العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

غسان شربل يحاور الدكتور علي عبد السلام التريكي (4 حلقات كاملة)

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

التريكي لـ«الحياة»: يقتل الديكتاتور شعبه ثم يهتف «شعبي يحبني»

قال وزير الخارجية الليبي السابق علي عبدالسلام التريكي ان المأساة تبدأ «حين ينفصل الحاكم عن الواقع ويأتي المداحون لمضاعفة المشكلة… وذروة المأساة ان معمر القذافي وككل ديكتاتور يذوّب المؤسسات ويقتل الشعب ثم يخرج هاتفاً: شعبي يحبني». لكنه أعرب عن قلقه على ليبيا وعلى «الربيع العربي» ممن يديرونه آملاً ألا يتكرر عصر القذافي.

 

إعلان Zone 4

امضى التريكي اربعة عقود في السلك الديبلوماسي التقى خلالها 128 زعيم دولة، بعضهم مرات عدة. اتاحت له تجربته التعرف إلى اجيال من الحكام، خصوصاً في القارة السمراء التي حظيت باهتمام استثنائي من القذافي الذي ابتهج بلقب «ملك ملوك افريقيا»، وهو ما يعتبره التريكي فصلاً مخجلاً.

 

وكان التريكي يتحدث الى «الحياة» عن تجربته الطويلة في ديبلوماسية «الجماهيرية الليبية» ومفاجآت القذافي وكذلك عن انطباعاته عن شخصيات التقاها بحكم مهماته. (لقراءة نص المقابلة كاملاً.)

 

قال التريكي ان القذافي نظر الى ساعته، وقال حان موعد الصلاة وقطع محادثاته مع القادة السوفيات ليصلّي تحت قبة الكرملين. وروى ان القذافي فاجأ الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف بالقول: «اتصل بي اليابانيون ووسّطوني من اجل ان تعيدوا اليهم الجزر المحتلة». وبدا الاستياء واضحاً على وجه بريجنيف الذي رد زاجراً ومتهكماً: «لو كنا نريد اعطاء ارض لكل من يطالب بها لأصبحنا دولة صغيرة مثل ليبيا». ابتلع القذافي الملاحظة القاسية بلا تعليق.

 

وكشف ان القذافي استدعاه ذات يوم وطلب منه نقل رسالة الى العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني تبدأ بعبارة :»انت رجل خائن وعميل»، مشيراً الى انه كان ينقل الرسائل بعد اسقاط هذه العبارات منها.

 

كان التريكي رئيساً للجمعية العامة للامم المتحدة في ايلول (سبتمبر) 2009 حين وقف القذافي متحدثاً أمامها. انتهك المتحدث كل القواعد وطالب بإعادة التحقيق في اغتيال الرئيس جون كينيدي وإطلاق الكولونيل نورييغا. وفوجئ التريكي بالقذافي يحقر ميثاق الامم المتحدة ويرميه ارضاً ولم يستطع إلا أن يغطي وجهه خجلاً على مرأى من وسائل الإعلام. وفي تلك الدورة زار الرئيس باراك اوباما التريكي في مكتبه، لكنه امتنع عن لقاء القذافي الذي عاتب التريكي بشدة.

 

قال التريكي ان علاقة من الكره المتبادل قامت بين القذافي وصدام حسين ودعم كل منهما معارضي الآخر وتبادلا الضربات على ارض تشاد. لكنه كشف ان القذافي عرض على صدام، ابان الحرب العراقية – الايرانية، تزويده طائرات حربية اذا وافق على تسليمه المعارض الليبي محمد المقريف، لكن ذلك لم يحصل في حين ادت صفقة مع المغرب الى تسليم عمر المحيشي وقتله.

 

وتحدث عن لقاءات طويلة مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد الذي كان يعرب عن عدم ثقته بالنائب اللبناني وليد جنبلاط وانزعاجه الشديد من «عناد» غالبية الموارنة.

 

ووصف امبراطور افريقيا الوسطى بوكاسا بأنه «رجل أهبل ومجنون». وقال ان الرئيس الزائيري الراحل موبوتو سيسي سيكو انزعج من النادل على يخته فأمر بإلقائه للتماسيح. وذكر ان القذافي ارسل قوات الى اوغندا لدعم رئيسها عيدي امين فتكبدت خسائر لأنها معتادة على الصحراء لا على الغابات. وقال انه حمل رسالة الى الرئيس الكيني، وكان اللقاء فاشلاً، لكن وزير الخارجية هناك كان مهتماً بـ «السطو على الطائرة الليبية الخاصة التي وصلت بها وقد تمكنت من انقاذها».

 

وذكر التريكي ان اجهزة القذافي فجّرت طائرة مدنية ليبية وقتلت ركابها لاتهام الاميركيين، وعلى امل اجراء نوع من المقايضة مع طائرة «لوكربي».

 ___________________________________________________________________________

التريكي لـ«الحياة»: عرف القذافي باندلاع حرب أكتوبر 1973 فقال «بدأت المسرحية»… عرض على صدام تزويده طائرات حربية إذا وافق على تسليمه محمد المقريف (الحلقة الأولى)

نص المقابلة كامل

ما أصعب أن تكون وزيراً للخارجية ويحملك الأخ القائد رسالة إلى زعيم عربي يستهلها بعبارة «انت رجل عميل». وما أصعب أن ترافق القائد في أسفاره أو مشاركته في القمم لأن باب المفاجآت يبقى مفتوحاً على مصراعيه. وما أصعب أن تكون رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة ويأتي زعيم بلادك ليرمي ميثاقها ويحقرها. وما أصعب أن تلتقي بوكاسا وعيدي أمين وموبوتو سيسي سيكو وأن يحاول نظيرك الأفريقي السطو على الطائرة الخاصة التي أقلتك.

إنها مهمة شاقة أن تحاول تسويق ما لا يمكن تسويقه. وأن تحاول تحسين صورة بلد تعتمد أجهزته الأخرى ديبلوماسية التسليح والتفجير واصطياد «الكلاب الضالة». إنها مهمة شاقة أن تكون وزير خارجية رجل مريض يزعم أن التاريخ انتدبه لمهمة كبرى وأنه قادر على تغيير العالم بكتيب ساذج ما كان العالم ليحفل به لولا الذهب الأسود النائم تحت ثياب الصحراء المترامية.

بعد روايات عبد المنعم الهوني وعبد السلام جلود وعبد الرحمن شلقم كنت ابحث عن الدكتور علي عبد السلام التريكي، الذي أمضى أربعة عقود في شؤون ديبلوماسية الجماهيرية وشجونها. اغتنمت مروره في باريس فوافق على مغادرة صمته. تعمدت أن يكون الحوار أشبه بدردشة طويلة لإنعاش ذاكرته. سألته عن معمر القذافي وعلاقاته بزعماء وقادة ولم يبخل بالإجابات.

غضب القذافي من «خيانة» عبد الرحمن شلقم الذي انحاز إلى الثورة وقرر تعيين التريكي خلفاً له مندوباً لليبيا لدى الأمم المتحدة. تظاهر التريكي بالقبول وحين خرج انشق عن النظام وهو يقيم مذذاك في القاهرة. تسلط رواية التريكي الضوء على أسلوب ومواقف وعلاقات وهنا نص الحلقة الأولى:

> ما هو شعورك بعد هذه التجربة الطويلة؟

– الحقيقة إنني سعيد بهذه التجربة في العمل الديبلوماسي. عملت وزيراً للخارجية ثلاث مرات ومندوباً لدى الأمم المتحدة ثلاث مرات وتوليت رئاسة الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس وزراء الخارجية العرب ومجلس وزراء خارجية الدول الإسلامية وتوليت رئاسة مجلس وزراء الخارجية للبلدان الأفريقية اكثر من مرة. كما مثلت ليبيا في قمم عربية وأفريقية مرات عدة. إنها تجربة طويلة التقيت خلالها 128 زعيم دولة وقسم منهم مرات عدة.

> ذهبت باكراً إلى أفغانستان؟

– نعم ذهبت إلى أفغانستان والتقيت الملك ظاهر شاه. كان الهدف من إحدى الزيارات فتح كلية إسلامية بعدما فتح الاتحاد السوفياتي الشيوعي معهد بوليتكنيك بناء على طلب بعض المسؤولين. وأنشأنا أيضاً إذاعة اسمها «صوت الإسلام». كان ذلك في عام 1973. ثم كرت سبحة الانقلابات فالتقيت من تعاقبوا على موقع القرار محمد داود خان ثم حفيظ الله أمين ثم بابراك كرمل. أي أنني التقيت الملك ثم الذين انقلبوا عليه وتقاتلوا وكانت سلسلة الأحداث دموية.

في أثيوبيا حدث الشيء نفسه تقريباً. التقيت الإمبراطور هيلاسيلاسي ثم لاحقاً من انقلبوا عليه خصوصاً منغيستو هايلي مريام. هذا الأمر أتاح لنا متابعة التحولات التي كانت تشهدها بعض الدول. في العلاقات بين الدول يجب أن تعرف مع من تتحدث وما هي سياسته وتحالفاته ومصالحه.

> كيف وجدت شخصية هيلاسيلاسي؟

– كان ديكتاتوراً لكنه كان زعيماً تاريخياً للمسيحيين في أثيوبيا ولقبيلة الأمهرة بالذات. كان أيضاً احد المؤسسين لمنظمة الوحدة الأفريقية وكان يحظى باحترام في صفوفها خصوصاً انه أقام علاقات جيدة ومتينة مع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

> ماذا كان موقف ليبيا حين حصل التدخل العسكري السوفياتي في أفغانستان؟

– كان موقفنا شبيهاً بموقف معظم الدول في العالم الإسلامي وهو معارضة هذا التدخل. اعتبرنا أن التدخل يمثل خطورة على العالم الإسلامي والعالم العربي. طبعاً من دون أن ننسى أن قيام ثورة في أفغانستان ضد نظام متخلف أثار آمالاً بتحقيق تقدم. كنا في الواقع نشعر بقلق على باكستان من سياسة الاتحاد السوفياتي ولم يكن يريحنا وجود نظام ماركسي شيوعي في أفغانستان المتاخمة لباكستان. وقد قمت في تلك الفترة بوساطة بين أفغانستان وباكستان لتبريد الخلافات على الحدود بينهما وتكللت بالنجاح.

> كيف كانت علاقة القذافي مع هيلاسيلاسي؟

– لم تكن للقذافي علاقة طيبة معه. السبب العلاقات المميزة التي كانت قائمة بين أثيوبيا وإسرائيل. طلب معمر نقل مقر منظمة الوحدة الأفريقية من أديس أبابا إلى القاهرة. كنت مديراً للدائرة الأفريقية واعترضت على الطلب وقلت انه يعطي للأفارقة انطباعاً أن العرب يريدون الهيمنة على المنظمة الأفريقية. اقترحت نقل المقر إلى عاصمة أفريقية أخرى وكان التجاذب شديداً فميثاق المنظمة انطلق من أديس أبابا واستمرت الحال على ما هي عليه ثم جاءت الثورة في أثيوبيا.

> كيف تعاطيتم مع التغيير الذي حصل في أثيوبيا؟

– كنت أول اجنبي يزور أديس أبابا بعد التغيير. كانت السلطة في ايدي لجنة عسكرية برئاسة ضابط برتبة لواء. اكتشفت خلال اللقاء أن اللواء عندوم كان يتحدث بعبارات عامة ويؤكد لي أن ما سمعته من الأعضاء الآخرين في اللجنة العسكرية هو الحل. وحين اجتمعت بأعضاء اللجنة قبل ذلك لفت نظري أن ضابطاً برتبة رائد بدا صاحب نفوذ بينهم وقالوا لي إن اسمه منغيستو هايلي مريام. أدركت خلال زيارتي أن اللواء مجرد ستارة تشبه ما كان عليه محمد نجيب في مصر أي واجهة بانتظار انتقال المقاليد إلى الرجل القوي وهو منغيستو وهذا ما حدث. كتبت بعد عودتي تقريراً بهذا المعنى. وقعت تجاذبات بين الثوار وكان منغيستو الأكثر قوة ودموية وتولى تصفية رفاقه.

> كيف كانت علاقة القذافي بمنغيستو؟

– كانت جيدة على رغم أن منغيستو ماركسي. في تلك المرحلة كان السوفيات يفضلون الجناح الحزبي المدني في حين قدمنا نحن مساعدات عسكرية للجناح العسكري أي لفريق منغيستو. كنا نعتبر أن إسرائيل تفرض حصاراً على الأمة العربية من أديس أبابا إلى السنغال. أقامت إسرائيل علاقات مع هذه الدول وكان لا بد من كسر هذا الحصار. في 1973 ساهمت الجهود العربية والليبية في كسر هذا الحصار وأقنعنا هذه الدول بقطع علاقاتها الديبلوماسية مع إسرائيل.

> هل افهم أن القذافي كان يكره الشيوعية والشيوعيين؟

– نعم.

