العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

ما بعد نفق شكا: بلاد تقيم في نفق

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

ما بعد «التونال» ليس كما قبله. تتضاعف ساعات انقطاع الكهرباء، يرفع الأمن رايات بيضاء، تعود البنية التحتية قرناً كاملاً إلى الوراء، يلقى «الثوار» السوريون بيئة حاضنة، وتتحول بعض القرى مآويَ ضخمة للعجزة

غسان سعود

تحتجز سيدة النورية القمر. كأن نفق طريق شكّا القديم يمتد إلى ما بعد العريضة والدبابية، وما بعد بعد وادي خالد وأكروم. تنتفي حاجة القاطنين خلف البترون، في اعتقاد وزير الطاقة جبران باسيل، إلى الكهرباء، فتبدو أعمدة الإضاءة الخشبية مجرد حطب. تختبئ الحفر من ذلك النفق وصاعداً خلف ظلام لا تبدّده أضواء السيارات. أما السيارة فلن يفارقها ــــ منذ عبورها أول مستنقع للمياه الآسنة ــــ السؤال عمّا يدفع أصحابها إلى زيارة عكار.
قبيل طرابلس، تماثل بلدة القلمون بلدة الجية قبيل صيدا، جغرافياً وسكانياً، وتناقضها إنمائياً وازدهاراً. لن يعرف القلمون من يعرفها أصلاً. كان يفترض بالخزان المستقبليّ هذا أن يكون مدينة دير البلمند الجامعيّ. لكن الربيع الحريريّ لم يصل إلى بيروت رغم كل الجسور، فكيف الحال في القلمون: ليس في البلدة سكن طالبي واحد، ولا مشروع ترفيهي واحد، ولا مطعم شبابيّ واحد، ولا مكتبة صغيرة ولا معمل صغير أو مصنع. لا يصل إلى القلمون من البلمند إلا من ضلّوا طريقهم. سابقاً، ما كان العابر من بيروت وإليها يمرّ من دون إشباع عطشه من ليموناضتها، أما اليوم، فالسائل عن الليموناضة غريب يستوجب بحثاً عن نمرة سيارته وتقصياً عن غاياته.
لعلها فيروز واللاوعي. ليس في الشمال فرح يكتب عنه، لا يمكن ليالي الشمال إلا أن تكون حزينة. حتى الضاحكون قرب «فان» القهوة الصغير عند مدخل طرابلس، يثيرون جراء ما يضحكهم حزناً: هذا يدفعه الفقر إلى الهروب من المستشفى قبيل إتمام علاجه، تجنباً لإحراج الفاتورة. وذاك علّمه الجوع فوائد الخبز الحاف. وثالث عسكري يجعل من إهانات مسؤوله اليومية له فيلماً هزلياً. بعد بضعة أمتار، عند شاطئ البحر، يتضاحك بعض المقاتلين مما صادفهم في آخر «فتوحاتهم» التي خطفت ستة منهم. فيما تتبارى ابتسامات السياسيين في صور لا تزيلها الأمطار، حول أي منها يثير حزناً أكبر. لمن يبتسم الرئيس سعد الحريري في الصور؟
عاصمة الشمال بخير، كما يزعم سياسيوها، في شارع واحد مضاء يوصل ملعبها الرياضي السابق بمنزل الرئيس نجيب ميقاتي، مروراً بسبعة مطاعم يزدحم في معظمهما «المنرجلون» وتسع نقاط أمنية، بعضها رسمي للوزير فيصل كرامي واللواء أشرف ريفي، والآخر خاص للنائب خالد ضاهر والشيخ سالم الرافعي وآخرين ممن يقطنون بين مدخل مدينة ميقاتي ومنزله. أما الشوارع الأخرى، فتتحدث عن حكومة الرئيس نجيب ميقاتي وزملائه الوزراء الطرابلسيين الأربعة من دون حرج. لا