العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الربيع العربي من المد إلى الجزر

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

إلى ظهر الخميس الماضي، كنت أعرف إلى أين نحن ذاهبون. إلا أنه منذ ذلك الحين، وبعد إعلان الانقلاب الذي هز الساحة السياسية في مصر، صرت عاجزا عن الإجابة عن السؤال، لأنني لم أعد أرى إلا نفقا مظلما وأسئلة مؤرقة.

(1)

إعلان Zone 4

لي صديق لم يكن مطمئنا إلى ما يجرى في مصر منذ سقوط النظام السابق. وظللت أتلقى منه رسائل على هاتفي المحمول بين الحين والآخر، يردد فيها عبارة واحدة تشير إلى أن ما يحدث يفتقد البراءة، وأنه بمثابة «فيلم هندي». وطوال الأشهر الماضية، كنت أقاوم فكرته تلك، مرجحا احتمال سوء التقدير فيما حل بنا من نوازل، ومستبعدا سوء النية. لكني بعد صدمة الخميس ما عاد بمقدوري أن أرد به على ملاحظته، وإنما صار السؤال الذي يشغلني هو: هل هو حقا فيلم هندي، أم أميركي؟! ذلك أن ما جرى يفتح الباب واسعا لإساءة الظن بالأطراف التي تقف وراءه. فضلا على أنه يهدي أنصار فكرة المؤامرة نقطة ثمينة لصالحهم، ناهيك بأنه يكشف لنا عن أن ثمة خطرا حقيقيا يهدد الثورة المصرية، الأمر الذي لا أشك في أنه سيكون له صداه السلبي على مختلف تجليات الربيع العربي.
في ذلك اليوم الحزين حلت بمصر أربع كوارث لم تخطر على البال. هذا الكلام ليس لى، لكنه رأى المستشار سمير حافظ، رئيس محكمة الاستئناف السابق، الذي عرض تلك الكوارث على النحو التالي: الأولى تمثلت في قرار وزير العدل إعطاء ضباط الجيش سلطة الضبطية القضائية، بالمخالفة لصريح القانون. ذلك أن نص قانون الإجراءات الجنائية (المادة 23) يخول وزير العدال حق التفويض لممارسة تلك السلطة بالنسبة لبعض الموظفين في حالة الجرائم التي تدخل في اختصاصهم وتتعلق بأعمال وظائفهم، بمعنى أن التفويض مقيد بشرط وقوع الجرائم في دائرة اختصاص الموظف، كما هو الحال بالنسبة لمفتشي العمل ومفتشي الأغذية ومأموري الجمارك. ولما كان ضباط الجيش لهم وظيفة أصلية لا علاقة بها بما يجري في الشوارع والميادين، فإن الاستثناء لا يشملهم. وبالتالي فإن قرار وزير العدل يصبح باطلا لمخالفته النص الصريح في هذا الصدد.
ـ الكارثة الثانية أن المستشار حاتم بجاتو عضو لجنة الانتخابات، رفض تسليم بيانات الناخبين لمرشحي الرئاسة بحجة أن ذلك يشكل مساسا بالأمن القومي للبلاد، فضلا عن أن قانون انتخابات الرئاسة لا ينص على ذلك. وذكر أن تلك البيانات توزع على مرشحي الانتخابات البرلمانية لأن القانون يسمح بذلك. وهو منطق أعوج، لأن البيانات اعتبرت من قبيل الأمن القومي في الانتخابات الرئاسية حين لم ينص عليها القانون. في حين أنها ذاتها لم تعد كذلك حين نصّ عليها القانون في الانتخابات البرلمانية.
ـ الثالثة أن حكم المحكمة الدستورية العليا أبطل في المنطوق انتخاب ثلث أعضاء مجلس الشعب، لكنه وسّع الدائرة في الأسباب، وقرر بطلان كل المجلس، في تميز وتعسف ظاهرين، علما بأن الحجية في الحكم للمنطوق وحده، ولا حجية لما يترتب عليه من نتائج ترد في الأسباب، خصوصا أن الأحكام القضائية تقوم على اليقين القانوني ولا تقوم على الاحتمالات الواقعية.
ـ الكارثة الرابعة تتصل بقانون العزل، لأن ثمة خطأ قانونيا جسيما في إحالته على المحكمة الدستورية، ذلك أن القضية الأصلية التي كانت طعنا من جانب أحد المرشحين المستقلين أمام محكمة ابتدائية، كان ينبغي أن تحال على دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا، لكنها أحيلت لسبب غامض ومريب على المحكمة الدستورية العليا، واتخذت ذريعة لتهديد مجلس الشعب بالحل، ثم أصبحت ذريعة لحله كما رأينا.
(ملحوظة: هذا الكلام قيل قبل ظهور الكارثة الخامسة المتمثلة في ما سمي الإعلان الدستوري المكمل الذي كرس سلطة المجلس العسكري حتى مع وجود رئيس منتخب للجمهورية).