> كيف كانت علاقته مع الاتحاد السوفياتي؟

– يجب أن نتذكر هنا أننا نتحدث عن مرحلة مختلفة في العالم العربي وفي العالم ككل. كان هناك عالم القطبين وكانت الانقلابات العسكرية والانتفاضات شائعة. حتى بالنسبة إلى القذافي يجب التمييز بين السنوات الأولى والسنوات التي تلتها. الشعارات التي رفعها القذافي في السنوات الأولى حول الوحدة وقومية العمل الفدائي وغيرها وكانت استعادة لشعارات عبد الناصر أثارت حماسة كثيرين. بعد محاولة الانقلاب ضده في 1975 تغير القذافي. لم يعد يثق بأحد وانهمك بالمحافظة على سلطته وتفكيك أي مصدر محتمل للخطر. هكذا بدأت الممارسات التي تحولت كارثة في النهاية.

> رافقت القذافي في محادثاته مع الزعماء السوفيات كيف كانت؟

– التقى القذافي خلال زيارته بكل من ليونيد بريجنيف وقسطنطين تشيرنينكو وميخائيل غورباتشوف. كان معمر في البداية يكره الشيوعية والشيوعيين. وكان يعتقد أن الاتحاد السوفياتي لم ينفذ تماماً تعهداته لعبد الناصر. وفي 1973 كان للرئيس الجزائري هواري بومدين ملاحظات من هذا النوع تحدثا فيها. وقد دفعت الجزائر نقداً للاتحاد السوفياتي ثمن الأسلحة التي احتاجها عبد الناصر في تلك المرحلة.

لم يكن القذافي مؤيداً لأي هيمنة سوفياتية على حركة عدم الانحياز. وفي قمة الحركة في الجزائر في 1973 قال القذافي إن الدول المؤيدة للاتحاد السوفياتي ليست في الواقع دولاً غير منحازة. ثم إن القذافي كان يريد إقامة علاقات مباشرة مع الجمهوريات ذات الأكثرية الإسلامية في الاتحاد السوفياتي ومن دون المرور بموسكو. كلفني القذافي بزيارة هذه الجمهوريات لإقامة مثل هذه العلاقات فما كان من السوفيات إلا أن احضروا هؤلاء إلى موسكو والتقيتهم في الكرملين ولم يتح لي زيارتهم في جمهورياتهم وكانت الرسالة واضحة.

> كيف تعامل السوفيات مع معمر القذافي؟

– كانوا حريصين على فتح علاقات واسعة مع العرب بعدما تبنوا عبد الناصر وفكرة السد العالي وكانوا يتطلعون إلى وجود كبير في الوطن العربي. لهذا كانوا يحرصون على مراعاة الفئات التي أطاحت أنظمة مؤيدة للغرب. والواقع انهم سايروا القذافي على رغم صدامات أو ممارسات مستغربة كانت تحدث أحياناً. على سبيل المثال كانت المحادثات تجري في الكرملين والتفت القذافي إلى ساعته وقال حان موعد صلاة العصر. وهكذا توقفت المحادثات ليصلي القذافي في الكرملين. ولعلها كانت المرة الأولى التي يقيم فيها السوفيات حفلاً على شرف زعيم زائر ولا يقدمون الخمر. كان القذافي يكره أميركا ويحمل على الدول الحليفة لها أو الصديقة وربما يتحرش بها لكنه لم يكن سوفياتياً في حساباته ولا تابعاً على رغم شراء السلاح من السوفيات.

> لم يكن القذافي يشرب الخمر؟

– لا. على الأقل هذا ما اعرفه.

> الم يكن يدخن؟

– قليلاً جداً. وقصة التدخين في المؤتمرات أحياناً كانت مقصودة.

> على ماذا أيضاً كان يصطدم بالسوفيات؟

– كانت لديه مآخذ على أوضاع الجمهوريات الإسلامية المنضوية في الاتحاد السوفياتي. ناقش السوفيات أحياناً في طبيعة علاقاتهم بدول حلف وارسو وكان يعتبرها نوعاً من الهيمنة. كان يريد من موسكو موقفاً اشد في النزاع العربي -الإسرائيلي. كان بومدين أيضاً يريد مثل هذا الموقف من السوفيات لكنه كان يعتبر أن على العرب أن يقدموا شيئاً بدورهم، لهذا اقترح في قمة الصمود والتصدي التي عقدت في دمشق وبعد اختيار مصر طريق كامب ديفيد إقامة تحالف استراتيجي مع السوفيات لكن ذلك لم يتحقق. في السنوات الأولى لم يسمح القذافي للأسطول السوفياتي بزيارة الموانئ الليبية، في سنواته الأخيرة كان الموقف مختلفاً.

> أرغمت ليبيا طائرة قادة الانقلاب على الرئيس جعفر نميري على الهبوط في أراضيها وسلمتهم للنميري الذي اعدمهم وقام بتصفية الحزب الشيوعي؟

– كنت رئيساً للدائرة العربية في وزارة الخارجية. تمت العملية بموجب اتفاق بين القذافي والرئيس أنور السادات. للأسف قام النميري بإعدام قادة الحزب الشيوعي ومن تسلمهم من طرابلس.

> كيف كانت علاقات القذافي مع السادات؟

– كان القذافي مستقبلاً وزير الدفاع في غينيا كوناكري حين ابلغ باندلاع حرب 1973 فسارع إلى القول: «بدأت المسرحية». كان القذافي مطلعاً على وجود استعدادات للحرب وقدمت ليبيا بعض المساعدات بما فيها قوارب استخدمت في العبور لكنه لم يكن مطلعاً على موعد الحرب وكان لديه شعور بأنها مدبرة. على رغم ذلك انتقل القذافي إلى القاهرة وزار غرفة العمليات. استنتج معمر أن الجيش المصري لم يهزم عسكرياً بل بسبب القرار السياسي المصري. بدأ التوتر في العلاقات وبلغ مرحلة الصدام على الحدود. أنا في الحقيقة كنت أرى مخاطر القطيعة مع مصر مهما كانت الخلافات مع النظام القائم فيها. بوساطة من الرئيس الغيني احمد سيكوتوري التقيت نائب رئيس الوزراء المصري حافظ غانم في كوناكري والتقيت بالدكتور محمد رياض وزير الدولة المصري للشؤون الخارجية بمبادرة من أياديما رئيس توغو. القطيعة العربية مع مصر كانت من القرارات المكلفة. في أول قمة للصمود والتصدي صغت مع عبد العزيز بوتفليقة، وكان وزيراً لخارجية الجزائر، بياناً قلنا فيه إن الأمة العربية ضعيفة بلا مصر ومصر لاشيء بلا الأمة العربية.

> حضرت قمة بغداد التي قررت معاقبة مصر ونقل مقر الجامعة العربية منها من كان متحمساً من القادة العرب لطرد مصر؟

– اكرر القول إن الرد العربي الأول لم يكن ذكياً وجر السادات إلى استخدام أسلوب العنجهية والمكابرة. في القمة كان صدام متحمساً لاتخاذ موقف متشدد من مصر. وكان حافظ الأسد متحمساً هو الآخر. هناك مأساة في العلاقات العربية لا تغيب حتى في أصعب الظروف. كان الود مفقوداً بين صدام والأسد وانعكس ذلك بوضوح في تصرفات الأول الذي استبعد أطراف جبهة الصمود عن المشاورات ما دفعنا إلى مقاطعة الاجتماع إلى أن تغير الأسلوب فشاركنا. شعرنا أن صدام يتشدد في الموقف من مصر وأن هدفه الآخر إضعاف الأسد. طبعاً لم يكن صدام قد تولى الرئاسة بعد لكنه كان المهيمن على القرار العراقي من موقعه نائباً للرئيس. لم يحضر القذافي تلك القمة وكان الوفد الليبي برئاسة أبوبكر يونس جابر رحمه الله.

من يرث دور عبد الناصر؟

> كيف كانت علاقات القذافي مع صدام حسين؟

– كانت سيئة ومتوترة والأسباب كثيرة. ترك غياب جمال عبد الناصر فراغاً في العالم العربي أو على الأقل في جزء منه. هناك من حلم بملء هذا الفراغ. بعد زيارة السادات إلى القدس تعامل صدام مع مصر بوصفها «الرجل المريض». كان يعتقد أن حزب «البعث» قادر على وراثة دور الناصرية خصوصاً أن العراق بلد يملك إمكانات مالية وثروة نفطية. السلطة المطلقة تشجع صاحبها على هذا النوع من الأحلام. المشكلة أن بعض الذين يخوضون في هذا النوع من التجارب يتجاهلون الحقائق الإقليمية والدولية وغالباً ما يكونون عاجزين عن فهم موازين القوى. لهذا تأتي النتائج كارثية. وقد دفعت الأمة العربية أثماناً باهظة لحروب الزعامة والأدوار والمبالغات وسوء التقدير.

معمر القذافي أيضاً وقع في وهم الدور الكبير ووراثة دور مصر أو التأثير في قرارها. مشكلة بعض الرجال انهم لا يعرفون العالم ويتوهمون القدرة على تغييره من دون الالتفات إلى الحجم الحقيقي لبلدانهم. القذافي وقع في وهم تغيير العالم بأسره.

كانت هناك كراهية متبادلة بين صدام ومعمر ترجمت على الأرض. خلال النزاع الليبي – التشادي قدم صدام أسلحة متطورة لحسين حبري لمعاقبة القذافي. في المقابل ايد القذافي دائماً حق الأكراد في إنشاء وطن قومي لهم وقدم دعماً لهم واستقبلت ليبيا جلال طالباني ومسعود بارزاني وشخصيات عراقية معارضة. طبعاً كان ذلك يتم بالتنسيق مع سورية التي تسعى إلى إضعاف صدام حسين. حصل صدام مباشر بين القذافي وصدام في قمة عربية عقدت في الدار البيضاء وتدخل حافظ الأسد مؤيداً القذافي. كان صدام يتعامل مع القذافي بنوع من التعالي.

طبعاً ترسخت القطيعة حين وقفت سورية وليبيا إلى جانب إيران وقدمتا لها دعماً في حربها مع العراق. ارتكبت السلطات الليبية خطأ حين أصدرت في ختام زيارة علي خامنئي لطرابلس، وكان يومها رئيساً للجمهورية، بياناً سحبت فيه اعترافها بالنظام العراقي. وللأسف لعب الرائد عبد السلام جلود دوراً في هذه المسألة. هذا التشدد غير المبرر أدى إلى قطع العلاقات. لاحقاً وبعد وساطات عربية عقد في المغرب لقاء حضره من الجانب العراقي طه ياسين رمضان وطارق عزيز ومن الجانب الليبي الخويلدي الحميدي وأنا. لم يتم التوصل إلى اتفاق. بعدها اجتمعت مع طارق عزيز في صنعاء. الحقيقة أن الملك الحسن الثاني لم يكن جاداً أو مصراً على إنهاء الخلاف العراقي – الليبي. يمكن قول الشيء نفسه بالنسبة إلى الأزمة بين مصر وليبيا. التجربة تقول إن السياسة الفعلية لمعظم الأنظمة العربية هي تصفية الحسابات. كثيراً ما تحكمت النظرة الضيقة بالسياسات والقرارات.

> من كان في القيادة الليبية متحمساً لتزويد إيران صواريخ استخدمتها في قصف المدن العراقية؟

– الرائد عبد السلام جلود كان الأبرز في هذا الاتجاه. أنا لم اكن راضياً على هذا التوجه فالعراق في النهاية بلد عربي.

> هذا يعني أن القذافي كان يكره صدام؟

– كان الكره متبادلاً. طبعاً صدام توقف في ليبيا والتقى القذافي في طريقه للمشاركة في قمة «أوبك» في الجزائر حيث التقى شاه إيران ووقعا ما عرف بـ «اتفاق الجزائر».

 

طعام من بغداد

> التقيت صدام اكثر من مرة ما هو انطباعك؟

– انطباعي انه كان يعيش في عالمه الخاص تماماً كما حدث للقذافي. تصور أن يأتي وزير لمقابلة رئيس دولة وتتولى المراسم نقله من مكتب إلى آخر إلى ثالث لينتهي به الأمر في حضرة الحاكم. كان يعطي انطباعاً انه رجل مغرور. في طريقة حديثه ومشيته وحركاته وكذلك في سلوكه إبان القمم التي يشارك فيها. في قمة تونس وخلال العشاء الرسمي تم إحضار طعام خاص لصدام اصطحبه الوفد العراقي معه. اعتبر الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة الأمر بمثابة إهانة وعدم ثقة بأجهزة الأمن التونسية فهاجم صدام بحدة وكان الموقف سيئاً. حصل صدام آخر بين الرجلين أثناء أعمال القمة. الحقيقة أن صدام كان يتصرف على أساس انه الزعيم الأبرز أو الأقوى.

