العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

طرابلس: من مدينة الآثار إلى مدينة الأدوار (1)

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اعتاد أبناء طرابلس النّظر إلى مدينتهم على أنّها مدينة “مَتْحفيّة”، تحتضن آثار الحضارات الغابرة، وتحمل في جنباتها بصمات الحضور المسيحي الراسخ فيها، ثم الهويّة الإسلامية التي استقرّت فيها، ببعدها العربي المتنوّع، والمتجسِّد في هذا النسيج المتداخل من المساجد والكنائس والمدارس، التي تعاقبت عليها السنون..

اعتدنا، نحن أبناء الفيحاء، تصويرها وتسويقها على أنّها مدينة التاريخ. حتّى لقبُها بأنّها مدينة العلم والعلماء، بات من الماضي، بعدما فقدت الكثير من مقوّماتها في التعليم والثقافة والاقتصاد.. لكنّنا نقنع أنفسنا بأنّ ما نقوم به من تسويق “تاريخيّ” من شأنه أن يساعد في نهضة المدينة، على قاعدة النشاط السياحي واعتباره مدخلاً لتحسين أحوال الناس في المدينة، التي لم تحصل على ما تستحقّه من حقوق في التنمية، فبقيت سياحتها مفتقرة إلى البنية التحتية، وغيّبتها الحكومات المتعاقبة عن الخارطة السياحية تغييباً متعمّداً، بعدما كانت قد فقدت دورها الصناعي خلال الحرب.

إعلان Zone 4

انحصرت الأدوار السياسية في دائرة صغيرة، وبقي دور طرابلس ضائعاً على مستوى الوطن، باستثناء ومضات سريعة، بقي لها مكانٌ في الذاكرة، لكنّها لم تستطع أن تبقى في الأرض، وتتحوّل إلى حالة قابلة للحياة والاستمرار

لم نستطع أن ندّخر من مظلوميّتنا ومقاومتنا للعدوان المستمرّ علينا ذخيرة للاستمرار في بثّ روح المقاومة ودحر الإحساس بالهزيمة، لأنّنا سمحنا لوطأة التهميش والإفقار أن تسيطر على أولويّاتنا، فغرقنا في تناحر مدنيّ وسياسيّ، أنسانا حقيقة هذه المدينة بتاريخها وأهليّتها لأن تكون عظيمة في حاضرها ومستقبلها.

اعتدنا أن ننظر إلى المساجد والكنائس والمدارس، وقد تآلفنا معها وباتت لا تعني لنا غير جدران أو دور عبادة، أو نفحة من الماضي، لا دَور لها في الحاضر ولا ريادة، ومن وراء ذلك لا دور للمدينة بعد سقوط سياسيّيها في الفشل الذريع.

أدّى هذا السياق من التفكير والممارسة، من قبل من تولَّوا المسؤوليات السياسية والاجتماعية والثقافية في طرابلس وفي الدولة، إلى التموضع في إطار محدود، جعلنا أشبه بجزيرة معزولة، تفتح أبوابها للزائرين في أزمنة قصيرة، وتعجز عن إبداع أدوارها المطلوبة لتستطيع مواكبة التغيّرات الجارفة، الحاصلة على جميع المستويات.

ضياع الدور

انحصرت الأدوار السياسية في دائرة صغيرة، وبقي دور طرابلس ضائعاً على مستوى الوطن، باستثناء ومضات سريعة، بقي لها مكانٌ في الذاكرة، لكنّها لم تستطع أن تبقى في الأرض، وتتحوّل إلى حالة قابلة للحياة والاستمرار، وأعني ثورة الأرز في 14 آذار 2005 تحديداً، وأخيراً ثورة 17 تشرين.

هذا السياق ينقلنا إلى نقاشٍ أعمقَ حول الدّور والهوية الحديثة لطرابلس في زمن العواصف الإقليمية والتقلّبات الدولية، ولماذا يسمح أبناؤها بأن تكون ساحة للألاعيب القذرة للمحور الإيراني – السوري، الذي لا يسأم من استهدافها، منذ الثمانينيات، بالحصار والمجازر وجولات العنف وتفجير المساجد.

