العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الحريري بين دمشق وواشنطن: هل يسعـه الاقتداء بوالده؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بعد زيارتين لواشنطن في 28 كانون الثاني 2006 و 4 تشرين الأول 2007 بصفته زعيماً للغالبية النيابية، يذهب الرئيس سعد الحريري إليها للمرة الأولى بصفته رئيساً للحكومة اللبنانية بكل أوزار الإرث

نقولا ناصيف
ذهاب الحريري إلى العاصمة الأميركية هو الأول لرئيس حكومة لبنانية منذ الانقلاب الذي أحدثه 7 أيار 2008 وقلَبَ توازن القوى السياسي الداخلي، وحتّم مراجعة واشنطن دورها في لبنان لأول مرة منذ صدور القرار 1559 عام 2004. أصبحت أكثر تفهّماً وتشجيعاً لتسوية بين قوى 14 آذار والمعارضة التي كان يقودها حزب الله، وأكثر تقبّلاً لنفوذ سياسي لسوريا في هذا البلد، وأكثر مراعاة لواقع لم يعد يجعل الشرعية الدستورية والسياسية تقتصر ـــــ على نحو ما أشاعه الأميركيون ما بين عامي 2005 و2008 ـــــ على قوى 14 آذار بزعامة رئيس حكومة تلك المرحلة الرئيس فؤاد السنيورة وحليفيه في الشارع، الحريري ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط. لم يرمِ هذا التحوّل إلى الاكتفاء بانتخاب الرئيس ميشال سليمان فحسب، بل أيضاً إلى شعور الإدارة الأميركية بأن أحداث 7 أيار، عندما قادت أو كادت تقود إلى فتنة سنّية ـــــ شيعية، جعلت الفريق الشيعي مقرّراً رئيسياً في حكم لبنان وسياسته الخارجية، وممسكاً من خلال سلاحه بالفوضى والاستقرار في آن معاً، وقد جرّد الموالاة الصديقة لواشنطن من قدرات الاستمرار في قيادة النظام اللبناني على نحو تلك الحقبة.
بذلك، ترسم الزيارة المرتقبة للحريري لواشنطن، كزعيم سنّي وكرئيس للحكومة اللبنانية وكحليف محتمل لسوريا، خطاً عريضاً يفصل المرحلة الحالية عن تلك التي خبرها الأميركيون في سلفه الذي لم يزر العاصمة الأميركية سوى مرة واحدة في 18 نيسان 2006 واجتماعه بالرئيس جورج بوش، على وفرة زيارات كبار مسؤولي الإدارة السابقة. إلا أنه حظي على امتداد تلك السنوات بإعجاب إدارة بوش لوقوفه سداً منع توغّل سوريا وحزب الله في سلطة الغالبية النيابية، وتشبّث بالحكم عندما حوصرت السرايا.
ورغم أن الحريري ليس أول مسؤول لبناني كبير يزور واشنطن بعد رئيس الجمهورية الذي كان قد التقى بوش في 26 أيلول 2008، ثم الرئيس باراك أوباما في 14 كانون الأول 2009، إلا أن زيارته الأولى يحيط بها أكثر من عامل مؤثر في نتائجها:
أولها، أن الحريري استبق زيارة واشنطن بزيارته الثلاثاء الماضي (18 أيار) دمشق في إطار تنسيق المواقف معها بإزاء ما سيقوله للرئيس الأميركي، وما سيسمعه منه. والواقع أن ما يحب أن يسمعه أوباما هو غير ما ينبغي أن يجهر به الحريري، وخصوصاً إزاء الموقف من سلاح حزب الله الذي أضحى في قاموس رئيس الحكومة، شأن ما صار في قاموس الزعيم الدرزي، سلاح المقاومة. يحب أوباما أن يسمع موقفاً لبنانياً من القرارين 1559 و1701 اللذين يتعارضان من وجهة النظر الأميركية مع استمرار تسلّح حزب الله كما تعلن الإدارة، ويحب أن يسمع عن مسار العلاقات اللبنانية ـــــ السورية، وخصوصاً حيال ترسيم الحدود لمنع تهريب السلاح، وأطر تنظيم علاقات البلدين من غير أن يؤول ذلك إلى تعزيز النفوذ السوري في لبنان. إلا أن ما يسع رئيس الحكومة الإجابة عنه بما لا يتناقض وتفاهمه مع الرئيس بشّار الأسد، هو تجاهله القرار 1559 الذي حلّت محله طاولة الحوار الوطني، ووضع تنفيذ القرار 1701 في عهدة الأمم المتحدة لكفّ الانتهاكات الإسرائيلية، وإقرانه بقاء سلاح المقاومة باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية.