في قمة تونس تم التطرق إلى المشكلة في لبنان وكان الرئيس الياس سركيس حاضراً. شعر بعض المشاركين بشيء من عدم الارتياح حين تحدث الرئيس ياسر عرفات وكأنه رئيس لبنان. بعدها عقد اجتماع في جناح صدام. كان اللقاء على مستوى الزعماء لكننا دعينا أنا ووزير خارجية الجزائر محمد بن يحي. كان بين الحضور الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وولي العهد السعودي الأمير فهد بن عبد العزيز والرئيس حافظ الأسد. اهتم صدام بالتشاور مع بعض الحاضرين خصوصاً الأمير فهد في حين كان المسكين الرئيس جعفر نميري مثلاً يلجأ إلي لمعرفة ماذا يجري. طبعاً أنا وزميلي الجزائري دعينا ربما لنشارك في أي التزامات مالية قد تقر. القذافي لم يكن حاضراً.

فجأة قال صدام: «أوجدنا حلاً لمشكلة لبنان». سألته كيف؟ فرد «سنعطي لبنان بليوني دولار». الأمر غريب فعلاً. أي متابع للمشكلة كان يدرك حجم التعقيدات فيها. هناك الخلاف اللبناني – الفلسطيني. والخلاف اللبناني – اللبناني. ومسألة الحساسيات بين دمشق ومنظمة التحرير الفلسطينية. كلام صدام يعطي فكرة عن القمم العربية وطرق المعالجة. هكذا تم ترحيل الموضوع ولا اعتقد أن لبنان حصل على شيء من البليونين. هناك سوء تقدير وتبسيط للمشكلات ورغبة عميقة في إرجاء الحلول الفعلية. أسلوب المعالجة يقوم على لملمة متسرعة للموضوع وإصدار بيان ويغادر الزعماء ولا يتغير شيء.

كانت علاقة صدام مع معمر سيئة للغاية. قام كل منهما باحتضان معارضي الآخر. كانت النظرة أن المعارض شخص خطر يجب بذل كل شيء من اجل التخلص منه. على سبيل المثال قدم معمر عرضاً سخياً لصدام في حال موافقته على تسليم طرابلس المعارض الليبي محمد المقريف.

عرض عليه كمية محترمة من الطائرات المقاتلة في مقابل تسليم المقريف. وكان ذلك في أيام الحرب العراقية – الإيرانية. لم تصل المسألة إلى نتيجة. كان القذافي يدعم المعارضة الكردية والإسلامية في العراق ربما كان مستعداً لإجراء مقايضة. لم تنجح المسألة مع صدام لكنها نجحت مع المغرب فقد أدى عرض سخي من القذافي إلى الملك الحسن الثاني إلى قيام المغرب بتسليم عضو مجلس قيادة الثورة الليبية المقدم عمر المحيشي إلى طرابلس حيث تم قتله.

> هناك من يقول إن القذافي شهد شخصياً عملية قتل المحيشي بعد استعادته من المغرب؟

– لا علم لي بهذا التفصيل بالذات. هذه الممارسات القاسية تناولت أيضاً شخصاً فاضلاً هو وزير الخارجية السابق منصور الكيخيا.

> ما هي قصة الكيخيا؟

– الكيخيا رجل سياسي ومحترم. ذهب ضحية عملية سيئة وقذرة من جانب النظام الليبي. خطفوه من القاهرة ولم يعثر على جثته. ظهرت روايات متعددة حول موعد قتله. كان منصور مناضلاً.

> لماذا قتله القذافي ما دام لا يشكل خطورة على نظامه؟

– إنها عقلية تصفية كل معارض. لعبت الأجهزة الليبية دوراً قذراً في تصفية المعارضين.

 

الصدر لم يصل عبر الخارجية

> ما هي قصة اختفاء الإمام موسى الصدر رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان؟

– نتحدث هنا بأمانة. أنا لا علم لدي بالتفاصيل. لم يأت الإمام الصدر إلى ليبيا عن طريق الخارجية. الدور الوحيد للوزارة كان مقتصراً على دعوة نقلها القائم بالأعمال الليبي في بيروت إلى الصدر. بعد ذلك تم التنسيق مع جهات أخرى. أنا لم ألتق الصدر. ما كنت أسمعه هو أنه رجل مناضل وصاحب موقف قومي.

> ماذا قيل في طرابلس بعد شيوع نبأ اختفائه؟

– نحن في الخارجية لم نعرف لا كيف وصل ولا متى. لاحقاً وبعد تركي منصب وزير الخارجية اهتمت الوزارة بإجراء اتصالات مع الإيطاليين فقد قالت السلطات يومها انه غادر طرابلس إلى روما. شاع لاحقاً أن نقاشاً حاداً حصل بين القذافي والصدر وأدى إلى ما أدى إليه. والقصة غريبة إذ لم تكن لهذه الحادثة الخطرة والمؤسفة أي فائدة لليبيا أو للعمل القومي وألحقت الكثير من الأضرار. إنها جريمة غريبة ولا أعرف لمصلحة من تمت وفي أي سياق.

التريكي لـ«الحياة»: رمى القذافي ميثاق الامم المتحدة واستباح كل القواعد فغطّيت وجهي خجلاً … حافظ الاسد لم يثق بوليد جنبلاط وكان شديد الانزعاج من «عناد» غالبية الموارنة (الحلقة الثانية)

كان الدكتور علي عبدالسلام التريكي رئيساً للجمعية العامة للأمم المتحدة حين جاء معمر القذافي لمخاطبتها في ايلول (سبتمبر) 2009. كانت الفضيحة مدوية. انتهك الزعيم الليبي كل القواعد ورمى الميثاق ارضاً ولم يكن أمام التريكي غير ان يغطي وجهه خجلاً على مرأى من وسائل الاعلام. سألت التريكي عن تلك المحطة التي احتلت الشاشات يومها وسألته عن محطات اخرى وشخصيات، وهنا نص الحلقة الثانية:

> كيف كانت علاقة معمر القذافي بياسر عرفات؟

– في السنوات الاولى اعطى القذافي القضية الفلسطينية الاولوية على ما عداها وتكرر الكلام عن قومية العمل الفدائي. وبسبب هذا الموقف لم يكن القذافي يتردد في التغاضي عن بعض التفاصيل. وكانت كل الأنظار متجهة الى حركة «فتح». لاحقاً برزت تنظيمات فلسطينية اخرى مثل «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» بزعامة جورج حبش و «الجبهة الديموقراطية» بزعامة نايف حواتمة و «القيادة العامة» بزعامة احمد جبريل وتنظيمات اخرى. كان هناك شعور لدى اطراف عربية، وبينها ليبيا، ان هذه التنظيمات يمكن ان تشكل بديلاً من «فتح». وهكذا قامت ليبيا بتسليح هذه التنظيمات ودعمها في لبنان في موازاة تسليح ودعم تنظيمات لبنانية كانت تسمى القوى الوطنية اللبنانية.

كان اسلوب القذافي المفاجئ والمباشر والمتشدد مختلفاً عن اسلوب ياسر عرفات الذي كان يريد الحصول على دعم من الدول العربية من دون ان يتيح لها الامساك بالقرار الفلسطيني او التأثير في البرنامج الفلسطيني.

لا شك في ان عرفات كان بارعاً ومناوراً. كان حاضراً حين ألقى انور السادات خطابه الشهير وأعلن استعداده لزيارة القدس من اجل ابرام سلام واستعادة الارض المحتلة. بعدها جاء عرفات الى طرابلس وراح يتذمر ويقول ان السادات فاجأه وخدعه. لاحقاً كان لدى بعض القيادة الليبية شعور بأن عرفات يمارس لعبة مزدوجة وأنه كان ينسق مع السادات من طريق تفاهم توصل اليه مع المسؤول المصري سيد مرعي. طبعاً كان عرفات يقبل ويعانق ويحاول اعطاء علاقاته الشخصية طابع الحميمية والدفء لكنه كان يتمسك بحساباته ويستفيد الى اقصى حد من التناقضات العربية للتفلت من اي ضوابط يعتبرها مزعجة.

في القمة الثالثة لـ «جبهة الصمود والتصدي»، التي عقدت في الجزائر، حاول القادة ضبط عرفات. طلبوا منه ان يكتب رسالة موجهة الى الرئيس الاميركي جيمي كارتر يقول فيها صراحة ان السادات لا يمثل الفلسطينيين في اي نقاش او مفاوضات تتعلق بالقضية الفلسطينية. اظهر عرفات تردداً فطلب الرئيس هواري بومدين مني ان أصوغ نص الرسالة ففعلت.

غضب ياسر عرفات وعتب وقال ان هناك نصاً سيعدّه المسؤول الفلسطيني عبدالمحسن ابوميزر. وفي النهاية نجح عرفات في الالتفاف على طلب القادة.

> هل كان القذافي يكره عرفات؟

– لا اعرف اذا كانت الكراهية هي الكلمة المناسبة. الاكيد انه كانت للقذافي مآخذ على اسلوب عرفات. كان الزعيم الفلسطيني بارعاً كما قلنا يقبل ويحتضن ويحاول الافادة احياناً من الخلافات العربية إما للحصول على دعم وإما لحماية قراره. مثلاً كان يأتي الى طرابلس ويقول انه لم يحصل على شيء في جولته الخليجية. كان يلعب على التناقضات. في المقابل كانت مواقف حبش واضحة وقاطعة وأسلوبه الشخصي مختلفاً وهو ما مكنه من فرض احترامه على محاوريه. طبعاً نجح احمد جبريل زعيم «القيادة العامة» في إنشاء ما يمكن تسميته علاقة خاصة مع ليبيا وحصل على دعم واضح منها.

> ألم ينزعج القذافي من كون حبش مسيحياً؟

– لم يشكل ذلك عائقاً في التعامل مع حبش او حواتمة. طبعاً في المغرب العربي لا يشكل المسيحيون جزءاً من النسيج الاجتماعي. كنا في البداية نستغرب حين نرى مصرياً اسمه جورج او اسحق ويتكلم العربية بطلاقة. التركيبة عندنا مختلفة عنها في لبنان حيث التعددية جزء اساس من تركيبة البلد. حبش كان يحظى باحترام. سمعت مثل هذا الكلام من الرئيس حافظ الاسد الذي ربطتني به علاقة خاصة وكانت لي معه لقاءات عدة. في المقابل، كانت علاقة الاسد بعرفات شائكة وقد عشتم في لبنان بعض فصولها.

> كيف كانت علاقة حافظ الاسد مع القذافي؟

– كانت جيدة إجمالاً او فلنقل لا بأس بها. وشهدت تلك الفترة محاولات للوحدة بين البلدين. يمكنني القول ان الاسد كان اكثر جدية من معمر في موضوع الوحدة. سلوك معمر اتسم بالديماغوجية في كثير من الاحيان. الاسد كان جدياً وكانت لديه قدرة على استيعاب من يتحاور معه. كان يقول مثلاً ان البعد الجغرافي ليس عائقاً وأن المسافة بين جاكرتا وبعض الجزر الاندونيسية تبلغ آلاف الكيلومترات. تمسك الأسد خلال محادثات الوحدة ببقاء حزب «البعث» معتبراً ان الموافقة على حل «البعث» خلال الوحدة المصرية – السورية كانت خطأ يجب ألا يتكرر. القذافي في المقابل كان يطالب بإلغاء حزب «البعث» في اطار الوحدة. قال الاسد انه مستعد لاندماج كامل بين البلدين شرط بقاء حزب «البعث». الحقيقة ان الاسد كان بارعاً وأظهرت الايام انه كان يعرف ماذا يريد ويجري حسابات دقيقة. في لقاءات جبهة الصمود والتصدي كان الاسد يبدو مستعداً للذهاب الى الآخر من اجل اسقاط كامب ديفيد.

يجب ألا ننسى هنا اننا نتحدث عن حقبة مختلفة. حقبة كانت حافلة بالانقلابات والاحلام الوحدوية. المشهد الدولي كان مختلفاً ايضاً. اليوم لا نسمع في العالم العربي غير أخبار التشرذم والتوتر المذهبي والتفتت.

> كيف كانت علاقات القذافي مع الزعماء العرب إجمالاً؟

– كانت له علاقات جيدة وممتازة مع الرئيس هواري بومدين. وكانت له علاقات متينة مع الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

> ماذا كنت تبحث مع حافظ الاسد؟

– كان الوضع العربي يستأثر بالجانب الاكبر من الاهتمام. بحثنا في مرحلة قيام صيغة تجمع مصر وسورية وليبيا اي «اتحاد الجمهوريات». وبحثنا في برنامج جبهة الصمود. كان الاسد يتطرق ايضاً الى الوضع اللبناني. كان ينظر الى سورية ولبنان كامتداد واحد ويعتبر لبنان امتداداً للأمن القومي السوري. ويتحدث ايضاً عن مسؤولية سورية تاريخية لمساعدة لبنان في الحفاظ على وحدته واستقراره. لا شك في انه كان يبالغ في المحبة ويبالغ في العداء حين يتعلق الامر بالاطراف اللبنانيين.

