العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

زغرتا بلاد «البيك» لا تعرف الاعتدال

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

السياسة شغل الزغرتاويين الشاغل عن كل شيء. رغم ذلك ليس في القضاء حياة سياسية، بل مجرد انحياز مطلق الى النائب سليمان فرنجية من جهة، وميشال معوض من جهة أخرى، مع تأليه مخيف للمرجعيات السياسية

غسان سعود

تعجز أضواء السيارة عن اختراق الضباب الكثيف في الطريق الحرجيّ الضيق بين جبل الأرز البشراويّ والتلة الزغرتاوية. ليس في الطريق غالباً غير بضعة رعيان وماعز. في الكثافة السكانية: شتاء إهدن كصيف بشري.

حتى جثمان يوسف بك كرم لا يجد من يدفئه. لا يكفي الأهالي في الطريق إلى زغرتا، من بشري وإلىها، أن يكون «بطل لبنان» «محارباً في سبيل استقلال بلده». لا بدّ من أرشفة كتاباته، عرض ثيابه وسيفه وبيرقه… وحتى جثمانه، والذهاب حد المطالبة بتقديسه. في حياتهما وموتهما، تحذو إهدن حذو بشري وجبران خليل جبران، فتصلي لـ«بطل لبنان».
الميدان الأهدني مقفر. مسنّون يجرجرون أنفسهم بين بيوتهم ودكانين صغيرين، يطقطق البرد العابر أسنانهم ريثما يصلهم البرد المقيم. تغطي صورة النائب سليمان فرنجية ثلثي البراد، لا يصح وصفه بالنائب هنا. «الوزير» أو «البيك» والأفضلية للقب الأخير. تفلت المسنة الجورب الذي ترتقه من يدها، لتملس شعرها إلى الخلف، مستغربة سؤال المصورة عمّا يدفعها إلى استضافة فرنجية الدائمة في دكانها الصغير. «الأكبر منك بيوم أفهم بسنة يا ابنتي. أجدادنا أيدوا أجداده». يبدأ المحيطون بالعجوز درساً في التاريخ، بدأ العهد مع جد جد الوزير، سليمان فرنجية، فابنه قبلان فرنجية (1872 – 1941) الذي حال تدخل الأمير عادل أرسلان عند جمال باشا (السفّاح) دون نفيه إلى اسطنبول. واستمر عهد العائلات نفسه مع نائب زغرتا بين عامي 1937 و1957: حميد فرنجية، ثم الرئيس سليمان فرنجية وحفيده «سليمان الصغير»، وطونييهما. يخلص الدرس إلى استنتاج المدرسين أن «ليس بين العائلات السياسية اللبنانية جذور تنافس بيت سليمان بيك في الحضور السياسيّ الدائم»، مع تنويه بـ«توارثهم العلاقات القريبة والبعيدة، سواء الوطيدة أو الرديئة، من جيل إلى جيل». يكاد يكون النائب طلال أرسلان صديق صاحبة الدكان الشخصيّ.
الأحزاب موجودة: يمكن مَن سئم الإقطاع العائلي الانتساب إلى حزب المردة أو حركة الاستقلال، يقول صاحب ملحمة صغيرة، ساخراً ربما. على بعد خطوات من الدكان الأول، يحضر ميشال معوض عبر صورة في الدكان الآخر. يوافق صاحبها أنها «تطفش» بعض الزبائن، وأن تقارب معوض والقوات يحرجه، إلا أن علاقته التاريخية بآل معوض تستحق برأيه «أن يضحي». لا حاجة إلى طلب انتساب لتكون في المردة أو حركة الاستقلال، ما دمت من زغرتا فإنك في أحدهما حتى تثبت العكس. «فلان ابن فلان» خرج عن «طاعة أبويه» بانتقاله من «محور» إلى آخر. تطول قائمة الأسباب التي أدت إلى انتساب أحد الشباب هنا إلى الحزب الشيوعي أو القومي أو القوات، كأن في خطوته ما يستدعي التبرير. باستثناء القوات، لا حضور حزبياً حقيقياً في هذا القضاء. عائلتا الجميّل وإدة راعتا في توسعهما الكتائبي والكتلوي مقام العائلات الأخرى، فتجنب الحزبان طرق أبواب زغرتا. أما القوميون فنشطوا خارج القضاء أكثر بكثير مما فيه. أما النشاط الحزبي للمردة وحركة الاستقلال، بعيداً عن التشجير مرة في العام والتخييم مرة أخرى، فيقتصر على المشاركة مرة في العام في احتفال ديني وأخرى في لقاء شعبي في دارة أحد «البيكين».