ثانيها، أن الدور الذي يتطلع الحريري إلى الاضطلاع به كي يستعيد به دور والده الرئيس رفيق الحريري، يفتقر إلى الكثير من الجدّية لأسباب شتى ليس أقلّها أن العلاقات الأميركية ـــــ السورية لم تعد على صورة ما كانت عليه في حقبة حكومات الحريري الأب، عندما كان يتحرّك في ظلّ تفاهم واشنطن مع دمشق على استمرار وجودها العسكري في لبنان وتجاهل نفوذها السياسي، تارة باسم اتفاق الطائف وطوراً بذريعة مقدرة سوريا على ضمان الاستقرار في لبنان، وفي كل الأحوال في انتظار ترقب التسوية السلمية. كلتاهما، واشنطن ودمشق على السواء، كانتا حريصتين على استمرار ثبات الخطوط الحمر بين سوريا وإسرائيل في لبنان.
لم يكن الحريري الأب يحتاج قبل كل زيارة لواشنطن إلى أن يستبقها بأخرى لدمشق، ولا إدراج هذه في جولة عربية تتوخى إظهار توازن علاقات لبنان بجواره العربي. في أحيان كثيرة حمّله الرئيس حافظ الأسد في تسعينيات القرن الفائت رسائل إلى الإدارة الأميركية وهو يقول له إنه متيقن من أن الأميركيين يصغون إليه أولاً، وإن نقله، هو بالذات، تلك الرسائل يساهم إيجابياً في علاقات البلدين. كان ثمّة ما يتجاوز الدور الشخصي للحريري الأب الذي غالباً ما أعجب الأميركيين، إذ كانوا يرون ثروته وشبكة علاقاته الدولية ما يُطابق فكرة الحلم الأميركي لأولئك الذين كانوا يأتون إلى القارة من أجل أن يصنعوا سطوتهم ونفوذهم، وهو أتمّ الاختبار خارج أميركا وقبل أن يزورها… كانوا يتجاوزون مواصفاته الشخصية إلى تفهّمهم حينذاك تلازم المسارين السوري واللبناني في أي مفاوضات سلام في المنطقة. لم يكن تلازم المسارين يُزعج الأميركيين، وكان في صلب نفوذ سوريا في لبنان وإدارتها سياسته الخارجية، كان الأميركيون يتقبّلون أيضاً ما كان يقول به لبنان من أنه لا يذهب إلى أي مفاوضات لا تكون سوريا إلى جانبه، من غير أن يحضوا على فصل أحد المسارين عن الآخر. بيد أن القرار 1559 وجّه الضربة القاسية التي قوّضت استمرار تفاهم واشنطن ودمشق، ووضع العاصمتين وجهاً لوجه عندما طالبت الأولى الثانية بإخراج جيشها من لبنان والتوقف عن التدخّل في شؤونه. بيد أن الوقت بدا قصيراً بين صدور قرار مجلس الأمن واغتيال الحريري الأب بعد خمسة أشهر ونصف شهر. مذ ذاك اتخذتا لبنان ساحة تلك المواجهة التي كتمت سرّاً لم يفصح عنه الأميركيون، وتيقن السوريون من أنه مصدر قوتهم، وهو أن نظام الرئيس بشّار الأسد في منأى عن أي تهديد أو زعزعة استقراره. أما الباقي فخاضع للتفاوض.
ثالثها، كان دفاع الرئيس الراحل عن العلاقات اللبنانية ـــــ السورية وسلاح حزب الله في صلب اقتناعات كاشَفَ بها الأميركيين الذين تقبّلوها ما دامت في ظلّ نفوذ الجيش السوري في لبنان. حمله ذلك على خوض إحدى أشرس المواجهات حينذاك بين حزب الله وإسرائيل في حملة عناقيد الغضب التي انتهت بتفاهم نيسان 1996. أصبح حزب الله إلى طاولة التفاوض مع سوريا والولايات المتحدة وإسرائيل وإيران التي أشركت فرنسا، في ظلّ مكوكية الحريري الأب عندما أمسى تفاهم نيسان شرطاً مزدوجاً على إسرائيل وحزب الله بعدم التعرّض للمدنيين الآمنين، لكنه منح الحزب شرعية الجلوس إلى الطاولة وتحوّل المقاومة شريكاً في إعادة الاستقرار إلى الحدود الشمالية للدولة العبرية.
