العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

مشاكل عالقة ومتجددة تضرم النار في صراعات سياسية وأساسية (التوطين) و(التقسيم) والحقوق الفلسطينية قضايا تهدد المصير بين (المحكمة) و(الحكمة)

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

كانت السفيرة الأميركية في لبنان السيدة سيسون تواصل زياراتها الوداعية للمسؤولين اللبنانيين. وكانت خليفتها المنتظرة تواصل مثولها أمام الكونغرس في العاصمة الأميركية لسبر اغوار نظرتها الى لبنان، والى أساليب فهمها لدورها المرتقب على الساحة اللبنانية.
واللبنانيون يتساءلون في السر والعلن، لماذا يركّز الأميركان على إرسال السيدات الى لبنان، منذ نقل السفير جيفري فيلتمان من بيروت الى واشنطن العاصمة، واحتلاله منصب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية السيدة الشقراء هيلاري كلينتون. الواضح حتى الآن، أن الأميركيين في العاصمة الفيدرالية، بدأوا يفكرون في التجديد لأول رئيس أسود، ذي الجذور الافريقية. أما في لبنان، فإنهم يفكرون في مصير جمهورية تجنح نحو الأفول.
الأميركان يشغلهم الآن، مصير جمهورية تبدو كالشمس التي تميل الى الغياب. إنها مثل قرص الشمس الذي ينحدر الى السقوط في البحر، عند الغسق، بُعيد الأصيل. ترسل أشعتها وأنوارها الخافتة، بخفر وحياء، قبل أن تقول وداعاً لدنيا باتت على وشك; أن تغرق في ظلام كثيف. وقد نظم شاعر الباكستان العطيم محمد إقبال قصيدة في التعبير عن ذلك المنظر الخلاّب، فيقول إن الشمس مدّت مودّعة بنان شعاعها، وهي ترسل آخر أنوارها، قبل أن تغطس في البحر عند الأفق.
الأميركان، لا يرون الآن، سوى جمهورية تميل الى الغياب. في العام 1973، كان هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي يومئذٍ، لا يرى في لبنان، جمهورية قابلة للحياة.
وكان الفلسطينيون بزعامة ياسر عرفات يفرضون سيطرتهم على لبنان ، ويقيمون دولة لها عاصمتها الفاكهاني في بيروت وأراضيها تمتد حتى (الخط الأزرق) الآن، أو ما كان يسمى بـ (فتح لاند). وكان اليسار اللبناني والقوى الاسلامية قد (سلموا) مفاتيح السلطة الى منظمة التحرير الفلسطينية، وأصبحت (جمهورية الأبوات) من (بو عمار) الى (أبو اياد) و(أبو جهاد) و(أبو الهول) وسواهم يحكمون لبنان، أو يتحكمون بالقيادات الأساسية في الحركات الوطنية والاسلامية. في ذلك الوقت، كان البروفسور هنري كيسنجر يفكر في البحث عن وطن بديل للفلسطينيين ووجده على طريقة (أرخميدس) في جمهورية لبنان الآخذة في الاحتضار.

يومئذٍ، أرسل كيسنجر، وقد حررت (جمهورية الرئيس ريتشارد نيكسون) بعد فضيحة (ووترغيت)، وحلول رئيس أميركي ضعيف مكانه هو نائبه جيرالد فورد في البيت الأبيض، أرسل مساعده دين براون الى بيروت لاغراء المسيحيين الخائفين على مصيرهم، بعد تهجير رئيس الجمهورية من قصر بعبدا، اثر القصف العنيف من قبل (جيش لبنان العربي) برئاسة أحمد الخطيب، بالسفر الى بلاد الله الواسعة، وإحلال الفلسطينيين مكانهم، تحت شعار (التوطين). لكن المسيحيين واجهوا شعار التقسيم والتوطين بـ (حرب البقاء) في أرضهم، وراحوا يتدبرون مصيرهم الغامض بشراء السلاح من الغرب.