تُرى في شوارع المدينة المقفرة والمحفّرة ولو ليرة واحدة من مليارات ميقاتي المئة والخمسين. حلت الرماية محل شغف الشباب الطرابلسي بالرياضة، ولا سيما كمال الأجسام. المكاسرة من الماضي والقنص للحاضر. لا يُرى «المشايخ المعتدلون» إلا في صالون ميقاتي. ليست مشكلة ميقاتي أن يصفق هذا الحشد الكريم للرئيس سعد الحريري قبله وللشيخ أحمد الأسير بعده. المهم أن يصفقوا له أيضاً. لولا الرصاص والمولوتوف والقنابل، لما لمع في ليالي هذه المدينة ضوء. المدينة «تتطوّر»: ليست الملاعب ثُكناً عسكرية فحسب، بل تحوّلت العيادات الطبية أيضاً إلى مكاتب حزبية، وبيوت نوابها مقارّ لعصاباتها ومتاجر لسلفييها. يمكن المذبحة المستمرة عند جسر الملولة بين باب التبانة وجبل محسن أن تتعشى سيارتك. فقط في طرابلس، يعلمك عنصر قوى الأمن أن «المرور على مسؤوليتك».
كل ذلك وعكار لا تزال بعيدة ولم تلمس السيارة حدود «البداوي المحررة» بعد. أعلام الثورة السورية تعلو شرفات علتها قبل ثلاث سنوات الأعلام اللبنانية. أناشيد الجهاد تصمّ الآذان، فيما تزكم الأنوف روائح النفايات المكدسة على جانبي الطريق بعدما حوّل «الثوار» مستوعبات النفايات إلى لوائح إعلانية لمهاجمة النظام السوري ورموزه. لولا المطبات الكثيرة لما عرف العابر أنها المنطقة نفسها التي اعتادها، وأن أهاليها هم أنفسهم. حتى المقربون وسطهم، يتأكدون الآن من طائفة ضيفهم وغايته. لا يريدون من يؤثر في تركيزهم أو يناقشهم في المسلّمات. ينسون مشاكلهم الشخصية والعامة، وانتخاباتهم وحكوماتهم وغيرها. ما دمت صحافياً، فيمكنك أن تفيدهم بـ«موعد انتصار الثوار». في رأس أحدهم صورة واضحة عن أمكنة الاحتفال وأناشيد المناسبة. يشغلهم إسقاط الرئيس بشار الأسد عن كل شيء. لا يعنيهم السؤال عن أداء نوابهم أو الحكومة. يستسخفون البرامج التلفزيونية والنقاشات السياسية المحلية. عبثاً تحاول تدوير زوايا محاورتهم. همهم واحد «يللا ارحل يا بشار». بعده لكل حادث حديث. أوتوستراد الرئيس رفيق الحريري اليوم، الرئيس حافظ الأسد سابقاً، يؤكّد ذلك على امتداد عشرين دقيقة في المنية، تنغصها المطبات.
تبدو العاشرة مساءً في عكار كأنها الثالثة فجراً في مناطق أخرى. ليس في الطريق الخاوي إلى ببنين غير سيارتين أمنيتين وشبان يحتضن كل منهم نرجيلة قبالة أحد المنازل. من ليس في الجماعة الإسلامية هنا، فإنه يؤيد النائب خالد ضاهر، ومن ينشق عن الاثنين يناصر المستقبل. الدكاكين مقفلة. تنام البلدة عند انتهاء نشرات الأخبار. فبعض أهلها صيادون يخرجون إلى عملهم بعد صلاة الفجر، وبعضهم عسكريون يذهبون إلى خدمتهم باكراً، والآخرون أساتذة. يستصعب تلميذ الراهبات البازيليات سابقاً، السلفيّ اليوم، معايدة زملائه السابقين في المدرسة. تراجع عدد المتفرغين وسط أبناء البلدة في أذرع خالد ضاهر الأمنية، جراء نزوح آلاف المقاتلين السوريين. وفي تقدير