ينعكس خلاف فرنجية ــــ معوض انقساماً شعبياً يظلّل علاقات الزغرتاويين الاجتماعية. القصص في هذا السياق كثيرة عن عروس رفض أهلها الخروج معها لزواجها «من عندهم»، وكنيسة قاطعها نصف المصلين لأن كاهنها «من عندهم». حتى الـ«مرحبا» يستصعب البعض قولها، والبعض الآخر الرد عليها. أهل الجبال، يقول الأب ميشال حايك في إحدى عظاته، لا يعرفون الاعتدال، كطبيعة الجبال. ويتابع: «إذا عشقوا، ماتوا هوىً في سبيل وجه امرأة، أو حفنة تراب». وبعيداً عن «التخمينات»، ليس بين أنصار العائلتين الرئيسيتين من يحدد بوضوح ماذا قصم ظهر البعير بين عائلتي معوض وفرنجية، بعدما استهل الرئيس رينيه معوض حياته السياسية عام 1957 مرشحاً على لائحة حميد فرنجية، ولم يلبث أن فاز بالنيابة أربع مرات متتالية على لائحة الرئيس فرنجية. أما أزمة فرنجية ــــ معوض، فتبدو على مشارف زغرتا متواضعة مع مشكلة فرنجية ــــ بولس. لا يمكن أنصار فرنجية في أحاديثهم اليومية تصديق خروج النائب السابق جواد بولس عن طاعة «البيك». يفترضون أن ما يجمع عائلتي فرنجية وبولس (المرشح عام 1982 إلى رئاسة الجمهورية جواد بولس، الذي استقال من عضوية الجبهة اللبنانية إثر مجزرة أهدن عام 1978) أكثر بكثير مما يفرقها (النائب السابق جواد بولس).
في الأحياء القروية الواصلة بين بساتين الزيتون، يشتّي الخواء وحده. يعيش بعض المزارعين هنا وعمال معاصر الزيتون. دكان في كل بلدة تقريباً. بلدة مع فرن، وبلدة من دونه. وآلاف المهجرين السوريين ممن تتفرغ أعين المسنين لمراقبتهم وألسنتهم للشكوى من تزايدهم. أجّروهم منازلهم، والآن يتذمرون من تزايد أعدادهم. ليس في هذه القرى معامل أو مصانع أو شركات صغيرة، حتى المدارس والمستوصفات نزحت صوب المدينة فلحق بها من بقي من أساتذة وممرضين. يكتفي زعماء زغرتا بالخدمات الفردية: وظيفة، رخصة، مساعدة مدرسية، مساعدة استشفائية ومنحة تعليمية إذا اقتضى الأمر. أما التنمية، فمعناها الوحيد: أوتوسترادات وتشجير. يروي أحد الجامعيين أنه حين كان يناقش أهله في إمكان بقائه في القرية، وهو ليس عسكرياً ولا موظفاً في القطاع العام، ظنّوه يهذي أو جنّ. تفاقم النزوح الزغرتاوي في السنوات القليلة الماضية، جراء تفضيل الزغرتاويين العمل في بيروت على طرابلس.