كان يبالغ مثلاً في لوم الموارنة او لنقل لقسم كبير منهم على عنادهم ويعتبر انهم يتطلعون الى الغرب باستمرار لعرقلة سياسته وأن بينهم من لا يتردد في الرهان على اسرائيل بذريعة مقاومة الهيمنة السورية. في الوقت نفسه كان يشيد بالرئيس الماروني سليمان فرنجية. كان لديه شعور ان اكثرية الموارنة لعبوا دوراً في عرقلة رغبة سورية في الامساك الكامل بالورقة اللبنانية. عملياً كان يريد من المسؤولين اللبنانيين انتهاج سياسة متطابقة مع السياسة السورية. كان ايضاً يشكو من وليد جنبلاط ويعتبره متقلباً ومزاجياً وغير مضمون. نحن كنا نشجعه على اقامة علاقات وثيقة مع جنبلاط لكن كان يبدو من كلامه انه لا يثق به في حين يثق بالذين ينتهجون سياسة مطابقة لسياسة دمشق. كانت للاسد مثلاً علاقة ممتازة مع الرئيس نبيه بري. طبعاً حظي الرئيس اميل لحود بعطف صريح من الاسد الاب ثم من نجله بشار.

> كيف كانت علاقة معمر مع الرئيس بشار الاسد؟

– لم تكن بمستوى العلاقة مع والده. كان القذافي يعتبر نفسه اكثر خبرة من جيل الأبناء من الحكام العرب وكان ينادي الواحد منهم احياناً بكلمة يا ابني وهذه مخاطبة غير مناسبة.

> من كان الاقرب الى القذافي في لبنان؟

– كانت العلاقة قوية مع القوى الوطنية اللبنانية وكان ممثلوها يزورون ليبيا ويلتقون المسؤولين ويحصلون على الدعم. هذا الملف كان في السنوات الاولى في عهدة الرائد عبدالسلام جلود الذي قام بزيارات ووساطات في الموضوع اللبناني. قدمت ليبيا دعماً واسعاً للقوى الوطنية اللبنانية والمنظمات الفلسطينية. عندما اندلعت الحرب في لبنان كان لليبيا موقف ايجابي تجاه المسيحيين اللبنانيين وكانت ضد الضغط عليهم او حشرهم الى درجة التفكير في التعامل مع اسرائيل.

> لماذا اهتم القذافي بلبنان وأنفق تلك الاموال فيه؟

– لبنان بلد مفتوح وفيه حيوية سياسية وإعلام وأفكار وأحزاب وتيارات قومية وقبل ذلك وجود الثورة الفلسطينية على اراضيه. كان هناك شعور بأهمية الوجود على الساحة اللبنانية لارتباطها بشؤون المنطقة. جمال عبدالناصر اهتم بالوضع في لبنان. حافظ الاسد كان يعتبر ان ترك لبنان يشكل خطورة على الامن القومي لسورية. صدام حسين اهتم ايضاً في مرحلة ما. القذافي اهتم هو الآخر. تركيبة لبنان كانت تسهل هذا النوع من الاهتمام او التدخل.

> في عهد القذافي كانت العلاقات الليبية – السعودية مضطربة؟

– الحقيقة ان السياسة السعودية لا تسعى الى اثارة المشاكل وتوافق على معالجتها في حال حدوثها. الخطأ كان يأتي من جانب معمر. خذ مثلاً محاولة توزيع «الكتاب الاخضر» خلال موسم الحج. تدخلت لدى الأمير سلطان بن عبد العزيز. وللأمانة كان موقفه ايجابياً وقد كان دائماً منفتحاً ورحب الصدر. كما التقيت الأمير فهد بن عبدالعزيز بعدما ألقوا القبض على ثلاثة ليبيين اثاروا مشاكل في الحج. سلمني اياهم وأعدتهم معي. القيادة السعودية قيادة عاقلة. في فترة لاحقة ذهبت الى الملك عبدالله بن عبدالعزيز في 2010. كانت لدى الملك مآخذ خصوصاً ان السلطات اكتشفت محاولة اعدّتها الاجهزة الليبية لاغتياله.

كانت التدهور بدأ بعد الإشكال الذي وقع في القمة العربية في شرم الشيخ. خلال القمة التقيت الأمير عبدالله وحاولت احتواء الموقف وتمنيت على الرئيس حسني مبارك ان يبذل جهوده. انا كنت ضد اي تدهور بين طرابلس والرياض. ذات يوم طلب مني القذافي ان اهاجم السعودية خلال زيارتي الى اليمن فلم افعل. طبعاً الملك عبدالله كان لا يثق بالقذافي. وكانت لديه معلومات مؤكدة عن خطة استهدافه. محاولة الاغتيال كانت نوعاً من رد الفعل الغوغائي من جانب القذافي على ما حدث في شرم الشيخ من صدام بين الرجلين. على رغم ذلك ابدى الإخوان في السعودية استعداداً لتجاوز ما حصل لكن القذافي كان عنيداً في هذا الموضوع. كان معمر يتخذ مواقف سيئة وغير مبررة وغير منطقية كالمطالبة بوضع الحرمين الشريفين تحت إشراف غير سعودي.

> كيف كانت علاقة معمر مع الرئيس علي عبدالله صالح؟

– عادية لكن الرئيس صالح كان يتهم القذافي بدعم الحوثيين وان السلطات اليمنية صادرت اموالاً ليبية كانت مرسلة اليهم.

> الى اي درجة كان العمل مع القذافي صعباً؟

– صعب جداً جداً. طبعاً انا لم امارس عملاً في الشأن الداخلي. في العمل الديبلوماسي كان القذافي صعباً وعليك دائماً ان تحاول اصلاح الأضرار التي تسببها تصريحاته او ممارساته. كان يتخذ مواقف عاطفية او ارتجالية وتنعكس على علاقات البلد. تسبب في ازمات كثيرة مع تونس والسعودية والسودان ودول اخرى. كنت مع مجموعة من الاخوان في الدولة نسارع الى حصر الأضرار تمهيداً لإيجاد حلول.

لم يكن القذافي يراعي الاصول الديبلوماسية. طلب مني مثلاً ان انقل رسالة الى الملك الحسن الثاني وأصر ان اقول للعاهل المغربي «انه رجعي وعميل» واتهامات اخرى. تصور ان يصل مبعوث الى دولة ليبلغ ملكها او رئيسها انه «عميل». لم نكن ننقل مثل هذا الكلام.

ذهبت الى الملك الحسن الثاني لأسلمه دعوة الى القمة الافريقية المقرر عقدها في طرابلس. استقبلني الملك في حضور وزير خارجيته واثنين من مستشاريه. قال لي قبل تسلم رسالتك احب ان اسمعك شريطاً. بدأ الشريط وإذ هو عبارة عن تعليق في الاذاعة الليبية تضمن ألفاظاً بذيئة ضد الملك وأخلاقه ومواقفه. صدم الحاضرون من الجانب المغربي لكن الملك كان يهدئهم. عقدت جلسة طويلة مع العاهل المغربي امتدت من الثامنة مساء حتى الثانية صباحاً. في نهاية الجلسة قال الملك ما رأيك يا علي ان نقوم نحن الرجعيين بتعيين شخص وتقومون انتم كتقدميين بتعيين شخص ويكون الحوار بينهما. سألته من ترشح فسمّى مسؤولاً مقرباً من الرئيس الشاذلي بن جديد. وسألني من نرشح فأوردت اسم العراقي سعدون حمادي فقال نحن نحسب سعدون معنا، اي مع الرجعيين. الحقيقة ان الملك كان يسخر من الاتهامات التي درج القذافي على إطلاقها ضد الدول المعتدلة او التي تقيم علاقات قوية مع اميركا.

هناك حالات عدة من هذا النوع. كان يغضب من عمرو موسى فيقول لي اطلبه واشتمه وقل له كذا وكذا وكنت اجيبه انا لا اقدر ان اشتم.

> لكن علاقته كانت جيدة مع زين العابدين بن علي؟

– كان بينهما نفاق متبادل. ذات يوم قال الرئيس حسني مبارك ان قمة عربية طارئة ستعقد في مصر، والملوك والرؤساء مدعوون لحضورها. بدت لهجته وكأنها استدعاء. حملني القذافي رسالة الى مبارك تقول نحن لسنا موظفين عندك وأشياء اخرى. طبعاً انا ذهبت وتحدثت بمفردات مقبولة من نوع ان الصيغة التي استخدمت فهمت وكأنها وقد تفهم الرئيس المصري. حملني رسالة من النوع الساخن الى الرئيس فرنسوا ميتران بسبب الوضع في تشاد، لكن طبعاً انا لم استخدم مفردات القذافي.

> اذاً العمل معه صعب؟

– جداً. تصور ان يفكر في تقسيم سويسرا او طردها من الامم المتحدة او اعلان الجهاد ضدها لأنها اتخذت إجراء ضد تجاوزات نجله هانيبال وزوجته. انه في الحقيقة مزاجي ويقوم احياناً بمبادرات مضرة. جرى نقاش حاد بيني وبينه حين اختلف مع رئيس جنوب افريقيا مبيكي وراح يدعم الرئيس الحالي زوما. لقد كان جزء من وقتنا مكرساً لاصلاح الأخطاء والاضرار.

> كيف استطعت العمل اذاً هذه المدة الطويلة معه؟

– انا في الحقيقة كنت خارج البلاد لسنوات طويلة بسبب طبيعة عملي. ثم انني لم اعمل في الشأن الداخلي. امضيت نحو عشر سنوات اعمل مندوباً في الامم المتحدة. وأربع سنوات سفيراً في باريس. وأمضيت سنتين مندوباً لدى الجامعة العربية. تصور ان يطلب مني بعد خطابه في نيويورك وكنت رئيساً للجمعية العامة ان علينا ان نتحرك لإعادة فتح التحقيق في اغتيال الرئيس جون كينيدي. تصور موقفي امام الحاضرين ووسائل الاعلام. يريد اعادة التحقيق في مقتل كينيدي وكأن ليست لدينا مشاكل اكثر الحاحاً. هذا الموضوع شبيه باهتمامه المفرط بالهنود الحمر وما تعرضوا له. يتصور الحاكم احياناً انه قادر على قلب المقاييس والاولويات والمزاج العام.

> لنعد الى قصة الجمعية العامة؟

– كانت تلك المرة الوحيدة التي ذهب فيها القذافي الى الجمعية العامة وكان رئيساً للاتحاد الافريقي. وكنت انا رئيساً للجمعية العامة. يفترض برئيس الدولة الا يتحدث اكثر من عشر دقائق. معمر تحدث ما يزيد على ساعة ونصف الساعة. وضعني في موقف حرج جداً. كان الامين العام المساعد يريد الضغط على زر الضوء الاحمر لتذكير المتحدث بأن وقته انتهى. رحت ارسل الرسائل للقذافي كي يختصر لكنه استرسل واسترسل.

النقطة الاخرى المسيئة كانت حين اغتنم وجوده على المنصة لرمي ميثاق الامم المتحدة. بدا الاستياء واضحاً على وجه الامين العام بان كي مون وكان ينوي مطالبته بوقف كلمته لكنني طلبت منه التريث لأنني لا اعرف ما يمكن ان يكون عليه رد معمر. لقد خجلت الى درجة انني اخفيت وجهي بيدي وظهرت صوري في الإعلام على هذا النحو.

قال القذافي اشياء غير معقولة على الاطلاق. علاوة على قصة كينيدي طالب باطلاق سراح الجنرال نورييغا. بدا القذافي جاهلاً تماماً بقواعد العمل في الجمعية العامة وقواعد إدراج المسائل على جدول اعمالها. تحدث كمن يلقي خطبة في سرت او طرابلس حيث هو المرجع الاول والاخير ويستطيع ان يقول اي شيء ويطالب بأي شيء. طبعاً لم يؤخذ بشيء مما قاله على رغم ان بعض الدول الصغيرة في الكاريبي التي تحصل على اموال ليبية حاولت الايحاء بانها يمكن ان تقترح معالجة بعض مطالب القذافي. الحقيقة ان مندوب ليبيا لدى الامم المتحدة عبدالرحمن شلقم لعب دوراً هو الآخر في مساعدتي على الخروج من هذه الورطة. كانت فضيحة كاملة.

> هل اثارت خيمته مشكلة يومها؟

– لم يقبل الاميركيون موضوع نصب الخيمة واضطر الى نصبها داخل المندوبية الليبية.