(2)

في رأي المستشار أحمد مكي، نائب رئيس محكمة النقض السابق، فإن كل ما أعلن يوم الخميس من قرارات وأحكام مجرحة قانونا، وباب المنازعة فيها أمام المحاكم مفتوح على مصراعيه، وان مرجعية السياسة وتأثيرها عليها أقوى من مرجعية القانون. الأمر الذي لا يثير فقط علامات استفهام كبيرة حول الهدف من كل ذلك في التوقيت الراهن، وإنما أيضا يستدعي فتح ملف استقلال السلطة القضائية وتحصينها ضد مظان الغواية والاختراق من جانب السلطة التنفيذية.
أضاف المستشار مكي ان قرار المحكمة الدستورية الذي أبطل مجلس الشعب من دون حاجة إلى إجراء آخر، لا مثل له في تاريخ القضاء المصرى. وهو يفتح الباب لتداعيات سلبية كثيرة، لأن المجلس الذي انتخبه الشعب لا تحلّه المحكمة الدستورية أو أي جـهة قضائية أو تنفــيذية أخرى. وحين تم ذلك في السابق، في عامي 84 و87، فإن حل المجلس تم بعد الاستفتاء على ذلك، بمعنى الشعب الذي انتخب المجـلس هو الذي تم الرجــوع إليه في حله. وقد نص دستور العام 1971 في المادة 136 عــلى أن الحل لا يكون إلا عند الضرورة، ويجب أن يشمل قرار الحل دعوة الناخبين لإجراء انتخابات جديدة لمجلس الشعب في موعد لا يتجاوز ستين يوما، وهو ما لم يحدث.
إزاء ذلك فإن منطوق الحكم حين أعفي المجلس العسكري من اتخاذ أي إجراء لحل المجلس، اكتفاء بما ورد في المنطوق، فإنه ترك الأمر معلقا وقادنا إلى مستقبل مجهول حافل بجميع الاحتمالات والشرور.

(3)

الوضع كله مرتبك من الناحيتين القانونية والسياسية، الأمر الذي يضع مصير الثورة في مهب الريح. فالمؤسسة الشرعية الوحيدة التي تم انتخابها في ظل النظام الجديد (مجلس الشعب) أطاح به حكم الدستورية. وليس معروفا مصير الطعن في طريقة تنفيذه، وهل سيشمل الحل ثلث المجلس فقط، كما قال منطوق الحكم أم أنه سيشمل المجلس كله، كما ذكرت الحيثيات. وفي رأي المستشار طارق البشري فإن المجلس العسكري لا يملك سلطة حل المجلس. كما أنه لا يملك حق إصدار إعلان دستوري مكمل. فضلا على أنه لا يستطيع أن يدعي استرداد سلطة التشريع في غياب مجلس الشعب، لأنه لم يكن أصيلا في ممارسة تلك السلطة، التي انتقلت إلى البرلمان بمجرد انتخابه، وصار هو الطرف الأصيل في الموضوع.
لا أعرف إلى أي مدى ستؤثر نتائج الانتخابات الرئاسية على ذلك الوضع المرتبك (لاحظ أن المقال كتب قبل الإعلان الرسمي للنتائج). لكن هناك عدة أمور جديدة بالملاحظة في هذا الصدد في مقدمتها ما يلي:
ـ إن ثمة علامات استفهام حائرة ومحيرة يثيرها تتابع تلك العواصف قبل 48 ساعة من انتخابات الرئاسة، وقبل نحو أسبوعين من تسليم السلطة للمدنيين، الذي يفرض أن يتم يوم 30 حزيران، بحسب الوعد الذي أعلنه المشير طنطاوي. فإذا كان النظر في قانون العزل مفهوما لتحديد موقف أحد المرشحين قبل التصويت، فليس مفهوما أن يحل مجلس الشعب في الوقت ذاته، بما يرتبه ذلك من ارتباك وفراغ تشريعي.
ـ إن هناك انطباعات متواترة تذهب إلى أن الأمر كان مرتبا من جانب الدولة العميقة التي استثمرت إلى مدى بعيد أخطاء الإخوان ورصيدهم المتراجع، كما استثمرت حالة الضيق بالثورة التي أعربت عنها بعض الدوائر التي تأثرت مصالحها بالمليونيات والاعتصامات والإضرابات.
ـ إن حل مجلس الشعب قبل إجراء الانتخابات الرئاسية استهدف تعزيز موقف المجلس العسكري في مواجهة الرئيس الجديد. فإذا كان الفريق شفيق فإنه سيصبح جزءا متجانسا مع المجلس الحاكم، لن يستطيع أن يقاوم ضعوطه أو يرفض طلباته. أما إذا كان الدكتور مرسي فإنه سيصبح رئيسا ضعيفا. لا يتكئ على أي قوة برلمانية أو سياسية. وإذا سارت الأمور كما يشتهي آخرون، وتم حل جماعة الإخوان والحزب المتفرع عنها، استجابة للدعوى التي يفترض أن ينظرها القضاء اليوم (الثلاثاء) فإن ذلك سيحول الدكتور مرسي في هذه الحالة إلى موظف لدى المجلس العسكري بدرجة رئيس.
ـ إن العصف بالجمعية التأسيسية للدستور بعد حل البرلمان، الذي دعا إليه البعض، سوف يسترضي بقية القوى السياسية الأخرى المعارضة للإخوان، ويمكنها من صياغة الدستور على النحو الذي تشتهيه، من دون أي مقاومة أو إزعاج من جانب ممثلي التيار الإسلامي. ولأن التشكيل الحالي للجمعية ينبغي ألا يتأثر بحل المجلس، على فرض استمراره، باعتبار أن التشكيل كان صحيحا وصدر به قرار من المجلس بحسب الإعلان الدستوري، فضلا على أن الحكم ببطلان المجلس لا يستصحب بطلان ما صدر عنه من أعمال، فالمعلومات المتوافرة تقول إن ثمة التفافا ماكرا يجري لحل الجمعية التأسيسية. ويتمثل ذلك الالتفاف في تكثيف الضغوط على الأعضاء لتوسيع نطاق الانسحاب من الجمعية، بحيث يؤدي ذلك إلى انحلالها بما يجنب اللجوء إلى حلها.