عندما وصل دين براون الى لبنان، استقبله الرئيس سليمان فرنجيه في (قبو) قصر الكفور، محاطاً بالرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والأباتي شربل قسيس رئيس الرهبانية اللبنانية. وعرض دين براون أفكار البروفسور هنري كيسنجر، لكن الرئيس فرنجيه رد عليه، عندما عرض عليهم ارسال بواخر لنقل المسيحيين الى أميركا وكندا، بأن الذين أمامه يقاتلون مع أولادهم، للبقاء في وطنهم، لا ليكون الوطن البديل للفلسطينيين.
عاد دين براون الى أميركا خائباً، لكن أفكار كيسنجر لا تزال تعيش في أدراج وزارة الخارجية الأميركية.
في العام 1974، اختارت قمة عربية رئيس جمهورية لبنان سليمان فرنجيه، للذهاب الى الجمعية العامة للأمم المتحدة، لالقاء كلمة الملوك والرؤساء والأمراء العرب، في (دورة فلسطين).
يومئذٍ، كان ياسر عرفات يطأ للمرة الأولى أرضاً أميركية.
وعندما وصل الى أروقة الأمم المتحدة عثرت به قدماه وسقط أرضاً فتلقفه صحافي لبناني مشهور، هو الأستاذ مروان حماده نائب رئيس تحرير (الأوريان – لوجور).
ووقف عرفات على منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، يعرض على العالم الاختيار بين البندقية الفلسطينية وغصن الزيتون الذي لوَّح به للعالم الذي كان يضيق ذرعاً بأخبار خطف الطائرات.
أما الرئيس سليمان فرنجيه فقد اصطحب معه الى نيويورك وفداً رئاسياً كبيراً كان يضم الرؤساء كميل شمعون، شارل حلو، صبري حماده وصائب سلام وعبدالله اليافي ورشيد كرامي.
إلا أن هنري كيسنجر رد التحية للرئيس فرنجيه، الذي كاد أن يطرد موفده دين براون، لولا ايمانه بالضيافة اللبنانية، بأن أحضر الكلاب البوليسية لشمّ حقائب الوفد اللبناني بعد اشاعات عن ان احد اعضاء الوفد (صبري حماده) ينقل حشيشة الكيف في حقائبه.
في أميركا لم يعرف أحد بهذه الحادثة سوى الرئيس فرنجيه والمدير العام للأمن العام العقيد أنطوان دحداح والسفير سهيل شماس. أما الرؤساء فلم يعرفوا بالأمر، لكنهم ضاقوا ذرعاً بتأخر وصول حقائبهم الى فندق (والدورف استوريا) الشهير.
بعد عودة الوفد الرئاسي الى لبنان، اثر تسعة أيام في نيويورك، دعا الرئيس فرنجيه أعضاءه الى احتساء القهوة في بعبدا، وأخبرهم بإحضار الكلاب البوليسية لشمّ حقائب أعضائه في مطار نيويورك الدولي، أو في قاعدة أندروز العسكرية الأميركية، في محاذاة المرفق الهادئ.
وبعد الاستياء الشديد للرئيس اللبناني والذي نقل الى الرئيس الأميركي جيرالد فورد، أرسل البيت الأبيض السيد جوزيف سيسكو مساعد وزير الخارجية الأميركية الى مقر القنصلية اللبنانية، لمقابلة رئيس الجمهورية وتقديم اعتذار رسمي اليه، وحاملاً دعوة رسمية اليه لمقابلة الرئيس الأميركي.
وقيل يومئذٍ إن الرئيس فرنجيه أبلغ السيد سيسكو أنه في الولايات المتحدة بناء على تكليف من الرؤساء والملوك والأمراء العرب، لإلقاء كلمة باسمهم في الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة، وانه في القنصلية اللبنانية، موجود عرفاً، على أرض لبنانية، ولن يطأ بقدميه الأرض الأميركية.
ولدى عودة رئيس الجمهورية الى لبنان، استدعى السفير الأميركي في لبنان جون غودلي، وفاجأه بالسؤال الآتي: كم مضى على وجودكم في بلادنا، من دون أن تأخذوا إجازة لتمضيتها في بلادكم أو حيث تشاؤون? فرد: قرابة العامين.