> هل كان القذافي مجنوناً او على شفا الجنون؟

– انا اعتقد انه في كثير من الاحيان كان يعيش في عالمه الخاص. لدي شعور انه كان مقتنعاً بأنه شخصية استثنائية وانه مكلف تغيير العالم. تغيير العالم مسألة لا تستطيعها دول كبرى. لم يدرك معمر، لا حجم ليبيا المحدود ولا حجم دوره. المشكلة ان الحاكم اذا حقق بعض النجاحات الصغيرة يعتبر انه قادر على تحقيق كل شيء. مثلاً يمكنك ان تقنع حاكماً في افريقيا بفرض اللغة العربية او باعتناق الاسلام مقابل دعم سخي لكن في القضايا الكبرى الامر مختلف. ينفصل الحاكم احياناً عن الواقع ويأتي المداحون ليضاعفوا المشكلة. يزداد التعقيد اذا كان الحاكم لا يعرف الآليات التي تتحكم بالعلاقات بين الدول وتعقيدات المشهد الدولي. تتضاعف الصعوبة اذا كان الحاكم ينطلق من ثقافة محلية محدودة ومن افكار قديمة ويعتبر انه يمسك بالحقيقة المطلقة وانه قادر على فرضها. اخطر ما في القذافي انه صاحب مواقف غير متوقعة وردود فعل غير متوقعة ويقترح حلولاً لا يمكن توقعها. من انت مثلاً لتطرد سويسرا من الأمم المتحدة؟ طلب من مندوب ليبيا ان يطرح الموضوع في شكل رسمي. رفض المندوب الليبي جاد الله عزوز الطلحي تنفيذ الطلب فاستدعي الى طرابلس. شلقم ايضاً لم يكن ينفذ هذا النوع من الطلبات. القذافي يقرأ كثيراً لكنه لا يعرف العالم الحقيقي، العالم القائم على ارض الواقع. انه يتعامل مع اميركا كأنه يتعامل مع غرينادا. لا يتوقف عند القوة الاقتصادية والسياسية. تصور مثلاً ان يطالب في خطابه بنقل مقر الأمم المتحدة الى سرت بعد نقلها في مرحلة اولى الى اوروبا. كان يقول اي كلام.

التريكي لـ«الحياة»: لا تسألني عن «ملك ملوك أفريقيا» فهذه القصة غريبة فعلاً ومخجلة… بوكاسا إمبراطور أهبل وموبوتو سيسي سيكو غضب من النادل فأمر برميه للتماسيح (الحلقة الثالثة)

شعر معمر القذافي بأن العرب لم يسلموا له بحق القيادة. حتى الذين اعتاشوا من مساعداته اعتبروه غريباً أو مراهقاً أو مريضاً وإن تفادوا المجاهرة بذلك. رد الزعيم الليبي بالتوجه إلى أفريقيا حيث الفقر أشد وشراء الضمائر والولاءات أكثر سهولة. دعم حكاماً ودعم معارضين. أقام علاقات مع رجال اتهموا بالجنوح أو الجنون وحتى أكل لحوم البشر. وعاد من تلك المغامرة بتدخلات عسكرية وحروب ومداحين وثياب مزركشة ولقب أحرج كثيرين هو «ملك ملوك أفريقيا».

أقام الملف الأفريقي طويلاً على طاولة الدكتور علي عبدالسلام التريكي. وكان يجول في القارة السمراء حاملاً الرسائل والتمنيات وثمة من يقول إنه كان يطوف مع حقائب ملأى بالدولارات وهو ما ينفيه. سألت «الحياة» التريكي عن «المغامرة الأفريقية» ومحطات أخرى وهنا نص الحلقة الثالثة:

> كيف كان معمر القذافي يعيش؟

– قربي من القذافي أو وجودي معه لا يعني أنني كنت أعرف شخصيته أو مطلعاً على ماذا يعمل أو ماذا يقرأ أو ماذا يكتب أو ماذا يدير، هذه أمور لم أكن أتدخل بها، بل كنت أبتعد عنها. كنت معنياً بالأمور السياسية فقط. أنا لا أعرف أياً من أولاده مثلاً باستثناء سيف الإسلام الذي كنت أراه مع والده أحياناً. لم يكن لي اتصال مع أولاده في أعياد أو في مناسبات أو أفراح مثلاً ولم تكن بيننا علاقات عائلية.

> متى التقيته للمرة الأولى؟

– في 1973 وكنت يومها مديراً للإدارة الأفريقية في وزارة الخارجية وكان يريد نقل مقر منظمة الوحدة الأفريقية من أديس أبابا إلى القاهرة. أنا رأيت أن خطوة من هذا النوع ستثير الأفارقة وتدفعهم إلى اتهام العرب بالسعي إلى السيطرة على المنظمة واقترحت السعي إلى نقلها إلى عاصمة أفريقية غير عربية. ثم التقيته في نهاية 1974 عندما كلفني زيارة الجمهوريات ذات الغالبية الإسلامية في الاتحاد السوفياتي. في الخارجية كنا نلتقي به كل يوم خميس لحوالى ساعة أو ساعتين.

> عمَ كان يتحدث خلال هذه اللقاءات؟

– كان الحديث يدور حول أبرز الشؤون الخارجية المطروحة وكان يقول اعملوا كذا أو كذا.

> هل يكره أميركا؟

– لا أعرف شعوره الحقيقي في قرارة نفسه، وإن كان يحبها أم يكرهها لكنه بالتأكيد لم يكن صديقاً لها. معمر شخصية غريبة ولديه أشياء غامضة يصعب أحياناً تفسيرها بصورة منطقية. كان صديقاً لرئيس وزراء بريطانيا توني بلير ولسلفيو برلسكوني وكان مستعداً أن يدير صداقات وفق انطباعاته وما يعتبره مصالحه. عقدته للأسف أنه في دولة صغيرة إمكاناتها محدودة، طبعاً كانت لديه أموال ولديه حرية التصرف بها وهذا ربما أعطاه ميزة استخدام الأموال في أي شكل.

> لم تكن هناك مؤسسات تستطيع أن تقول له لا فيما يتعلق بصرف الأموال؟

– أنهى معمر المؤسسات ورسخ نظام الفرد المطلق الصلاحيات في ما يخص القرارات السياسية وغيرها. القرآن الكريم يتحدث عن فرعون «استخفّ قومه فأطاعوه» وهو في النهاية تحول إلى فرعون.

>هل كان دموياً؟

– مؤكد أنه دموي. أنا لم أعمل في الشؤون الداخلية إلا أن عمليات التصفيات للمعارضة ومَنْ كان يسميهم «الكلاب الضالة» دليل على الأسلوب الدموي. أنا لم أطلق يوماً هذه التسمية على معارِض. هو كان يحقرّهم ويدينهم ويقتلهم. كان دموياً ومتسلطاً.

> ألغى مجلس قيادة الثورة وفكك الجيش وجعله كتائب لماذا؟

– إنه عدو أي مؤسسة منظمة تعمل وفق قواعد واضحة واستناداً إلى خطة. ما فعله بالمؤسسة العسكرية فعله بالمؤسسات الأخرى. تصور مثلاً أسلوب الزحف على السفارات وتشكيل لجان لإداراتها. العمل الديبلوماسي يحتاج إلى محترفين ومعلومات ولا يكفي أن يكون الشخص ثورياً أو موالياً ليتولى هذه المسؤوليات.

> هذا يعني أنه أدار البلد لأربعة عقود وفق مزاجه؟

– أحد زملائنا يشبه هذه الحالة بكيس كبير (شِوال) وَضَعت فيه مجموعة من الفئران فعليك أن تحرك الكيس باستمرار حتى لا تعطيهم الوقت ليفكروا بحل للخروج منه من طريق قرضه. هو كذلك كان دائم التحريك يُصدرُ كل يوم قانوناً أو يدبر عملية وكل يوم هناك شيء مختلف. الدول تحتاج إلى الاستمرار والاستقرار في التنمية والديبلوماسية وميادين أخرى. ثمة من يعتقد أنه اعتمد أسلوب الحكم هذا لإلهاء الناس وإبقاء كل المواقع والجهات ضعيفة ومنشغلة بسلامتها أو حروبها الصغيرة.

> ما هي المراحل التي مر بها القذافي؟

– خلال السنوات الخمس الأولى كان القذافي يتصرف في شكل معقول أو مقبول إلى حد ما ولغاية مؤامرة عضو مجلس قيادة الثورة المقدم عمر المحيشي سنة 1975 حين تغير بعدها وأصبح لا يثق بالجيش ولا بزملائه ولا يثق بأحد و «لخبط» المؤسسات وأصبح الجيش غير منضبط. كذلك، النظام المدني الذي حاول القذافي استغلاله: القبائل والفتن بين الناس. راح يخلق حساسيات بين القبائل وفي المدن وحاول خلق مشاكل بين مصراتة وبني وليد وفي بنغازي بين البادية والحَضَر. أتقن لعبة تأليب الناس ضد بعضها كي يبقى الحكم والمرجع الوحيد ويتيسر له الاحتفاظ بالسلطة.

> القذافي إذاً حول الاضطراب سياسة دائمة؟

– كل ذلك وهو يردد: أنا لست مسؤولاً ولست رئيساً. الرئيس حافظ الأسد عندما كان في طرابلس وكنا نتحادث في موضوع الوحدة بين ليبيا وسورية قال له القذافي: أنا لا أملك صلاحيات. فقال له: يا معمر الصلاحيات التي تملكها أنت لا يملكها أي رئيس عربي.

> هل هذا كان صحيحاً؟ هل كان هناك رئيس عربي يملك قدرة على التصرف ببلده وشعبه مثل القذافي؟

– فعلاً، كانت لديه حرية غير محدودة في التصرف بالمال والشعب.

> كنتم تعقدون اجتماعاً أسبوعياً هل كان على دراية بالوضع الدولي؟

– في السنوات الأولى له في الحكم كانت اجتماعاتنا أسبوعية ثم تقطعت وأصبحت تعقد من حين إلى آخر إذا استجد موضوع. يقرأ الوضع الدولي انطلاقاً من مواقفه ورغباته من دون تفحص الوقائع والمتغيرات.

> عندما كنت وزيراً للخارجية هل كان يستدعيك وإلى أين؟ وما كانت طلباته؟

– كان يستدعيني أحياناً إلى خيمته وأحياناً إلى مكتبه، وفي بعض الأحيان كانت لديه رسائل يريد إبلاغها وأحياناً لديه موضوع يريد إثارته، مثل موضوع الاتحاد العربي، موضوع الوحدة الأفريقية… مواضيع مختلفة.

> ما هي قصة «ملك ملوك أفريقيا»؟

– أخجل التحدث في ذلك لأنه شيء غريب. فوجئنا في يوم من الأيام حين دعاني أنا والدكتور محمد أحمد الشريف، رئيس جمعية الدعوة الإسلامية، وآخرين وكان لديه ضيف من ساحل العاج طرح عليه فكرة أن يكون ملك ملوك أفريقيا. وقال لنا القذافي اجتمعوا معه، فالتقيناه ووجدناه إنساناً تافهاً، وانسحبت أنا من الاجتماع، ولم أعد إلى التطرق إلى هذا الموضوع مع القذافي إلا أنه استمر في أسلوبه. وكان هناك للأسف بعض الأفراد الليبيين الذين شجعوه على الخطأ. كانت مسألة مخجلة. كثير من الرؤساء الأفارقة ساءهم الأمر. تحدث إليّ الرئيس المالي أحمد تماني توري وقال إن هذا أمر معيب فالقذافي يدّعي في الأساس أنه قام بثورة على المَلَكية ثم يريد أن ينصّب نفسه ملك ملوك أفريقيا. ثم إن أفريقيا ليس فيها ملوك، فيها «سلاطين» أو شيوخ قبائل ولا صلاحية لهم. هو حاول استغلالهم للتشجيع على وحدة أفريقيا وكان كلامه غير منطقي ومعيباً وأساء للقذافي إساءة شخصية إذ إنه اعتُبر مهرِّجاً. طبعاً، كانت لدى معمر قدرة على شراء الذمم واستقطاب المطبلين والمزمرين في الداخل والخارج.

> كيف كانت علاقته بعيدي أمين؟

– التقيت عيدي أمين أكثر من مرة وفي البداية كانت علاقتهما سياسية. عيدي أمين مسلم أوغندي وتبنى في زيارته دمشق موقفاً قوياً من إسرائيل على رغم أنه كانت لبلاده علاقات معها. جاء إلى ليبيا وقام خلال زيارته ليبيا بقطع العلاقات مع إسرائيل وكانت بداية علاقتهما جيدة. استمر القذافي بدعمه بالمال والسلاح وهو كان رئيس دولة قبل القذافي. المبرر الأساس للدعم كان موقفه من إسرائيل بعد قطع علاقاته معها. ثم انقلبت العلاقة إلى شكل آخر عندما حدثت مشكلة بين معمر والسودان بسبب طائرات تنقل الأسلحة إلى عيدي أمين. عندما كان عيدي أمين في السلطة حدث غزو لأوغندا من جانب جوليوس نيريري رئيس جمهورية تنزانيا، وشُكِّلت مقاومة للقضاء على عيدي أمين بدعم من تنزانيا. وقف القذافي إلى جانب عيدي أمين وأرسل له قوة ليبية ساعدته في مقاومة المخطط.

> هل قُتِل ليبيون في أوغندا؟

– نعم، سقط ليبيون في أوغندا. كانت مغامرة غير محسوبة لأن ليبيا بلد صحراوي والجنود الليبيون متدربون في الصحراء وليس في الغابات. وجدوا أنفسهم في غابات وبعضهم لم يكن خضع لأي تدريب مناسب فراحوا ضحية مغامرة من مغامرات القذافي على رغم أن هدفها في حينه كان نبيلاً نوعاً ما. أنا زرت الرئيس نيريري وحاولنا إنقاذ الموقف وأن نمنع على الأقل الحرب لكننا تأخرنا. عندما زرت الرئيس نيريري في منزله في الواحدة فجراً تأسف لي قائلاً: «جئت متأخراً سيد التريكي إن رجلكم (عيدي أمين) انتهى أمره».

