاوات التي كان ينتقدها. وها هي خسائره تتوج باغتيال مشغّله الأبرز، سياسياً وإعلامياً، قائد فرع المعلومات وسام الحسن.

لا ينقص الرجل إلا مبرر لرفع الحصانة النيابية عنه. كان الوزير السابق الياس المر يملك ترخيصاً صحافياً وثروة لتقاعده المبكر بعد اتهامه «الأخبار» في آخر مؤتمراته الصحافية بالتلفيق والتزوير وادعاء مقاضاتها. أما صقر، فلا يملك شيئاً. يمكن تفهم انفعاله.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.