(4)

أهم ما تنبغي أن تلاحظه أن أهداف الثورة ومصيرها ليست واردة في السياق، كما أن القطيعة مع النظام السابق لم تعد مطروحة، لكن المطروح بقوة هو استمرار دور المجلس العسكري واستنساخ النظام القديم مع إدخال بعض التعديلات التجميلية عليه. أما محور الصراع الدائر فلم يكن سوى حصص المتصارعين من السلطة والنفوذ، الأمر الذي يعني أن ملف الثورة جرى تنحيته من على الطاولة. وان الكلام عنها ــ إذا صار ــ فإنه لم يعد يتجاوز صرف تعويضات أسر الشهداء وعلاج المصابين، كأننا بصدد الدخول في مرحلة إزالة آثار الثورة. (لاحظ أن أحد أهم وعود الفريق شفيق إعادة انضباط المرور في القاهرة، الذي أفسدته المليونيات).
المسألة لم تعد نفقا مظلما دخلته الثورة وسط حفاوة نفر من محترفي السياسة والثقافة وأعوان النظام السابق، لكنها نقطة تحول في مسار الربيع العربي كله. وأحسب أنني لست الوحيد الذي تلقى تعليقات الدهشة والقلق التي انتابت أوساط النشطاء العرب حين صدمتهم أخبار الانقلاب الذي حدث في مصر.
ومن المصادفات ذات الدلالة في هذا السياق أنه في اليوم الذي بدأ فيه التصويت بين مرشحي الرئاسة في مصر، أعلن في تونس عن تشكيل حزب جديد لفلول النظام السابق باسم «حركة نداء تونس»، وقد أسسه الباجي قائد السبسي (85 سنة) الذي كان بدوره رئيسا سابقا للوزراء، في حين أطلق النشطاء تظاهرة مضادة له ظلت تهتف: لا رجوع.. لا رجوع لعصابة المخلوع.
سأدع التعليق لك. لكني تلقيت رسالة على هاتفي من صديق تونسي يقول: كنا روادا في الثورة ولا نريد لمصر أن تكون رائدة في انتكاستها. وإذا وضعت هذه الخلفية جنبا إلى جنب مع التزوير الفاضح الذي تم في انتخابات الجزائر التشريعية، الذي باركته الدوائر الغربية، والاضطرابات التي تحدث في ليبيا والقلق المتنامي على ثورة اليمن، فلعلك تتفق معي على أن الربيع العربي تجاوز مرحلة المد ويُراد له أن يدخل في مرحلة الجزر. وهي نبوءة سوداء أتمنى أن تكذبها الأيام.

 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.