نيريري دعم الرئيس السابق أوبوتي الذي كان رئيساً سابقاً قبل قيام عيدي أمين بالانقلاب عليه، وعاد أوبوتي إلى الحكم لاحقاً قبل أن يقوم انقلاب آخر عليه قام به الرئيس الحالي يوري موسيفيني.

> ثم دعم القذافي موسيفيني؟

– موسيفيني كان ضد نيريري وأوبوتي وأدار حركة مقاومة ووقف القذافي إلى جانبه بقوة ودعمه حتى عاد إلى السلطة.

> ما هي مشكلة تشاد بحكم أنك كنت على اطلاع على ملفها؟

– شعبا تشاد وليبيا أقرب شعبين إلى بعضهما وفق التركيبة القبَلية. فلا توجد قبيلة في ليبيا إلا ولديها فرع في تشاد وهناك رباط وثيق بين البلدين من الناحية الشعبية. عندما حصل الغزو الإيطالي على ليبيا ساند الإخوان الليبيون الموجودون في تشاد كما التشاديون ليبيا خلال الغزو ضد الإيطاليين حتى أن والد الملك إدريس السنوسي توفي في تشاد واستشهد خلال معارك إسلامية في ذلك الوقت ضد الأوروبيين (الفرنسيين). وكانت هناك روابط وثيقة جداً بين البلدين. واستمرت هذه الروابط بصرف النظر عمّن يحكم ليبيا أو مَنْ يحكم تشاد. سلطان دارداي والد غوكوني وداي الذي أصبح لاحقاً رئيساً كان لاجئاً في ليبيا أيام الملك إدريس السنوسي وكان يتمتع بحماية. استمرت هذه العلاقات الخاصة بين ليبيا وتشاد.

> هل تشبه العلاقة بين البلدين العلاقة بين سورية ولبنان؟

– لا العلاقة مختلفة فلبنان وسورية بلدان عربيان ولبنان كان جزءاً من سورية الكبرى في فترة من الفترات، وهذا لم يحصل بين ليبيا وتشاد على رغم أن جزءاً كبيراً من الأراضي الليبية استولى عليه الفرنسيون وعندما أنشأوا جمهورية تشاد ضموا جزءاً من الأراضي الليبية إليها كما ضموا أجزاء أخرى إلى الجزائر وضموا أجزاء أخرى إلى بلدان أفريقية أخرى. عندما كان الصراع بين الفرنسيين والإيطاليين على الاستعمار بعد معاهدة 1902، حصل تقسيم للمستعمرات وليبيا كانت مستعمرة إيطالية وفي ذلك الوقت عندما انهزمت إيطاليا في الحرب وُزِع جزء كبير من الأراضي الليبية على الدول المجاورة.

الفرنسيون منحوا تشاد استقلالها في عهد الرئيس فرنسوا تومبلباي وبعد ذلك ظهرت حركات إسلامية ضده وهو من أقلية مسيحية من الجنوب وبقيت حركات التمرد مستمرة في تشاد، فهناك الانقلاب الذي قام به الضباط ضد فيليكس مالوم المنتمون إلى حركة فلورينا (الحركة الوطنية في تشاد) التي انتصرت وجاءت بالرئيس غوكوني وداي. والرئيس غوكوني قام تمرد ضده من قِبَل حسين حبري وهو من قبائل شمالية لكن ضعيفة (قبيلة التَبو)… الوضع في تشاد لم يكن مستقراً أبداً. تشاد أقرب إلى السودان منها إلى ليبيا من الناحية البشرية العروبية. القبائل التي تفصل بين ليبيا وتشاد (التبو والغرهان) ليست عربية بل قبائل شبه بربرية، بينما قبائل الزغاوة مثلاً التي إلى جانب السودان عربية ومرتبطة ارتباطاً كبيراً بالسودان. مع العلم أن اللغة العربية هي اللغة السائدة في تشاد، تشاد أكثر عروبة من الصومال ومن جيبوتي، والجميع في تشاد يتكلم اللغة العربية وغالبيتهم تكتبها بمن فيها المسيحيون في الجنوب.

> هل كان تدخلُ القذافي في تشاد لنصرة المسلمين؟

– الغالبية في تشاد مسلمة وهو ناصر حركة فلورينا حتى وصلت إلى الحكم برئاسة غوكوني ثم ناصر السودان حسين حبري بعدما حدثت عداوة بين القذافي والنميري. وصل حبري إلى السلطة وكان دموياً وقتل حوالى 40 ألف شخص خلال حكمه، وهو مطلوب الآن من محكمة الجنايات الدولية وأقاموا له محكمة أفريقية في دكار. كان هناك كرّ وفرّ بين الفئات التشادية، وكل يوم فرقة، إلى أن وصل الرئيس الحالي إدريس ديبي الذي كان موجوداً في السودان وساعده الليبيون أيضاً وتمكن من القضاء على حسين حبري.

> ما هو الشريط المتنازَع عليه؟

– كما ذكرت تلك الأراضي كانت أساساً ليبية أعطُيت لتشاد، لكن بعد الحصول على استقلال الدول الأفريقية اعتمدت الحدود الاستعمارية كحدود دول. مشكلة شريط أوزو نتجت عن أخطاء ليبية أيضاً لأن ليبيا لم توفّق عند لجوئها إلى محكمة العدل الدولية الملزَمة باتفاقات بين دول، والاتفاق الفرنسي – الإيطالي حدد الشرعية لتلك الحدود. منطقة أوزو ليس فيها أية ثروات كبرى متنازع عليها.

> كم أنفقت ليبيا في تشاد؟

– ليس لدي أية إحصاءات دقيقة لكن مبالغ مالية كبيرة أُنفِقَت في تشاد سواء في الحروب أو في تقديم المساعدات.

> ما هدف سياسة القذافي الأفريقية؟ هل كان يطمح إلى نشر الإسلام وبناء مساجد وإلى الدعوة الإسلامية؟

– كان هناك عمل لنشر الإسلام في أفريقيا تولته جمعية الدعوة الإسلامية الليبية. الإسلام منتشر في أفريقيا قبل جمعية الدعوة الإسلامية وربما كان انتشار الإسلام رد فعل الأفريقيين على الاستعمار. المسيحية لم تكن عميقة في تشاد ولا في أفريقيا كلها ولم يكن لها جذور، أو جذورها ضعيفة. المسيحية أتت مع الاستعمار بخلاف الوثنية. الإسلام انتشر في أفريقيا من طريق القبائل في تومبكتو وفي الشمال وفي شرق أفريقيا.

> هل هناك رؤساء أفارقة اعتنقوا الإسلام بسبب تأثير القذافي؟

– هناك رئيس أفريقيا الوسطى السابق جان بيديل بوكاسا، ورئيس الغابون السابق عمر بونغو وابنه الرئيس الحالي علي بونغو. عائلة بوكاسا لم تستمر في الإسلام في حين استمرت عائلة بونغو.

> هل عرفت بوكاسا؟

– التقيت به أكثر من مرة وهو رجل أهبل وساذج ومجنون.

> حدثنا عن الرؤساء الأفارقة.

– بعض الزعماء الأفارقة غريب الأطوار. بوكاسا كان يعتقد نفسه إمبراطوراً وملك الملوك وأدار إمبراطورية أفريقيا الوسطى وتوّج نفسه خلال احتفال كبير وانتهى حكمه بانقلاب عسكري. كثير من الرؤساء الأفارقة كانوا في فترة الاستعمار الفرنسي جنوداً. بوكاسا مثلاً كان جندياً في فيتنام مع القوات الفرنسية حيث كانت لديه صديقة فرنسية أنجبت له ابنة اسمها لامارتين. وعندما أصبح رئيساً لأفريقيا الوسطى طلب من الأميركيين أن يجدوا له ابنته فأحضر له الفرنسيون شابة وادّعوا أنها ابنته، وكان ذلك خلال حكم فاليري جيسكار ديستان. واتضح له أنها ليست ابنته ثم جاؤوه لاحقاً بابنته الحقيقية.

بعض الرؤساء الأفارقة الذين قاموا بانقلابات عسكرية كان جنوداً وقليل منهم من الضباط في الجيش الفرنسي أيام الاستعمار. طبعاً، بعض رؤساء أفريقيا رجال عظام مثل رئيس النيجر الراحل هاماني دوري الذي كان عضواً في البرلمان الفرنسي، والرئيس فيليكس هوفويت بوانيي الذي كان وزيراً للصحة مع الجنرال ديغول.

أفريقيا الأنغلوفونية كان فيها حركات تحرر ومن قادتها الرئيس جوليوس نيريري الذي قاد حركة تحرر، والرئيس جومو كينياتا في كينيا وكان ضمن الحركة المقاوِمة الماو ماو التي كانت تقاوم الإنكليز وقام الرئيس الراحل جمال عبدالناصر بدعمه ثم اعتقله الإنكليز ومنعوا عنه شرب الماء لمدة ستة أشهر حيث كان يُسقى فقط الويسكي والخمور فأصبح مدمناً على الكحول. الرئيس كينياتا من قبيلة كبيرة وانضم إلى حركة الماو ماو المقاوِمة وقتله الإنكليز نفسياً أثناء سجنه.

ذهبت إلى مقابلة الرئيس جومو كينياتا في كينيا بوساطَة من عيدي أمين رئيس أوغندا الذي كانت لديه علاقة طيبة معه. كان الغرض من الزيارة نقل مقر منظمة الوحدة الأفريقية من أديس أبابا نتيجة علاقات إثيوبيا بإسرائيل. وعوض أن أنتقل من أوغندا مباشرة إلى كينيا مررت بمقديشو للقاء الرئيس سياد برّي في الصومال وتحادثنا وأبلغونا أن الرئيس كينياتا ليس في نيروبي بل في مومباسا وهي منطقة عربية ساحلية ومَصيف معظم سكانها عرب من الجزيرة العربية وفيها مصفاة نفط.

حُدد موعد لي فتوجهت للقائه وكان عنده وزير الخارجية الكيني إمبيكا الذي أبلغه أنني أحمل رسالة من معمر القذافي. كانت الرسالة شفهية وليست مكتوبة. فدخلت على الرئيس ووجدت أربعة يحملونه على ما يشبه السرير المتنقل ثم أجلس على الكرسي وسألني: هل أنت مبعوث من معمر القذافي؟ قلت له نعم. قال: هل معك الرسالة؟ قلت إن الرسالة شفهية. سألني هل تحمل جواز سفرك؟ قلت له إنه ليس معي بل في الطائرة الخاصة الصغيرة التي أقلتني. وانبرى وزير الخارجية واسمه القبلي مودينغا يشرح له أنني مبعوث أحمل رسالة شفهية فوافق على سماع رسالتي بعد أن وُضعت في موقف حرج حين طلب مني للمرة الأولى رئيس دولة جواز سفري. شرحت له عن العلاقات الإثيوبية – الإسرائيلية التي نريد بسببها نقل مقر المنظمة من أديس أبابا. كان رده: تريدون نقل المقر فقط بسبب العلاقات الإثيوبية – الإسرائيلية، مع السلامة أيها السيد الوزير، وتركني وغادر مكان الاجتماع.

بعد انتهاء اللقاء قال لي مودينغا وزير الخارجية الكيني إنه يريد أخذ الطائرة التي أقلتني. وأضاف نحن نزودك بتذكرة سفر وأنت تترك لنا الطائرة. قلت له إنني متوجه الآن إلى بوروندي وبعد عودتي أرسل لك الطائرة. وكانت تلك حيلة مني لمغادرة كينيا وبالطبع لم أرسل إليه الطائرة الخاصة لاحقاً.

> ماذا لديك عن بوكاسا؟

– توجهت إلى «الإمبراطور» بوكاسا في زيارة. ذات يوم كان سيفتتح مقر العاصمة الجديدة بدلاً من بانغي. استدعى السفير الروسي والسفير الأميركي والسفير الفرنسي، سفراء الدول الكبرى، وقال لهم نريد أن تكون هنا العاصمة الجديدة وهذا الشارع اسمه شارع الجنرال ديغول تبنيه فرنسا والشارع الثاني اسمه روزفلت تبنيه أميركا. خاف السفير السوفياتي من أن يُطلب من بلاده بناء شارع باسم غورباتشوف فتظاهر أنه أغمي عليه ليتخلص من «مدينة بوكاسا». كان بوكاسا يتندر بتلك الحادثة أمامي وهو كان مدركاً أنها حيلة من السفير السوفياتي.

جاء إلى أفريقيا الوسطى وفد من الأمم المتحدة للإحصاء وكان رئيس الفريق تونسياً فقابل الرئيس بوكاسا وأبلغه أن الإحصاء أنجِز والحصيلة أن عدد سكان أفريقيا الوسطى أربعة ملايين ونصف المليون نسمة. فقال له بوكاسا لا، عدد سكان أفريقيا الوسطى عشرة ملايين وأودع الموفد التونسي السجن. اضطررنا إلى التوسط لإخراجه من السجن.