رابعها، أن الحريري الابن عندما لبس زعامة العائلة إثر اغتيال والده لم يكن قد خبر السياسة قط. كان يدخل على اجتماعات عمل يعقدها الرئيس الراحل ويقترب منه كي يقبّل، على جاري العادة، يده ثم يغادر المكان من غير أن ينخرط في الأحاديث السياسية الدائرة بين والده ومحاوريه. وقبل ثلاثة أشهر من اغتياله، قال الحريري الأب إنه لم يؤهل أبناءه لتعاطي السياسة. هكذا ورث الحريري الابن زعامة مجزأة على أبوين: أول هو والده الراحل يخلفه بأوزار ثقيلة وخبرة تكاد تكون معدومة كي يحلّ مكانه في قيادة الشارع السنّي ومكانة العائلة في المعادلة السياسية، وانتقال الشبكة الواسعة من العلاقات العربية والدولية إليه فجأة قبل أن يتيقّن من قدرته على إدارتها. وثانٍ هو الرئيس فؤاد السنيورة الذي ترأس حكومة ما بعد الانقلاب على سوريا وحلفائها في حقبة ما بعد الاغتيال، كأنه يُعدّ في مرحلة انتقالية لخلافة الابن أباه، فإذا به يتحوّل أصيلاً في المواجهة مع سوريا وحزب الله. كلاهما حمّلا الحريري الابن عبئاً ثقيلاً على كتفيه مع انهيار المرجعية السياسية والأمنية للنظام والاستقرار في لبنان. ما كان قد ورثه من اغتيال والده دفعت به تطورات متسارعة إلى التراجع عنه: صَالَحَ سوريا ورئيسها بعدما اتهمه بجريمة الاغتيال، وصار ينظر إلى حزب الله على أنه مقاومة وكان قد عدّه متهوراً يقود لبنان إلى حرب مدمّرة مع

❞في واشنطن سيقول الحريري للرئيس الأميركي ما اعتاد سماعه من والده الراحل

خلافاً للسنيورة، يذهب الحريري إلى واشنطن كحليف محتمل لسوريا، مميّزاً مرحلته عن سلفه ❝

إسرائيل، وباتت سوريا دولة شقيقة للبنان بعدما عمدت إلى تقويض استقراره وصارت حدود البلدين شأنهما وحدهما، وتخلى عن زعامة الغالبية كي يترأس حكومة يتساوى فيها حلفاؤه مع خصومهم. وما ورثه من حقبة الحكومة الأولى للسنيورة بين عامي 2005 و2008 دفعه في منحى مناقض لها، بل أيضاً للكثير الذي قاله عندما استقبله بوش مرتين عام 2006 و2007 عندما راح يتحدّث عن قتلة والده وعن النظام الذي يتدخل في لبنان ويرتكب الاغتيالات. في زيارته المقبلة لواشنطن أضحى على الحريري الابن أن يقول للرئيس الأميركي ما اعتاد الأخير سماعه من والده الراحل في عزّ التفاهم الأميركي ـــــ السوري عن الاعتداءات والانتهاكات الإسرائيلية للبنان، وعن حزب الله المقاومة لا التنظيم الإرهابي، وعن الدور الإيجابي لسوريا في انتظام المؤسسات والاستقرار في لبنان.
خامسها، لن يسع رئيس الحكومة، شأن ما كان عليه والده الراحل، الدخول وسيطاً في العلاقات الأميركية ـــــ السورية التي تجتاز حالياً صعوبات تطبيعها في ظلّ تباين في وجهات النظر بين الإدارة والكونغرس بشأن جدوى الحوار مع دمشق من جهة، وفي ظلّ تعارض موقفي الإدارة والقيادة السورية حيال الشروط المتبادلة لإحداث تطور إيجابي وجدّي في علاقات البلدين من جهة أخرى. لم تعد واشنطن تهتم بوسيط كوالده الراحل تكلفه تحسين علاقاتها بدمشق عندما كان يشوبها تحفظ، أو أن تصغي إلى ما كانت تطلبه الأخيرة منها، ولم تكونا تماماً على طرفي نقيض. صارت سوريا تقول اليوم بلسان مسؤوليها الكبار إن علاقتها بواشنطن انتقلت من مرحلة إملاء الشروط إلى التحاور، وتقول أيضاً إن الحوار مباشر بين البلدين على ضآلة الاجتماعات التي يعقدها مسؤولو الإدارة مع القيادة السورية، ما خلا زيارات وفود الكونغرس إلى هذا البلد حيال العلاقات الثنائية. كان الحريري الأب في ما مضى يكتفي بنقل الرسالة ولا يجد نفسه معنياً بالتفاوض على مضمونها الذي هو شأن الدولتين، وكانتا في الغالب تتبادلان استمزاج ردود الفعل عبر تلك الرسائل. مع ذلك لم يخلُ الأمر من تحفظ سوري مكتوم ـــــ هو جزء من غموض النظام الكثير الشكوك ـــــ عن الرئيس الراحل في بعض الأحيان كلما زار واشنطن، سرعان ما كان يعود منها ويطلع الرئيس السوري على فحوى ما ناقشه هناك.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.