لماذا لا تكون طرابلس مدينة آمنة ومتماسكة، تحمي حاضرها ومستقبلها من عوامل التصدّع الداخلية المتراكمة، فلا يستبيحها همج الممانعة ولا تفجيراتها؟

نحتاج إلى أن نعيد إحياء القيم الجامعة التي تستمدّ من الشرائع السماوية حضورها، لتكون المدماك الذي نبني عليه قلعة الدفاع عن طرابلس: قلعة التعاون والتكامل والشراكة، المستندة إلى قلعتها وأسواقها ومساجدها وكنائسها التاريخية

الحقيقة أنّ أحد أهمّ أسباب ما وصلنا إليه، هو غياب الهويّة الحضارية للمدينة، ببُعدها المُعاش، وليس بالاستناد إلى الإرث الماضي. فقد انحرفت السلوكيّات السياسية والاجتماعية نحو تلقّي الموجات السائدة، من دون أن تعمل النخب لتضع بصماتها عليها، وتأخذ ما يناسب منها، وتطرح ما لا يتناسب مع مصالح أبنائها.

في سياق تحديد وتأطير النقاش، لا بُدّ من التأكيد أنّ الحضارة، بمعناها القائم على التفاعل الإنساني، لا تقف عند حدود الزمن، ولا تتعطّل بفعل الظروف، بل هي فعلٌ إنسانيّ في المقام الأول، يقوم على تفاعل البشر فيما بينهم، بغضّ النظر عن مستويات التطوّر العلمي أو التقني الذي وصلوا إليه. فالأصل في العلاقات الإنسانية هو التفاعل والتعامل ضمن دائرة الأساسيات في حياة البشر، قبل أن تتوسّع لتشمل كلّ هذه الثورات في عالم التقنيّات.

لا يعني هذا إسقاط أهمية التطوّر العلمي والتقني من درجات سلّم الحضارة، فهي ضرورة لا يمكن التقدّم بدونها، لكنها إشارة إلى أنّ الإنسان هو قلب الفعل الحضاري، ولأجله ولخدمته تتواصل عمليات التطوير العلمي الذي ينعكس على أوجه الحياة المختلفة.

قلعة التعاون والتكامل والشراكة

لهذا نحتاج إلى أن نعيد إحياء القيم الجامعة التي تستمدّ من الشرائع السماوية حضورها، لتكون المدماك الذي نبني عليه قلعة الدفاع عن طرابلس: قلعة التعاون والتكامل والشراكة، المستندة إلى قلعتها وأسواقها ومساجدها وكنائسها التاريخية، التي يجب ألّا يبقى دورها محصوراً في سطور التاريخ، بل أن تكون لها مهمّة معاصرة، وهي أن تشكّل مرتكزاً لتأكيد الشراكة. فهي شواهد على عبور مراحل التاريخ بحلوها ومرِّها، والبقاء معاً، على الرغم من تقلّب الدول وتعاقب الأنظمة السياسية المسيطرة.

نبحث، اليوم، عن الانتقال من ثقافة ترويج الآثار إلى صناعة الأدوار لمدينةٍ تمتلك كلّ مقوِّمات النهضة والازدهار، وإلى التفكير في كيفية توفير مظلّة حامية لها، شبيهة بما حقّقه إقليم كردستان في العراق، مع الفارق في تحديد الإطار الدستوري والقانوني. بمعنى أنّنا لا نتحدّث هنا عن البعد السياسي في حالة كردستان، المتعلّق بالحكم الذاتي، لكن ما نبحث عنه هو المظلّة الدولية التي يمكن أن توفّر الأمان والاستقرار لطرابلس والشمال، بعدما تحوّلت باقي المناطق إلى ما يشبه المحميّات بحكم سيطرة قوى ميليشيوية في المناطق الشيعية، والتماسك الاجتماعي في مجمل المناطق ذات الغالبية المسيحية، والتضامن في المناطق الدرزية.

ما نحن بصدده، الآن، هو النقاش حول إعادة تقويم ما تكتنزه طرابلس من كنوز حضارية، لا يزال التاريخيُّ منها يحتلّ موقعه وله دوره في حياتنا اليومية، من مساجد وكنائس، ومواقع مرجعيّة، ومقوِّمات اقتصادية لا تفقد وزنها الاستراتيجي، وتحتفظ بمكانتها على الرغم من كلّ التحوّلات التي جرت، أو ستجري، وهي تحتاج اليوم إلى إعادة صياغة دورها لحماية المدينة ومحيطها من الانهيار أو حتى من الاندثار.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.