> مَنْ من الرؤساء الأفارقة الذين زرتهم اتهم بأكل لحوم البشر؟

– يُقال إن بوكاسا كان من آكلي لحوم البشر، لكن حتماً ليس عيدي أمين فهو مسلم، وكان في الكونغو قبائل من آكلي لحوم البشر لا أعرف ما إذا اندثرت الآن، والرئيس موبوتو سيسي سيكو رئيس زائير الذي كان معروفاً عنه أنه يحب أكل دماغ القرد.

موبوتو سيسي سيكو وازابانغا إنسان أهبل وساذج ومغرور، وأطلق على نفسه تلك التسمية التي تعني الديك الذي يعاشر كل الدجاجات. كان ضابطاً في الجيش البلجيكي ثم قام بعملية انقلابية ضد الرئيس الراحل باتريس لومومبا وقتله وأنهى كازابوغو رئيس الجمهورية السابق وانتقل من ضابط إلى حاكم مطلق لزائير البلد الكبير.

> ماذا أيضاً عن بوكاسا وبقية الرؤساء الأفارقة؟

– بوكاسا كان مغروراً وكان يسألني هل سمعت خطابي في الأمم المتحدة؟ فأقول لا، فيرد وكيف لا، يجب أن تسمعه وكذلك خطاب الجنرال يعقوب غاوون رئيس نيجيريا لتعطيني رأيك أي الخطابَيْن أفضل. هو كان ساذجاً لكنه كان مسيطراً على الوضع في زائير – الكونغو حيث الحكم كان بالعنف والقتل والفساد.

حدّثني صديق فرنسي، وهو رجل أعمال كان على الباخرة الرئاسية في رحلة عبر نهر الكونغو عن حادثة كان شاهداً عليها: لم تعجب موبوتو سيسي سيكو خدمة أحد الندلاء فطلب من مرافقيه رميه إلى التماسيح في النهر وطبعاً سارعوا إلى تنفيذ تعليماته.

من نوادر عيدي أمين أنه كان يحضر أربعة بريطانيين من العاملين في البلد لحمله على الأكتاف في عربة، ويفتخر أنه أذل الإنكليز. كما كان يقيم سباقات للسيارات وينضم إلى السباق قبل نهايته بقليل ليربح هو السباق. لكن علاقاته العربية كانت جيدة.

سياد برّي رجل ماركسي يساري وكان يريد إنشاء حزب شيوعي لنشر الشيوعية في الصومال ولم ينجح في ذلك. حكم الصومال بيد من حديد ونار لكنه حافظ على الصومال موحداً.

> ما كان رأي الرؤساء الأفارقة في القذافي؟

– كان لديه أنصار في القارة الأفريقية خصوصاً عندما سعى للوحدة الأفريقية وصرف عليها الأموال. ليسوا كلهم جديين بل ولاء البعض كان نتيجة التأثير المادي. وفي قضية طائرة لوكربي مع البريطانيين أظهر الأفارقة مساندة لليبيا. الرؤساء الأفارقة يساندون أي بلد أفريقي ضد أي بلد من خارج القارة.

التريكي لـ«الحياة»: خائف على ليبيا وأتمنى عدم ظهور قذافي آخر (الحلقة الرابعة)

قال وزير الخارجية الليبي السابق الدكتور علي عبد السلام التريكي إنه خائف على ليبيا من النزعات الانفصالية وانتشار الأسلحة والاشتباكات. وأعرب عن أمله في أن لا تؤدي التطورات إلى ظهور قذافي آخر. ورأى أن الربيع العربي يبشر بالخير «لكن المشكلة هي في من يتولى هذا الربيع». وأكد أن القمم العربية ليست جدية وأن الزعماء العرب يشاركون فيها وهاجسهم موعد المغادرة. وهنا نص الحلقة الخامسة والأخيرة:

> قصة القذافي انتهت بكارثة للبلد ولصانع الكارثة.

– هذا صحيح. قتل القذافي وقتل ابناه خميس وسيف العرب، وأنا لا أعرفهما، ثم المعتصم الذي قتل معه، واعتُقِلَ سيف الإسلام، وهرب ولدان: ابنه محمد والأغلب أنه في الجزائر، وابنته عائشة.

> هل كانت علاقة القذافي بالرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة قوية؟

– كانت علاقة لا بأس بها.

> وعلاقته بالرئيس السوداني الراحل جعفر النميري؟

– كانت سيئة، كان القذافي يتصرف وكأنه أكثر من رئيس أو زعيم لبلد وكان يطالب عملياً بأن يعترف له بدور بهذا الحجم. ويبدو أنه كان من الصعب على النميري وهو عسكري أيضاً التسليم بشيء من هذا النوع. ساهم معمر في إسقاط النميري عبر الدعم الذي قدمه للصادق المهدي، والنميري رد له الجميل وافتعل له المشاكل. هذه هي المشكلة كل حاكم يحاول امتلاك أوراق داخل حدود البلد الآخر. بالنسبة إلى السودان حاولنا دائماً إنقاذ العلاقات لكن معمر وإنصافاً للحقيقة أساء إلى السودان. هناك مسألة غريبة في هذا السياق. معمر شجع الانفصال في السودان وهذا أكبر خطأ حتى ما قبل جون قرنق (جوزف لاغو) على رغم أن شعبَي السودان وليبيا أقرب شعبَين إلى بعضهما وجيران. لا أعرف لماذا أساء إلى السودان إلى تلك الدرجة. ثم إن انفصال جنوب السودان يطرح مشاكل معقدة تتعلق بالنفوذ الأجنبي هناك والتأثير في تدفق النيل وهو أمر يقلق مصر.

> ذكرت أن توني بلير أصبح «صديق العائلة»؟

– هكذا يدّعون. وعلاقة القذافي ببرلسكوني كانت قوية، وهما يتشابهان.

> مَنْ تعرف من القيادات اللبنانية؟

– عرفت الكثير من القيادات الوطنية اللبنانية: جورج حاوي، رحمه الله، ومحسن إبراهيم ووليد جنبلاط، والرئيس السابق أمين الجميل الذي تعرفت إليه في نيويورك خلال زيارة له وكنت حينها رئيس المجموعة العربية ودعوناه كعرب، وألقيتُ كلمة ترحيبية شدّدت فيها على عروبة لبنان، وكانت الكتائب اللبنانية متهمة، تلقى تلميحي بحساسية ثم أصبحنا أصدقاء. في إحدى زياراتي لبنان خلال لقائي بالرئيس أمين الجميل في قصره، وكان شهر رمضان، قصف القصر بصاروخ سقط في الحديقة خلال تناولنا الطعام. عند مغادرتنا القاعة سقط صاروخ ثانٍ أوقعنا أرضاً وتدحرجنا سوياً على السلالم ونجونا بأعجوبة. كما زارنا في ليبيا والتقى القذافي. وخلال عملي سفيراً في باريس كنت ألتقي الرئيس الجميل باستمرار خلال إقامته هناك، مع ميشال مرهج.

> السفارات الليبية كانت تتضمن خلايا أمنية واتهٍمَت بتخزين السلاح.

– هذا صحيح واكتُشِف أكثر في السنوات الأخيرة. خلال عملي مندوباً في نيويورك رفضت توظيف أي شخص أمني وقلت لهم إن العمل في نيويورك كله وثائق معلنَة ونرسل إليكم ما تريدون. إشراك السفارات في مسائل أمنية يؤدي إلى حوادث مؤسفة ومحرجة كما حدث في سفارتنا في لندن. لم نكن في الواقع دولة طبيعية تعمل مؤسساتها وفق القواعد المتعارف عليها.

> كيف كانت علاقتك مع موسى كوسا؟

– ربطتنا علاقة عمل عادية.

> مَنْ من المجموعة الفاعلة في ليبيا كان صديقاً لك وجمعتكما علاقة شخصية؟

– معظمهم أصدقاء لي وبيننا عِشْرة سنوات طويلة، عبدالرحمن شلقم ومحمد الزوي فضلاً عن آخرين.

> كيف تصف الوضع الحالي في ليبيا وما هو المخرج؟

– أرى أن ما تم في ليبيا معجزة لجهة إسقاط النظام والكتائب إثر ثورة شعبية كان لا بُد منها. قسوة القذافي المفرطة ضد شعبه تسببت في تدخل حلف الناتو. الآن وقد انتهى نظام القذافي يُفترَض بنا كليبيين أن نسعى إلى الوحدة الوطنية. أتمنى أن يستنتج الليبيون الدروس اللازمة مما حدث. أتمنى أن يتوقف الآخرون أيضاً عند ما حصل. هل هناك موقع يستحق أن يقتل الحاكم شعبه من أجل الاحتفاظ بذلك الموقع؟

> هل أنت خائف على ليبيا؟

– أنا خائف على ليبيا بسبب الحركات التي ظهرت الآن تحت شعار اللامركزية والكونفيديرالية والفيديرالية والانفصالية والأقاليم (مثل إقليم بَرَقة). هذه النعرة الإقليمية سيئة وأنا خائف على ليبيا منها. النقطة الأخرى التي أتخوف منها الاقتتال الذي جرى في الكُفرة وسبها بين التّبو والطوارق وما جرى في زوارة بين البربر والعرب. كذلك كثرة السلاح الذي انتشر في شكل مخيف وهذا سبَّبَه القذافي. هذا الانتشار للسلاح يشكّل خطراً حتى على الدول المجاورة، مصر والدول الأخرى. هناك مئات الآلاف من الليبيين خارج ليبيا حالياً، منهم في مصر وتونس، ويجب العمل على المصالحة الوطنية لا أن نعود إلى أسلوب القذافي في تتبع المعارضة ودفع المبالغ الطائلة لتصفية المعارضين أو لاستمالتهم. هذا الأمر غير مقبول إطلاقاً.

أرى ضرورة الدعوة إلى المصالحة الوطنية وهذا لا يمنع محاكمة كل مَنْ ارتكب جريمة قَتْل أو ظلم أو سجن أشخاصاً وتحويله إلى القضاء، وكذلك الفساد المالي، على رغم أن الفساد المالي مستمر ولم يكن فقط خلال عهد القذافي، كما نسمع من تصريحات وزير المال والمجلس الانتقالي، مع ذلك محاربة الفساد واجبة. ومَنْ نملك ضده دليل أنه أفسَد أو أخذ رشى أو شارك في السطو على المصارف يجب تقديمه إلى المحاكمة. لكن إصدار قرار تمييزي ووضع البعض وأولادهم القاصرين وأولادهم البالغين وزوجاتهم وأملاكهم تحت الحراسة من دون دليل فهذا لم يحصل في التاريخ، حتى القذافي لم يقم بمثل هذا العمل، وهذا غير مقبول. في القرآن الكريم «لا تزر وازرة وزر أخرى» فلا يجوز محاسبة أحد على خطأ ارتكبه غيره. يجب عدم مطاردة الليبيين بل إصدار عفو عام ليعود الليبيون إلى بلدهم ومَنْ عليه مأخذ يحوّل إلى القضاء. لكن أن يُصدر مجلس انتقالي موقت قرارات مُعيبة فهذا غير مقبول، خصوصاً أنها اتُخِذَت بانتقائية فبعض الذين ينتمون إلى جهة معينة لم يعاقَبوا. أريد للبلد الخير وأريد للبلد أن يلعب دوراً كبيراً. روح الانتقام لا تبني بلداً.

> حدثنا عن ملابس القذافي الغريبة ولباسه الأفريقي غير الموجود في التقليد الليبي.

– القذافي حالة وشخصية خاصة. لا أعرف ما إذا كان ذلك نتيجة رغبة في لفت الأنظار أو تأكيد الاختلاف، لكن الأمر بلغ حداً محرجاً. كان القذافي غريباً في طريقة تصرفه وأسلوبه في اتخاذ القرار وفي تقويمه للآخرين.

> هل كان أبو بكر يونس الذي قتل هو الآخر مؤثراً؟

– أبو بكر يونس كان طيباً لكن، للأسف بعض الإخوان استمروا مع القذافي حتى النهاية وكانت نهاية مؤلمة فبعضهم قُتل.

> ما هو مصير الخويلدي الحميدي؟

– هو خارج ليبيا لكن لا أعرف أين هو.

> القذافي صنع مصيره مثل صدام؟

– هو أنهى نفسه بنفسه. الحكم في الوطن العربي «من المهد إلى اللحد»، وهذا غير مقبول تحولت بعض الجمهوريات إلى ملكيات وراثية لكن من دون أن تقتدي بالملكيات العقلانية المستندة إلى التقاليد.

> كيف كانت علاقة القذافي مع الملك حسين؟

– كانت علاقتهما مقبولة بعد المرحلة الأولى التي شهدت فصولاً عاصفة يوم كان القذافي يسارع إلى اتهام الآخرين بالخيانة ويطلق التهديدات ضدهم. علاقته مع الملك عبدالله الثاني كانت مقبولة أيضاً.

> ماذا كان رد فعل القذافي على غزو الكويت؟

– القذافي وقف إلى جانب الكويتيين وعرض عليهم مساعدات ولم يكن مع غزو صدام الكويت.

