العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

تمام سلام: عندما يغلب الطبع «البكوي» التطبّع

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

احتاج الأمر منذ البداية، قبل 11 شهراً، إلى كاميرا توثيقية، تصوّر نفض عاملة المنزل الغبار عن الكنبات، وبحث صاحبه في الغرفة المعتمة عن ربطات عنق والده، واستيقاظه مذعوراً في أنصاف الليالي مردداً: «أنا بيك أنا بيك». تمام سلام: حين يربح فقير جائزة اللوتو فيضيّعها على طاولة قمار في ساعة واحدة

لا يتكرر الأمر مرتين. تُخرج دولة إقليمية «بيكاً» من كتاب التاريخ، تنفض عنه النسيان، مذكّرة من نسي من اللبنانيين بأنه «بيك ابن بيك». وهو، بوضوح، أكثر «البكوات» الذين يتعيّن على اللبنانيين تفويض تشكيل حكومتهم إليه. لا أحد ــــ باستثناء سليمان فرنجية ــــ يسأل أو يستفسر لماذا لم يكتشف هو شخصياً هذا «البيك» من قبل، أو يشعر بوجوده، أو يسمع بكل ما يسمعه عنه الآن في الإذاعة والتلفزيون. ما هي إلا دقائق، حتى يتحول البيت المنسيّ في المصيطبة القديمة إلى محجّة، لا يكاد الزائر يستدل على موقعه حتى يبدأ حديثاً طويلاً عن ذكرياته فيه. ارتفع سعر السجائر فجأة في الدكان الواقع إلى جانب البيت، وما عاد أهل الحي يجدون مواقف لسياراتهم. إنها المهزلة كاملة. وبدل أن يوقف «البيك» هذه المسرحية المبكية وينزل عن المسرح، بدأ بـ«تدفيش» الممثلين الواقفين خلفه، محاولاً أن يوقعهم ليبقى وحده.

 

ليتبين لاحقاً أن ما يفعله ويقوله، بدءاً من أن «الرئيس المكلف يزار ولا يزور»، وانتهاءً بطلبه من الكتل النيابية أسماء وزرائها ليختار لهم حقائبهم، لا علاقة له من قريب أو بعيد بالتمثيل، وإنما بالجينات البكوية.

يحاول الرئيسان نبيه بري وفؤاد السنيورة والوزيران غازي العريضي وجبران باسيل والنائب ميشال المر التصرف مرات كثيرة كـ«بكوات»، لكنهم يتعثّرون سريعاً. أما في حالة سلام، فغلب الطبع «البكوي» كل تطبّع. لسنوات طويلة مضت، كان الرجل يوهم أقرب المقربين إليه بأنه يفهم استياء المسيحيين العارم من إعطائهم فتات السلطة، موحياً بأن موقفه من الإقصاء السياسي مبدئي، يتجاوز كونه أولى ضحاياه في بيروت. ما كان أحد يتخيله يقول: «أُزار ولا أزور» أو «أُستشار ولا أستشير» أو «أعطي ولا أُعطى». ما كان أحد يتخيل أن يغلب الطبع التطبّع بهذه الطريقة.

توفي صديق والده بطل الاستقلال حبيب أبي شهلا عام 1957 وكان عازباً، فلم يجد الرئيس المكلّف من يرث أبي شهلا في حكومته محله. هو ينسجم مع هؤلاء أكثر. بحث عن شارل دباس جديد، فوجد أن نقيب المحامين السابق رشيد درباس هو الأنسب ما دام الفرق بين الرجلين حرفاً واحداً. طرح وزير الثقافة في حكومة تصريف الأعمال غابي ليون لتولي وزارة الخارجية، لا لشيء سوى أنه يذكّره بالمرحوم سليم تقلا، متجنّباً الوزير السابق الياس سكاف لأن علاقة والديهما لم تكن سوية، رغم أن الأخير «بيك» ووسطي أيضاً. سأل الرئيس بري عمن يرشح من سلالة الرئيس صبري حمادة، فعرض عليه أسماءً يترحّم من يقرأها على الوزير السابق طراد حمادة. لو ترك العونيون أمر تمثيلهم له، لاختار لهم الناشط البعبداوي في صفوفهم فؤاد شهاب، علّ نسباً خفياً يربطه بصديق والده الرئيس فؤاد شهاب. في زمانه، وجد الرئيس صائب بيك سلام لحكوماته وزيراً للدفاع قلّ نظيره هو المير مجيد أرسلان. يتذكر الرئيس المكلف نفسه طفلاً يهتف مع المرددين: «بعكورك يا مير مجيد بوقِّع أكبر طيارة». وبناءً على هذه الذكريات المجيدة، بحث أياماً وأسابيع وشهوراً طالت عاماً عمّن يملك «بعكوراً» حتى وجد النائب دوري شمعون. ضوّت في رأسه: والده الرئيس كميل شمعون مفضل على والدي، تتوّج الوزارة مسيرته السياسية مع بلوغه الثالثة والثمانين، ويسهم بوصفه رئيساً لحزب الوطنيين الأحرار في حل عقدة التمثيل المسيحي في معضلتي الحكومية. ثمة من يريد تشكيل حكومة توافقية تحظى برضى حزب الله يقترح شمعون لحقيبة الخارجية! فليجد النائب أحمد فتفت، إذاً، رابطاً أسرياً يجمع سلالته بسلالة سلام، وسيعيده البيك إلى وزارة الداخلية.