وأردف الرئيس فرنجيه: معكم الآن اجازة قسرية، خارج لبنان لتمضيتها حيث تريدون. وشرح له الأسباب التي تدعوه الى مثل هذه الخطوة، ومفادها ان المعلومات التي نقلوها اليه، تفيد بأن الطائرة الرئاسية الذاهبة الى نيويورك، محملة كميات من حشيشة الكيف، في احدى حقائب الرئيس صبري حماده. وهذا أقل رد فعل على تقاريركم المهينة بحق لبنان.
قصة الخطاب
بعد خطاب الرئيس فرنجيه في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وما تضمنه من أفكار وطروحات أثارت الانتباه والاهتمام.
وقصة الخطاب تبدأ عندما أخذ الرئيس فرنجيه، على رأس فريق عمله، بعقد اجتماعات كان يحضرها النائب والوزير ادوار حنين، لأن الرئيس اللبناني، كان يثق بـ (ابو ابراهيم) ومعجب بديباجته العربية. لكنه هذه المرة أحب أن يلقي كلمة باللغة الفرنسية لا باللغة العربية، ليسمعها العالم مباشرة لا ترجمة، خصوصاً وان الترجمة الفورية قد لا تؤدي الدور المطلوب منها. لكنه عندما قرر أن يصطحب معه وفداً رئاسياً كبيراً، يضم الرؤساء السابقين للجمهورية والمجلس والحكومة، كلف الرئيس شارل حلو جمع الرؤساء، في جناحه الخاص واعداد كلمته، لأنها ستكون باسم لبنان كله لا باسمه فقط، وأرسل اليه نص كلمته المعدة سابقاً في بيروت.
طلب مني الرئيس الشهيد رشيد كرامي مرافقته الى جناح الرئيس شارل حلو، فوافقت. وفيما كان داخل المصعد، وكان مليئاً بالناس، توقف المصعد فجأة، ودخل اليه الرئيس كميل شمعون، فرفع يده وألقى التحية علينا، وعندما وصل الرئيسان شمعون وكرامي الى جناح رئيس الجمهورية السابق، دخلا معاً الى القاعة من دون أن يتبادلا كلمة واحدة.
مصالحة لم تحدث
يوم الأحد دعا الرئيس فرنجيه الوفد الرئاسي الى الغداء في القنصلية اللبنانية وكان لولب الحركة يومئذٍ الديبلوماسي الشاب ناجي أبو عاصي الذي يحتل الآن منصب المدير العام لرئاسة الجمهورية، والذي شغل أرقى المناصب الديبلوماسية ومنها سفير لبنان في باريس، وسفير لبنان في الفاتيكان.
ومنذ ذلك التاريخ، أي في العام 1974، لمع نجم أبو عاصي، وكان الجميع يتوقعون له مستقبلاً كبيراً، لما يتمتع به من ذكاء ونشاط .
دخل الرؤساء الي القنصلية اللبنانية، وكانوا يدخلون ويسلمون على رئيس الجمهورية وعلى اللبنانية الأولى السيدة ايريس فرنجيه وعلى سائر أعضاء الوفد الرئاسي. وعندما دخل الرئيس الشهيد رشيد كرامي، بادر الى مصافحة رئيس البلاد واللبنانية الأولى، ثم توقف، ورفع يده اليمنى الى فوق، وحيا الحاضرين، وانضم اليهم، من دون ان يسلم عليهم، واحداً واحداً.
اعتقد الموجودون خارج القنصلية اللبنانية، أن مصافحة قد تمت، وأن مصالحة قد حدثت عفو البديهة والخاطر، بين الرئيسين شمعون وكرامي، الا أن مصور الحكومة اللبنانية المرحوم أنطوان دالاتي، قد راقب المشهد، بذهنيته الاعلامية، قال إنه شاهد ما حدث وصوَّره، وإن الزعيم الطرابلسي صافح رئيس الجمهورية والسيدة ايريس، ثم انكفأ الى الوراء، ورفع يديه محيياً الجميع.