أحد الشبان أن عشرة في المئة من أهالي البلدة العكارية الأكبر باتوا سوريين، لكن قلة تشعر بوجودهم فيما تستفيد البلدة برمتها من مساعداتهم، التي حلت محل إعاشات «مؤسسة الحريري». تستفيد البلدة أيضاً من «خبرات» بعض المشايخ الفلسطينيين الشباب الذين خرجوا من مخيم نهر البارد إثر حربه الأخيرة، ولم يعودوا بعدما توسّعت نشاطاتهم وازداد مريدوهم. هنا أيضاً، لا شيء يشغل البشر والحجر إلا سوريا ورئيسها. حلت مقاطع اليوتيوب على الهواتف والأناشيد الدينية محل ألعاب الفيديو وأغاني هاني شاكر.
أخيراً، تصل السيارة الى قرى العيد. تزداد الطرق المحفّرة وعورة. ينهي بابا نويل توزيع هداياه باكراً، متكلاً على الأحزاب لإنجاح مهمته. كان صاحب دكان الألعاب يتوقع موسماً أفضل. خابت توقعاته. جاره استشعر الأزمة، فلم يجدّد بضاعة العام الماضي. مقاربتهما واحدة: يهدي الناس بعضهم البعض ثياباً أو غيرها من الضروريات التي يعلمون باحتياجهم إليها. قلة تهمها الألعاب. القاطنون في البلدة لا يملكون فائضاً مالياً لتبذيره على الهدايا، أما البيارتة ــــ وبيروت تبدأ في عرفهم من جبيل ــــ فيحضرون هداياهم معهم. حتى في العيد، تبدو هذه القرى داراً كبيرة للعجزة، يخدم فيه بعض الممرضين الشباب. وحدها الصيدلية تعمل. العسكريون يقطنون البلدة حتى يترقوا، وأساتذة المدارس وبعض المكتفين بوظائف لا يمكن دخلها الشهري أن يتجاوز ألف دولار. وفي كل بلدة يصمد محام واحد وطبيب وربما مهندس ومسّاح طوبوغرافي. ينشغل النائب ضاهر بمعركة الأمة والنائب معين المرعبي بزلعومه، أما سائر النواب السبعة فلا أحد في مناطقهم يعرف أين هم وبماذا يشغلون أنفسهم عن احتياجات منطقتهم. تقترب كلفة المعيشة بسرعة من مثيلاتها في الضواحي البيروتية. «اشتراك الكهرباء 5 أمبير بمئة دولار». وبعد منتصف الليل «يستريح الموتور». «كيلو اللحمة بعشرين ألف ليرة». ولا تكاد تفتح سوبرماركت جديدة حتى تتحول بكمية ما تعرضه وتعدد أنواعه إلى مجرد دكان كبير. يبدأ الدكان متجر ثياب، ينتقل صاحبه بعد شهرين إلى بيع الهواتف الخلوية وبطاقات التشريج، ويتحول بعد شهرين إلى «دكنجي»، ليرسو في النهاية على محل لبيع الخضر. المكتبة «مخلوق نادر» لا يبيع في بعض القرى أكثر من جريدتين أسبوعياً. لا مسرح، لا ملعب، لا سينما، لا نادي رياضياً، لا مطاعم، لا هوايات، لا ندوات أو محاضرات. يتسلون بأخبار بعضهم البعض وبالمسلسلات التلفزيونية. حتى صفوف «المكزدرين» بسياراتهم قصّرها غلاء البنزين.
ليس المسنون وحدهم من ينتظرون الموت هنا. أشجار الزيتون كذلك ومعاصره، ومجموع الذكريات التي تجتر نفسها على الألسنة. هي نفسها الأخبار، مرة تلو أخرى، وعيداً تلو عيد، يضحك أصحابها حتى يبكوا. لا يمكن ليالي الشمال أن تكون بحسب فيروز إلا حزينة. حتى لو كانت ليلة الميلاد.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.