العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

تعليق المشانق ليس حلاً

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

بعدما وقعت الواقعة يوم الأحد الدامي الذي تم فيه تفجير الكنيسة البطرسية بالقاهرة، فإن إعلان الغضب صار واجباً، لكن ترشيده واستيعاب عبرة الكارثة صار أوجب.

(1)

ما لقيت أحداً يومذاك إلا وكان سؤاله الأول هو: أين الأمن؟ ذلك أن الجريمة إذا كانت قد صدمت الجميع واستحقّ فاعلوها أن ينصبّ عليهم كل ما في قاموس اللغة من لعنات، فإن الثغرة الأمنية التي مكّنت القتلة من ارتكابها شكّلت صدمة أخرى. فلئن كان مفهوماً أن تكون الكنيسة الواقعة في حرم الكاتدرائية هدفاً لجنون الجماعات الإرهابية، فمن غير المفهوم أن تغفل الأجهزة الأمنية عن ذلك. إذ برغم أن وقائع ما جرى لم تُعرَف بعد بسبب ضيق الوقت، إلا أن المتواتر حتى الآن أن الكنيسة يحرسها شرطيان أو ثلاثة، وأن الداخل إليها لا يتعرّض للتفتيش، الأمر الذي مكّن القتلة من إدخال كمية المتفجرات التي قدرت بنحو 12 كيلوغراماً ووضعها في المكان المخصص لصلوات السيدات. هذه الخلفية تفسّر الهتافات الغاضبة التي ردّدها الشباب القبطي ضد وزارة الداخلية وضد الحكومة ورموزها. بل تفسر أيضاً طرد الشباب للإعلاميين الذين قدموا إلى المكان ومحاولة اعتداء بعضهم على واحدة منهم، إذ اعتبروهم أبواقاً للسلطة الذي استفز أداؤها جماهير الأقباط، حين أدركوا أنها لم تقُم بما عليها في تأمين الكنيسة.

تبدو الملاحظة محيّرة، لأنه في الوقت الذي تواصل الجماعات الإرهابية عملياتها من دون توقف طوال السنوات الثلاث الأخيرة، فإننا نجد أن الأجهزة الأمنية مفتوحة الأعين عن آخرها في التعامل مع النشطاء الذين يُمنعون من السفر وتُصادَر أموالهم وتُداهَم مقارهم وتُراقَب تعليقاتهم على صحفاتهم الإلكترونية فضلاً عن حواراتهم التليفزيونية. ثم إنها مطلقة اليد في التعامل الخشن مع المواطنين العاديين الذين تسوقهم المقادير إلى أقسام الشرطة لأي سبب، ثم يخرج بعضهم منها إلى المشرحة وليس إلى بيوتهم. وهي الحالات التي أصبحت تحتل مكاناً ثابتاً في صفحات الحوادث بالصحف اليومية.

لا أريد أن أقلّل من تضحيات الشرطة أو الأجهزة الأمنية الأخرى، لكننا لا نريد في الوقت ذاته أن يصرفنا حديث التضحيات المقدرة عن الثغرات والانتهاكات المستنكرة، لأن هذه نقرة وتلك نقرة أخرى.

(2)

أجواء الانفعال أفقدت كثيرين توازنهم بحيث تعالت أصواتهم داعية إلى مواجهة العنف بالعنف والإرهاب بالإرهاب. وهي الدعوة التي أطلقها أحد وزراء الداخلية في ثمانينيات القرن الماضي، وثبت فشلها، لأنها صبت الزيت على النار وأفرزت أجيالاً جديدة من الإرهابيين لا تزال سلالتهم قائمة بيننا حتى الآن. مع ذلك فثمة فرق كبير بين أجواء الثمانينيات وبين الأجواء الراهنة. ذلك أن حالة الاستقطاب والتشنّج المجتمعي لم تكن بالصورة التي هي عليها الآن. فالدعوة آنذاك أطلقها الوزير المذكور لم تعبّر عن سياسة الدولة، وإنما كانت مجرد وجهة نظر محدودة الأثر. أما في زماننا الذي تضاعفت فيه جرعات التعبئة الأمر الذى أدّى إلى تعميم الكراهية وتعميق الاستقطاب واتساع دائرة التشنج.

إذ ما إن ذاع خبر التفجير حتى سمعنا أصواتاً دعت إلى تنفيذ أحكام الإعدام المؤجلة، وإحالة جميع الباقين إلى المحاكم العسكرية وتغليظ العقوبات والتوسّع في إجراءات القمع. وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي دعوات طالبت بالحسم الذي يقتضي تنفيذ الإعدامات من دون محاكمة واستئصال «الإرهابيين» ليس بالقضاء على أشخاصهم فحسب، ولكن بقتل أطفالهم أيضاً، حيث ذكر البعض أن أبناءهم بمثابة إرهاب كامن وانتحاريين قادمين. بالتالي فإن الشعار الذي تعلق به الجميع تلخص في كلمات ثلاث هي: المشانق هي الحلّ.

في نظر هؤلاء فإن الأمر لم يكن بحاجة إلى تحقيق أو تحرٍّ، لأن خطاب الشيطنة حسم المسألة من البداية، وحصر الشر في محيط دائرة واحدة لا ثانية لها، ذلك أن التعبئة المستمرة منذ ثلاث سنوات أرجعت كل الشرور إلى مصدر واحد تمثل في جماعة «الإخوان».