في اليوم التالي، حملت أخيار نيويورك الى بيروت، أنباء كثيرة عن مصالحة لبنانية، قد تحققت عفوياً، في القنصلية اللبنانية، وأخباراً عن مصالحة لم تتحقق. لكن فريقاً ثالثاً رجع الى السيد أنطوان دالاتي، لأنه وحده كان يملك الحقيقة، فأفاد بأن التحية قد حدثت وان المصالحة لم تتحقق.
كانت أخبار نيويورك توزع في بيروت، عبر (الوكالة الوطنية للاعلام) حيث كان المدير العام الأستاذ رامز الخازن يرأس وفداً إعلامياً يضم الأستاذ محمد المشنوق مدير الوكالة، الذي كان ينسق أنشطة الوفد الاعلامي، ويتولى رئيس ديوان وزارة الاعلام الأستاذ قبلان أنطون ادارة توزيعها على الصحافة اللبنانية.
وعند العاشرة ليلاً بتوقيت نيويورك والخامسة صباحاً بتوقيت بيروت، استطاع رؤساء كبريات الصحف الأميركية، الحصول على موعد مع رئيس الجمهورية بواسطة الديبلوماسي سهيل شماس. وحضر الى القنصلية رؤساء تحرير (نيويورك تايمس) و(الواشنطن بوست) و(الويست جورنال) وسواها، وراحوا يطرحون أسئلتهم على الرئيس اللبناني ويتولى السفير شماس الترجمة.
كان السؤال الأول: الى أي حد تؤيدون منظمة التحرير التي هاجمت مقر الألعاب الأولمبية في ميونيخ، وأنتم تؤيدون القرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الدولي?
وأجاب الرئيس فرنجيه: الى الحد الذي تؤيد فيه بلادكم اسرائيل، وهي تعتدي على القرى اللبنانية، وتستعمل (الفيتو) الأميركي، لعدم إدانة الدولة المعتدية على المواطنين الآمنين في قراهم.
وأضاف الرئيس فرنجيه: في العام 1096، جاءت حملة صليبية الى الشرق، وأسس غودفروا دو بويون (مملكة القدس) ثم انهارت بعد سنوات على يد القائد الشهير صلاح الدين الأيوبي.
لقد مضى على وجود اسرائيل قرابة الثلاثين عاماً (1948 – 1974) ، لكنني أبشركم بأن اسرائيل لن تعيش أكثر مما عاشت بمملكة القدس، حتى تتداعى وتزول. إن طبيعة تكاثر السكان، لن تكون لصالح الدولة المعادية للسكان الحقيقيين.
حدّد رئيس مجلس النواب يوم 17 آب المقبل، موعداً لمناقشة مقترحات الأستاذ وليد جنبلاط لأعطاء الفلسطينيين حقوقاً مدنية وسياسية. وهذا التاريخ مهمّ بالنسبة الى اللبنانيين، لأنه يرمز الى اليوم الذي انتخب فيه في العام 1970 الرئيس سليمان فرنجيه، رئيسا للجمهورية.
ويقول سياسي عريق، ان الفلسطينيين يوم كانوا (مليئين) ماديا أيام ياسر عرفات، رفضوا امتلاك شقق ومنازل في بيروت، فهل يقعون الآن في الخطأ نفسه، الذي وقع فيه نجوم دولة ياسر عرفات، يوم دخل كوموندوس اسرائيلي الى بيروت، واغتالوا ثلاثة من القادة الفلسطينيين هم كمال ناصر وكمال عدوان ويوسف النجار. ذلك ان هؤلاء القادة (امتلكوا) أو استأجروا شققاً فخمة في بيروت. فاهتدى اليهم الاسرائيليون وقتلوهم.
ويستطرد: لا شك في ان الفلسطينيين يعيشون في مخيماتهم، في ظروف غير انسانية، لكن حق التملك يمهّد لخطة التوطين، ولنسف حق العودة الى بلادهم، بموجب القرار /194/ الصادر عن مجلس الأمن الدولي.