بالعودة إلى شمعون، من كان يمثّل المسيحيين تاريخياً؟ يسأل سلام نفسه ويجيب: «الكتائب، الوطنيون الأحرار والكتلة الوطنية». الكتائب معه، بحكم صداقته الموروثة بالرئيس أمين الجميّل، وضم الوطنيين الأحرار. يكفيه أن يجد مكاناً مثل وزارة التربية لعميد حزب الكتلة الوطنية كارلوس أده حتى يصبح بإمكانه طرق باب بكركي بشجاعة أكبر، واثقاً بالتمثيل المسيحيّ الوازن في حكومته. ولعل الرئيس ميشال سليمان «يمرمر» التمثيل المسيحي الوازن هذا أكثر عبر تسميته النائب ميشال المر عن المقعد الأرثوذكسي المخصص للرئاسة الأولى، في انتظار أن يتضح موقفا كل من حزب الطاشناق والنائب سليمان فرنجية. لا يصدق سلام تصرف فرنجية الحفيد معه كما كان يتصرف فرنجية الجد مع والده؛ يوتّره بيك زغرتا ويغيظه.

قبل اكتشافه نفسه، كان يمكن سلام أن يكتفي بمقعد سنّي واحد، مفضّلاً تنويع طوائف حقائبه الأخرى. أما الآن فيتفرج تيار المستقبل باندهاش عليه يأخذ لنفسه ثلاثة مقاعد وزارية من أصل الخمسة المعطاة للطائفة السنية، والثلاثة بحكم تمثيل رئيس الحكومة الواسع مناطقياً بيروتيون.

(…) قبل بضعة أيام، تقول رواية جدية، تنبّه رئيس الجمهورية في نهاية يومه إلى أنه لم يسمع أي جديد من الرئيس المكلف. راجع أحد التقارير الأمنية فتيقّن من عدم إجراء سلام أي اتصال سياسي في ذلك اليوم. ومع تيقّنه من عدم وجود نية لدى الرئيس المكلف القيام بأي شيء من شأنه تأليف هذه الحكومة، طلب من الوزير السابق خليل الهراوي زيارته وحثّه على فعل شيء. فما كان من سلام إلا أن زار بعبدا، لسؤال الرئيس عمّا في وسعه أن يفعله، وفُعّلت، بناءً على اتصالات الرئيسين، مبادرة النائب وليد جنبلاط. نصيحة: لا تسألوا الرئيس بري، صف المستقبل الثاني، العماد ميشال عون وموفدي حزب الله عنه. هنا فقط اكتشف وليد بيك جنبلاط كيف يكون البيك بيكاً.

من يعرفون صائب بيك يعلمون أنه نام رئيساً أول مرة عين فيها رئيساً للحكومة خمسة أيام فقط، من 14 أيلول 1952 حتى 18 أيلول 1952. ولم يدم ظله رئيساً للحكومة في المرة الثانية، حين عينه الرئيس كميل شمعون في صيف 1953، أكثر من أربعة أشهر. ولولا طول بال الرئيس فؤاد شهاب وصبر الرئيس سليمان فرنجية، لما نجح صائب بيك بالبقاء رئيساً للحكومة أكثر من عام.

لو كان في بيت المصيطبة ما يحسب له حساباً في السياسة، لما كان الرئيس رفيق الحريري ترك له في السعودية متنفساً وأبقاه سياسياً واجتماعياً ومالياً على قيد الحياة.

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.