في كفردلاقوس، تعيش حنّة مجلّي في غرفة صغيرة تجاور بيتاً قديماً كبيراً تحفظه مقفلاً لأبناء شقيقتها. تقطف الليمون من أرضها قبل طلوع الضوء، لتكوّم بضعة كيلوات صباحاً تبيعها للمارين بمنزلها. تكفيها خمسة آلاف ليرة يومياً. لا تعنيها السياسة لكنها لا تشتم السياسيين، تعلم أنها «إذا وقعت ما إلي غيرهم يلموني». جارتها، تحدث كلبها بالفرنسية، تشير إلى بيت آخر مهجور قديم، سدّ المهجّرون شبابيكه بحجارة الباطون، مستعيذة بالله مما يحصل داخله. لا تصدق المصورة حين تعلمها أنها دخلته منذ قليل فلم تجد غير عائلتين يرجفهما البرد. تستعيذ بالله مجدداً مما يحصل داخله، مؤكدة نيتها اللحاق بأسرتها إلى بيروت في العام الدراسي المقبل، بعد ترتيب أمورها مع وزارة التربية. ما عاد طعم «الطربوش» طيباً إثر تغيير اسمه، تقول السيدة أثناء تضييف الطرابيش والقهوة. تجلس الآن وحولها ثلاثة كلاب وبعض القطط، جنباً إلى جنب، تجمعها اللغة الفرنسية وتهدئ أعصابها. أما في البلدية، فالريّس شاب يدعى بيتر البايع. تعداد ما تملكه البلدة أسهل برأيه بكثير من تعداد ما تحتاجه. لكن، بعد طول تفكير، يقول بيتر إن المستوصف أولوية، تليه المدرسة الابتدائية. وهو الآخر، الريّس، يؤيد فرنجية أباً عن جد. ناصحاً محاوره أن «تسأل أجدادنا» فـ«نحن لا ننقل البارودة». أما خارج مبنى البلدية الواسع، فتأييد فرنجية لا يشمل حلفاءه النائبين سليم كرم واسطفان الدويهي. الأخير يُرى في بعض مناسبات البلدة الاجتماعية، أما كرم فغيابه عن زغرتا يوازي غيابه السياسي والنيابي والوزاري. وعلى غرار الوزراء زملائه في الحكومة، يروي بعض الزغرتاويين عن وزيرهم أخباراً لا تصدق عن تضييعه منزله مرة، وتعزيته مرات مفجوعين بوفاة قريبهم بعبارة «ينعاد عليكم». وإذ يحسم أهالي البلدة نية فرنجية الأب ترشيح ابنه طوني في الانتخابات المقبلة حتى «يتفرغ لرئاسة الجمهورية»، يستغرب بعضهم أن يرافق طوني الثاني في إطلالته النيابية الأولى كرم والدويهي، في ظل إشاعة البعض أن العصبية العائلية تدفع آل كرم وآل الدويهي إلى التصويت ضد اللائحة المردية المفترضة إذا استبدلهما فرنجية بآخرين، وما توزير كرم، بحسب هؤلاء، إلا مكافأة من الوزير (السابق) على تجييره للائحة أكثر من ألف صوت في الانتخابات الأخيرة، كانت ستسقط لائحة فرنجية لولاها.
إلى ضاحية زغرتا المدينة، بين محطتي بنزين، يطل حي المعاصر على الطريق العام بصورة عملاقة للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. تتغير الأجواء هنا. هم مع فرنجية لأن «ما في متله». وتجود الحماسة: «من أحسن منه لنفضله عليه؟». «فحص الدم لا ينفع لأن الدم يتغير، نحن عظامنا مع فرنجية». «معوض وغيره ممن يضعون أياديهم بين يدي جعجع لا يمرون بهذا الشارع». «قتل جعجع أبناءنا ليعمل رئيس جمهورية» تقول لبيبة ابو نعمان (والدة أحد شهداء مجزرة أهدن). تخرج سيدة المنزل المقابل ملوحة بإصبعها صوب صورة فرنجية، مرددة «الله واحد، ما في ربين». بدل «تك تك تك يا إم سليمان» تغني هؤلاء لأبنائهن «أنت الأمل يا سليمان» حتى يناموا، و«من سليمان لسليمان» حين يستيقظون. «بيّ الفقراء» فرنجية، بحسب هؤلاء. و«لحم كتافنا من فضله».
بالوصول أخيراً إلى طرابلس، تبدو زغرتا عالماً آخر بعيداً. لا يأتي أحد «فوق» على ذكر سوريا، مثلاً، أو اشتباكات جبل محسن ــــ باب التبانة أو الصعوبات الاقتصادية وغيرها. المهم «فوق» أن يكون «البيك» بخير وأن «يوفق الله» بين معوض وجعجع في تركيب لائحتهما المشتركة في الانتخابات المقبلة.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.