ويقول النائب نهاد المشنوق ان حق التملك لن يقع في (فخّه) الفلسطينيون، لأنهم يريدون الرجوع الى أرضهم المغتصبة، وهم مثل اللبنانيين، حريصون على اسقاط مؤامرة التوطين، لا على انجاحها.
ويتساءل: ثمة وحدة قائمة بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، تقوم على رفض التوطين، وأنا أدعو الى مصالحة تاريخية بين الشعبين، لردم الهوّة السحيقة، التي غارت بينهما على مدى ستة عقود.
ولنبدأ الآن بخطوة الألف ميل، لحل المشاكل بين الشعبين، واعادة الثقة الى قلوب الفريقين في آن.
ان اعطاء الفلسطينيين حقوقهم الانسانية، وتنفيذ القوانين اللبنانية، للسماح لهم بالعمل في لبنان أسوة بسواهم من غير اللبنانيين، خطوة سليمة تقود الى خطوات. لكن، ومن دون مزايدات، فان حق التملك، مغاير للحقوق التي ينبغي للفلسطيني ان يتمنّع بها، وليكن ذلك كله، من ضمن الحقوق المشروعة، وإلاّ فاننا نكون نلعب (لعبة التوطين) على حساب حق العودة…
قبل ان أنهي، كتابة هذا الفصل الذي يسبق فصل، طرح مقترحات الأستاذ وليد جنبلاط، حول الحقوق الفلسطينية، بدا لي ان أحداً، لم يعتبر بما حدث في لبنان في أيام هيمنة منظمة التحرير على القرار، لدى فريق محدد من اللبنانيين، ولا بد من تمييز الموقف الكبير للرئيس صائب سلام، في بعض مراحل حكم الرئيس الياس سركيس. ذلك ان الرجل كانت له مواقف شجاعة في خلال ترشيح الرئيس الدكتور سليم الحص، ليكون أول رئيس حكومة في عهده، وفي مؤازرة الرئيس شفيق الوزان في أواخره، خصوصا بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان في العام 1982، وتوليه الحوار مع الرئيس ياسر عرفات، لتنظيم مغادرة المنظمة ومسلحيها من طرابلس الى تونس، بعدما أحجمت معظم الدول العربية عن استقبالهم، وان بالغت في دعمها لهم وتأييدها لكل ما يطلبونه.
إلاّ أن الدخول الاسرائيلي الى ضواحي بيروت، كان، سبباً أساسياً في انتخاب الشيخ بشير الجميّل، رئيسا للجمهورية، ويتضح من كتاب الوزير فؤاد بطرس (المذكرات)، انه واجه معارضته في بداية عهده، لكنه راح يمحضه التأييد والدعم لاختياره رئيساً للجمهورية.
صحيح ان فؤاد بطرس ظلّ يعارضه، حتى بعد انتخابه في المدرسة الحربية، لكنه يعترف بأن العقيد جوني عبده قد أقنعه به، وظلّ يتردد على القصر الجمهوري سرّياً، خلال الليالي الحالكات، للتشاور مع الرئيس سركيس الذي آمن به بأنه مؤهل لنقل الدولة من طور الانحلال، الى عصر القوة.
وبشير الجميّل الذي اغتيل بعد 21 يوما، على انتخابه، تحوّل الى حلم بعدما كان (بعبعاً) مخيفاً. كان الأميركيون ومعهم السيد فيليب حبيب موفد الرئيس رونالد ريغان الى لبنان، يسعون الى انتخاب رئيس جمهورية معتدل، ولم يكونوا في ذلك الحين، يؤمنون بأن بشير الجميّل لا يجسّد الاعتدال. لكن فيليب حبيب والسفير في بيروت ألان ديلون، والسيد وليم فايس مدير المخابرات الأميركية رضخوا آخر الأمر، الي ان بشير الجميّل خيار لا يمكن تجاهله.
وبشير ترشح للرئاسة، وقال انه ممنوع على أي شخص من (الهواة) للترشح، واجتذاب الدعم الخارجي، إلاّ ان قائد القوات اللبنانية يومئذ، (فرض) تأييده على العالم، وعلى النواب اللبنانيين.