(3)

إننا لا نملك ترف الاستسلام للانفعال. وليس أمامنا بديل عن ترشيده من خلال البحث الجادّ في الإجابة عن السؤالين: من فعلها؟ ولماذا؟ في هذا الصدد فإنني أنبّه إلى أن حادث تفجير الكنيسة يمثل تحولاً نوعياً في عمليات الجماعات الإرهابية، ذلك أن العمليات السابقة التي استهدفت الجيش والشرطة وبعض رجال القضاء يمكن تفسيرها بحسبانها عمليات انتقامية شريرة لتصفية حسابات مع النظام والسلطة، أما عملية الكنيسة الأخيرة فهي موجهة ضد المجتمع. ولأن الاستهداف لم يحدث من قبل فقد اعتبرته منعطفاً ربما كان إشارة إلى الاتجاه لتوسيع جبهة المواجهة، بحيث تصيب الضربات فيه حلقات المجتمع التي تشمل المواطنين العاديين. وذلك احتمال إذا صحّ فإنه يمثل نقلة جديرة بالملاحظة والانتباه.

الإجابة عن السؤال مَن فعلها منوط بأجهزة السلطة وتحرياتها التي أرجو ألا تتسرّع فيها وألا يتم تسييسها. وليس لمثلي أن يجيب عنه، لكننا قد نستطيع التعرف على الأطراف التي تبرأت منها وأعلنت أنها لم تفعلها. إذ نلاحظ في هذا الصدد أن «الإخوان» سارعوا إلى إدانة التفجير بعد ساعات من وقوعه. كما أن جماعة «حسم» التي أعلنت مسؤوليتها عن الهجوم على كمين الشرطة في منطقة الهرم، ويُقال إنها قريبة من «الإخوان»، أصدرت بيانات أدانت فيه التفجير واستنكرته، وهو ما فعلته مجموعة أخرى تطلق على نفسها «لواء الثورة»، التي أعلنت مسؤوليتها عن قتل العميد عادل رجائي قائد الفرقة المدرعة بالجيش، وذلك يعني أن الجهة التي تبنّت التفجير ليست معلومة بعد. علماً بأن حادث قتل النائب العام السابق المستشار هشام بركات لم تعرف بعد الجهة التي وقفت وراءه.

إذا صحت هذه المعلومات، فإنها تثير السؤال التالي: هل يكون لتنظيم «داعش» ضلع في تفجير الكنيسة، خصوصاً أن له سوابق في استهداف غير المسلمين في العراق؟

(4)

لست أشك في أن حواراً يجريه المستقلون من أهل الاختصاص والخبراء بوسعه أن يقدّم إجابة أوفى مما عندي على السؤال: لماذا تم استهداف الكنيسة؟ وإلى أن يتم ذلك فإنني أضع بين أيدي الجميع اجتهاداً يشير إلى عوامل عدة في مقدمتها ما يلي:

ـ ارتفاع منسوب العنف في المجتمع المصري، بحيث صار القتل خارج القانون سلوكاً وارداً، تغطيه التبريرات التي تقدمها وسائل الإعلام، وربما سوّغ ذلك للإرهابيين أن يعمدوا إلى التصعيد.

ـ اعتبار الكنيسة طرفاً متحالفاً مع النظام الذي يخاصمونه. وهو انطباع أيّدته قرائن انخراط قيادة الكنيسة في الشأن السياسي على نحو أثار حفيظة بعض الأقباط أنفسهم.

ـ محاولة إرباك النظام وتشتيته باستهداف الحلقات الهشة في المجتمع، الأمر الذي يوسّع من دائرة الصراع، بحيث ينقله إلى المستوى الطائفي الأكثر تعقيداً والأشد خطراً.

ـ انسداد الأفق السياسي مع استمرار الاستقطاب وتعميق الكراهية، الأمر الذي ربما أشاع حالة من اليأس في أوساط الإرهابيين، دفعتهم إلى تصعيد العنف الذي صار خياراً وحيداً متاحاً لهم.

بقيت عندي أربع ملاحظات:

ـ الأولى أني أحذر من التهوين مما جرى أو التهويل من شأنه، فنحن أمام جريمة غير عادية تحمل في طياتها نذر نقلة خطرة في الصراع الدائر. وبالتالي ينبغي تجنّب استسهال توجيه الاتهامات والتعويل على الاعترافات المحررة سلفاً.

ـ الثانية أحذر أيضاً من الانفعال في الخطاب الرسمي والإعلامي. ذلك أن الدولة لا تنتقم ولا تثأر ولا تصفي الحسابات، فذلك مما ينبغي أن يترك للعصابات والقبائل.

ـ الثالثة والأهم إننا حين نطالب رجال الأمن بالقيام بما عليهم فإننا لا ينبغي أن نعفي أهل السياسة وأولي الأمر في المقدمة منهم من القيام بما عليهم. أخصّ بالذكر الحاجة إلى المراجعات التي تستهدف رصد الثغرات السياسية التي أفضت إلى ما وصلنا إليه.

ـ الملاحظة الأخيرة إنني أرجو ألا يفهم مما ذكرت تواً أن أياً من العوامل التي أشرت إليها يبرر الجريمة التي وقعت، وإنما هي من قبيل الاجتهاد في تفسير ما جرى، الأمر الذي لا يتعارض مع واجب ملاحقة الفاعلين وتوقيع أقسى العقوبات التي يقرّرها القانون عليهم.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.