> هل قابلت الإمام الخميني؟

– قابلته مع مجموعة من أنصاره وكان صاحب شخصية عادية. الحقيقة أنني لم أشعر بالانبهار. ربما كان للآخرين رأي آخر. هذا كان انطباعي أنا. كذلك قابلت المرشد الحالي علي خامنئي.

> كيف تصف الوضع العربي اليوم؟

– أرى الوضع العربي مؤلماً ووفق ملاحظاتي على عمل القمم العربية أجدها ليست جدية فهم يجتمعون لساعات ويستعجلون المغادرة. إذا قارنا بين القمم الأفريقية والقمم العربية، القمم الأفريقية أكثر جدية إلى درجة أن لا مقارنة، فالزعماء الأفارقة قد يقضون يومين يتحادثون في جدول الأعمال ويناقشونه ويختلفون فيما بينهم ثم في النهاية يفترقون وجميعهم أصدقاء. بينما خلال مناقشة استمرت ساعة في قمة تونس مثلاً، قالوا إن مشكلة لبنان حُلَّت. القادة العرب يأتون إلى القمة وهاجسهم موعد المغادرة. يجب أن يتغير نهج القمم العربية كلياً وكذلك العمل العربي.

> كيف ترى العلاقات بين الزعماء العرب؟

– العلاقات بينهم ليست سيئة إجمالاً لكنهم ينافقون بعضهم كثيراً ولا يبحثون الأمور بجدية. هل يُعقل مثلاً ما يجري الآن في فلسطين من عجز عربي؟ هذا شيء مخيف.

> ما رأيك بما يجري في سورية؟

– أرى شخصياً أن هناك خطورة على سورية كبلد مواجهة، وقد تتطور الأحداث إلى حرب أهلية وهذا شيء خطير بالنسبة إلى العرب. سورية ليست دولة عادية بعيدة في المغرب العربي بل هي دولة مواجهة عربية أساسية بصرف النظر مَنْ المخطئ ومَنْ المصيب فيها، ويجب الحفاظ على سورية. العراق دُمِّر وانتهى وما يجري هناك الآن مأساة، سواء لجهة النزاع الطائفي الشيعي – السنّي أو لما حدث للمسيحيين في العراق فهذا شيء مخجل وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب الوطن العربي. المسيحيون في العراق ومصر وسورية ولبنان هم جزء من النسيج العربي وليسوا غرباء مهاجرين من دول أخرى. ما عاناه المسيحيون في العراق مخجل إذ تعرضوا لاضطهاد تسبب في هجرتهم إلى الخارج. الخوف من أن تسود الطائفية في كل مكان. وهناك خطورة على لبنان وعلى سورية، وعلى العراق خشية أكبر، ولا أستبعد أن ينتقل ما يجري في العراق وسورية حالياً إلى دول عربية أخرى. نرى الوضع في البحرين وفي اليمن… الوطن العربي يمر بمرحلة من أصعب ما يمكن. ليس في مصلحة العرب أن ينحاز العرب لجهة ما ضد جهة أخرى، بل يجب أن يعمل العرب على حل مشاكلهم.

> هل ترى أن عقدة الزعامة دمرت العالم العربي، صدام أراد أن يكون الزعيم والقذافي أراد أن يكون الزعيم؟

– الزعامات العربية الزائفة تلك تسببت في دمار الوطن العربي. غزو صدام الكويت كان كارثة وأساء للأمة العربية ودمر الأمة العربية وخلق مشاكل في الوطن العربي.

> كيف ترى السياسة الإيرانية في الوطن العربي؟

– أنا شخصياً أعارض حصول صدام عربي – فارسي وذلك بحكم الجوار والعلاقة الطيبة. من مصلحة إيران أيضاً كدولة مجاورة للوطن العربي، أن تقيم علاقات جيدة وممتازة مع جيرانها. من حق إيران كثورة أن تسعى إلى بناء قوة وفعلاً إيران لم تعد دولة عادية بل أصبحت قوة كبيرة عبر بناء قاعدة صناعية. مصلحتنا كعرب ليست في الصراع ضد إيران. الشيخ زايد رحمه الله قالت له السيدة ثاتشر الآن هناك خطر سوفياتي على المنطقة العربية كلها ويجب أن نتوحد. أجابها الشيخ زايد نحن لدينا خطران: خطر إسرائيلي وخطر روسي. علينا أن نبدأ بمواجهة الخطر الأول (إسرائيل) ثم ننتقل إلى الخطر الثاني. على الإيرانيين أيضاً أن يدركوا أن من مصلحتهم العمل مع العرب. لكن من غير المقبول أن يتدخلوا في الشؤون الداخلية للدول العربية. جر العرب إلى فتنة طائفية شيعية – سنّية أو عربية – غير عربية شيء مخيف. وكنت خلال رئاستي الجمعية العامة أرسلت إلى ملك البحرين الشيخ حمد بن عيسى رسالة بهذا الخصوص. الحوار ممكن لحل مشاكلنا خصوصاً مع جيراننا.

> بالعودة إلى الوضع في سورية هل تعتبر ما يجري معركة من أجل الديموقراطية؟

– الديموقراطية ليست قميص عثمان نستوردها من الخارج ونقدمها إلى الشعوب. إذا الشعب الليبي أراد حل مشاكله، وإذا الشعب السوري أراد حل مشاكله، فهما حُرّان ولكن لا نأتي بالديموقراطية من الخارج.

> هل تخاف أن يؤدي الربيع العربي في النهاية إلى قيام أنظمة أصولية إسلامية متشددة؟

– الربيع العربي شيء يبشر بالخير إذا استمر. نرى المشاكل كثيرة في مصر على رغم أن المصريين لم يتجاوزوا الحدود في العمل ضد بعضهم، بل ما زال أسلوب الحوار قائماً بينهم، تونس تعرضت لمشاكل وما زالت ونرى موقف السلفيين هناك، ليبيا تتعرض لمشاكل. هذا لا يعني أن المشكلة في الربيع العربي بل المشكلة في مَنْ يتولى هذا الربيع. المصالحة الوطنية مطلوبة في مصر وتونس وليبيا. إذا تعرضت مصر لهزة مثل ما حدث في بعض الدول العربية الأخرى ستكون كارثة، لأن مصر هي دولة المواجهة الأساسية التي نعتمد عليها ونعوّل عليها في مواجهة العدو. أمن مصر مهم جداً للعرب كلهم وأمن سورية مهم للعرب كلهم. دولة ساحل العاج أجرت بسهولة عملية انتخابية ناجحة وديموقراطية أين منها الانتخابات في الوطن العربي… هل في العراق انتخابات حرة؟ علماً أن العراق تعرض لأكثر من ربيع، تعرض لحرب مدمرة. هل نتوقع تحسن الأوضاع في اليمن؟ المشاكل لا تزال قائمة في اليمن في شكل كبير. المشاكل قائمة في كل البلاد العربية.

وضعنا العربي سيئ: السودان بلد عربي تفكك وأصبح هناك وجود إسرائيلي في جنوب السودان، وأصبح الآن الخطر على مصر ومشكلة مياه النيل، وهناك مأساة الصومال. الصومال مأساة بلا نهاية. يخرج من حرب ليدخل في حرب. عنف وجوع وفقر وتشدد. مَنْ ينقذ الوضع العربي والأمة العربية؟

> هل كان القذافي مهتماً بالشأن الإرتري؟

– كانت هناك علاقات عادية مع إرتريا.

> هل كان القذافي مهتماً بجمع الأموال أم كان همه السلطة فقط؟

– كانت السلطة بيده ومعها الأموال. الحاكم المطلق يملك كل شيء.

> كنت أشرت إلى أن القمم العربية شكلية ولرفع العتب. ما هي أهم قمة عربية حضرتها؟

– لا أظن أن هناك قمة عربية مهمة.

> هل كان القذافي مربكاً عند مشاركته في القمم العربية باصطحابه الحارسات السيدات؟

– القذافي انتهى ورحل ولن يعود وأرجو أن لا يتكرر عصر القذافي في ليبيا من جديد في أي شكل من الأشكال. علينا الآن أن نبني بلادنا ونُسَخِّر كل إمكاناتنا لهذه المهمة وأن نقيم علاقات جيدة مع جيراننا ومع العرب بصفة عامة وأن لا نعطي فرصة لمن يريد أن يهيمن على بلادنا نتيجة الظروف التي تمر بها بلادنا.

> رافقت القذافي في زياراته أفريقيا. أين تلك المملكة الصغيرة التي تردد أنه زارها وتحكمها ملكة وأعدت له استقبالاً حافلاً؟

– كانت تلك في أوغندا واسمها تونغا على ما أذكر وهي سلطنة داخلية. هم شجعوا القذافي على لبس ملابس غريبة.

> كان القذافي يترك الدولة وشؤونها ويهرب إلى الخيمة في الصحراء هل كان يعتبر نفسه مفكراً؟

– نعم، كان يعتبر نفسه مفكراً.

> كيف كانت علاقتك بالأمين العام السابق لجامعة الدول العربية عمرو موسى؟

– علاقتي به ممتازة وهو صديق وكان جيداً كوزير خارجية وجيداً إلى حد كبير كأمين عام للجامعة. حاول لم شمل العرب كما يحاول نبيل العربي الآن لكن الوضع العربي سيئ ولا أعرف إن كان هناك أمل.

> هل يمكن صعود قذافي آخر في ليبيا؟

– نأمل ألا يظهر قذافي آخر وأن لا تتكرر المأساة، هذا يعتمد على الطريقة التي يتم بها تسيير البلد.

> هل تفكر في العودة إلى ليبيا؟

– طبعاً، ونأمل العودة بعد التأسيس للديموقراطية بدلاً من المجلس الوطني، ونأمل أن تكون الانتخابات المقبلة جيدة.

> هل صحيح أن حياة القذافي النسائية كانت صاخبة؟

– لم أحاول يوماً أن أكون قريباً إلى هذه الدرجة وكنت أفضل عدم الاطلاع على هذه الجوانب. حصل همس في هذه المواضيع.

> ماذا كان دور بشير صالح ونوري المسماري؟

– الأول كان سكرتير العقيد وأحياناً مستشاره والثاني كان مدير المراسم لديه.

> بماذا كنتم تشعرون حين تسمعون أنباء مظاهر البذخ التي مارسها أبناء القذافي خارج البلاد؟

– أثارت تصرفاتهم انزعاجاً واستياء كبيرين وكنا نتحدث في ما بيننا عن الأضرار التي تلحقها بالبلاد هذه التصرفات. أنا لم تكن لي أي علاقة قريبة بالأبناء ولم يحدث أن كنت طرفاً في مشاكلهم ولم يطلبوا مني شيئاً.

> هل شكا لك زعماء من تصرفات العقيد أو اتهمه بعدم التوازن؟

– سمعت من بعض الزعماء ملاحظات وإشارات وأحياناً انتقادات. رؤساء في أفريقيا لم يتقبلوا إعلانه نفسه ملكاً لملوك أفريقيا. الرئيس السابق لمالي أحمد تاماني توري كان بين من انتقدوا تلك الظاهرة غير المبررة.

> تردد أنك كنت تجول خصوصاً في أفريقيا ومعك حقيبة ملأى بالدولارات؟

– هذا غير صحيح. طبعاً كانت هناك مساعدات تقدم لكن عبر قنوات أخرى. تم دعم حكومات وحركات وأشخاص لكن ليس عبر وزراء الخارجية.

> هل شعرت ذات يوم بالقلق على مصيرك الشخصي؟

– الحقيقة أنني لم أعمل في الشأن الداخلي أو الأمن. أمضيت عمري في وزارة الخارجية ومهمات تتعلق بها. هذا أبعدني والحمد لله عن عالم العنف وذيوله. أُخضعت أحياناً للتحقيق لكن لأسباب تافهة يخجل المرء من ذكرها.

> أعطنا عينة منها؟

– حين حصلت المشادة في شرم الشيخ بين الملك عبدالله بن عبدالعزيز والقذافي دبجوا تقريراً قالوا فيه إنني كنت أبتسم. التهمة هي الابتسام. تم التحقيق معي. كنت استدعى أيضاً للتحقيق بسبب عدم إيفاد رسالة أو الزعم بأنني لم أحسن استقبال زائر. مسائل تافهة ولا صحة لها. كان التحقيق يتم من قبل مؤتمر الشعب العام أو وزير العدل.

> هل كانت قصة الأيدز والممرضات البلغاريات من صنع الأجهزة؟

– كانت مأساة في أي حال. كذلك عملية تفجير الطائرة في طرابلس لاتهام الأميركيين بها.

> هل كان القذافي يعتقد أن «الكتاب الأخضر» يحل مشاكل ليبيا وانه أراد الاقتداء بماو تسي تونغ ولينين؟

– لا شك أنه كان يعتقد أن «الكتاب الأخضر» هو الحل. إنها مأساة حين ينفصل صاحب القرار عن الواقع ويغرق في أوهامه. هذا لا يحدث في الدول التي تملك مؤسسات عريقة ومحترمة.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.