في 14 ايلول وقع انفجار في مقر حزب الكتائب في الأشرفية، أودى بحياته. وعندما عرف الرئيس سركيس ان الرجل الذي سيخلفه في الرئاسة قد مات، بكاه بكاء مرّاً، لفرط ما أحبّه ووثق بامكاناته، وقد نقل الخبر اليه المحامي كريم بقرادوني عبر اتصال بالعقيد جوني عبده الذي كان يجلس الى جانبه في القصر الجمهوري.
وانتخب خلفاً له شقيقه الشيخ أمين الجميّل النائب عن منطقة المتن الشمالي، وسط تأييد من معظم النواب والقيادات المسيحية والاسلامية، في حين ان شقيقه الراحل انتخب في ظل مقاطعة اسلامية.
ورافق انتخاب أمين الجميّل ورحيل بشير الجميّل، دخول اسرائيلي مريب على مخيمي صبرا وشاتيلا، وارتكاب مجازر بحق المواطنين الفلسطينيين، الذين أصبحوا عزّلاً من السلاح، بعد مغادرة منظمة التحرير لبنان، الى تونس بموجب اتفاق رعته الأمم المتحدة.
كان الشيخ أمين الجميّل، كما يقول فؤاد بطرس في كتابه، انه كان يريد أستاذاً في الجامعة الأميركية وزيراً للخارجية ولا يستمرئ التعاون مع فؤاد بطرس، لأنه كان يريد وزيراً (تقنياً) في قصر بسترس، لا سياسياً قوياً فيه. وبالفعل فقد أتى بالدكتور ايلي سالم الى الخارجية، وبتعيين المحامي روجيه شيخاني وزيراً للعدل… ونقيب المحامين السابق عصام فؤاد الخوري وزيرا للتربية والدفاع.
وكان فواد بطرس، يقول ان الرئيس الجميّل يريد ان يكون كل شيء، ولذلك فقد قال للوزير عصام خوري، اهتم بوزارة التربية، واترك لي الاهتمام بوزارة الدفاع.
المحكمة والمحاكمة
القضية الأساسية الآن هي المحكمة الدولية التي ستصدر قرارها الظنّي، في حادث تفجير موكب الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط أي في (عيد الحب) فيما كان متوجها من البرلمان الى قريطم، تجاه فندقي (السان جورج) و(الفينيسيا). والصراع يدور الآن حول تسريبات تزعم ان بين المتهمين باغتياله ورفاقه، عناصر من (حزب الله)، بعدما كانت الاتهامات تتوجه الى سوريا وبعض المسؤولين فيها.
والأوساط السياسية تروّج الآن أخباراً، عن فتنة مذهبية، آتية في الخريف، بعد اذاعة المحكمة قرارها الظنّي.
والصراع يدور حول القرار والتسريبات الكثيرة عنه، على الرغم من ان الرئيس الحريري ذهب الى السيد حسن نصرالله، وتداول مع السياسيين وأفهمهم انه يفصل بين المحكمة الدولية التي هي تابعة للأمم المتحدة، وبين رئاسة الحكومة اللبنانية، وانه يعمل كرئيس وزراء لكل لبنان، وليس لفريق من لبنان، وهذه قضية أساسية لا أحد يتحكم بها، الا ما تمليه اقامة أحسن العلائق الأساسية بين بيروت ودمشق.
وهذه الحوارات غير الدقيقة، في رأيه، ليست مجدية لاحد، فالكل متفق على العدالة وعلى معرفة الحقيقة، وضد التسييس والترهيب في آن.
وكل ما يثار الآن لا مصلحة لأحد فيه، لأن القضية أبعد من جريمة، بل هي قضية وطن، يقف بين الفتنة والحكمة، ولا أحد يمتلك احراق البلد من أجل نزاعات لا طائل تحتها.
في هذا الوقت، ووسط هذه التطورات قام رئيس الجمهورية بسلسلة مشاورات مع قيادات لبنانية بارزة، لوقف التصعيد السياسي المتنامي، والاتجاه بالبلاد نحو التفاهم.
وقال سياسي بارز ان رئيس الحكومة سعد الحريري، اتخذ من مؤتمر (تيار المستقبل)، فرصة لمناشدة اللبنانيين، التجاوب مع المسعى الهادف الى وأد الفتنة وانتصار التعقّل على التحجّر، لأن اسرائيل لن تقف متفرّجة على توجه البلد نحو التفكك والانهيار، ومشدداً في الوقت نفسه، على ان وحدة البلاد هي الحارسة للوحدة الوطنية والحجر الأساسي لوحدة حكومة الوحدة الوطنية.
وأكد الرئيس الحريري أمام عناصر خاصة زارته، في نهاية الأسبوع ان خياره الوحيد في هذه المرحلة ان يتجاوز لبنان خطر الفتنة الأهلية والفتنة المذهبية، وانه لن يتوانى عن بذل أي شيء، في سبيل انقاذ اللبنانيين مما يتربّص بهم من أخطار.
ورأى الحريري أن غياب الحوار كان وراء التشنجات التي حصلت أخيراً، وقال ما يمكنني قوله إن استقرار لبنان وعدم التشنج فيه يريح سوريا، ولا أفهم لماذا الوصول الى هنا بهذه الصيغة من التشنج ما دامت الأبواب مفتوحة للحوار في كل الأمور. والمشكلة أننا نضيّع الإنجازات التي نحققها في بعض الخلافات الداخلية، ولا أظن أن في لبنان شخصين اثنين يختلفان على أن عملاء إسرائيل هم عملاء خانوا بلدهم وهذه العمالة لا يجوز أن تستمر أكان في الاتصالات أو في غيرها. ومن المؤكد أن الاتصالات أمر مهم جداً لكل اللبنانيين ومعروف أن المقاومة تحمي نفسها بشبكة اتصالات خاصة بها، وهذه حماية لكل اللبنانيين.
وقال الحريري: حين أعرف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري سأتصرف بصفتين: في قلبي كسعد بن رفيق الحريري وبشخصي كرئيس وزراء لبنان. وفي الوقت نفسه سأرى ما هي المصلحة الوطنية، والمصلحة الوطنية هي الحقيقة. مشيراً الى أنه تحدث في هذا الموضوع مع الرئيس الأسد لكن لن أدخل في التفاصيل.
وشدد الحريري على أن اللبنانيين قادرون على تجنب الفتنة والقرار عندهم، وقال: لا أحد يقول لي إن الفتنة قادمة ولا نستطيع فعل شيء حيالها. هذا كلام مرفوض ونحن نضع أقدارنا بأفعالنا.
وبالنسبة الى استهداف حزب الله من قبل إسرائيل قال: التهديد قائم على كل اللبنانيين وكلنا في الهوا سوا، أعرف نفسي أني مهدد وليس لدي شك في أن السيد حسن نصرالله مهدد، والحوار من أجل تحصين الداخل هو الطريق الوحيد لمواجهة أي تهديدات أو حماقة إسرائيلية أو عدوان على لبنان، أما الفتنة الداخلية فهي مرفوضة، وأقول للبنانيين لا تخافوا لا توجد فتنة أو حرب والمسلمون السنّة والشيعة سيكونون بالمرصاد لإسرائيل، واللبنانيون مسلمين ومسيحيين أيضاً سيكونون بالمرصاد وهذه اللعبة لن تمر في لبنان واحد وعدوه واحد هو إسرائيل.
ورداً على سؤال أكد الحريري أن الأسد لم يبحث معه في التغيير الحكومي ولم يطلب شيئاً في الداخل.واعتبر رداً على سؤال آخر ألاّ سبيل للاستقرار في المنطقة إلا بالسلام وبالتمسك بمبادرة السلام العربية.
وأكد أنه سيذهب عاجلاً أو آجلاً الى إيران، كاشفاً أنه كان يود زيارتها هذا الشهر لكنه ارتأى تأجيلها بعدما أعلن الرئيس محمود أحمدي نجاد أنه سيأتي الى لبنان. وقال: هناك مساعٍ لحوار جدي مع إيران في شأن الملف النووي.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.