العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الخطف يضرب المجتمع… والخاطفون يزدادون حِرفيةً وإجراماً

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يكاد يتحوَّل الخطف مقابل فدية في لبنان وظيفةَ مَن لا عمل له. تُواصِل عصابات الخطف عملياتها في النهار كما في الليل، من دون أن يَرفّ لها جَفن، ولا أن يُكلّف الخاطفون أنفسَهم عناء التبديل في استراتيجيّات تحرّكهم. فالخطة جاهزة، وهي نفسُها يتناقلونها في ما بينهم نظراً إلى فعاليّتها، وفقَ ما أظهرَته عمليات الخطف المتكرّرة وما سَجّلته القوى الأمنية من تقدّمٍ في كشف الخاطفين. «إلّا أنّ خطة الخاطفين ذاتها باتت أكثر حِرفية مقارنةً بالأعوام السابقة، نتيجة التعديلات التكتيكيّة التي أدخلوها، والتطوّرات التكنولوجية التي استفادوا منها، ما استدعى من الأجهزة الأمنية العمل على أكثر من صعيد»، يقول مصدر أمني لـ «الجمهورية».

 

ست عمليات خطف وقعَت في أقلّ من ثلاثة أشهر: في 29 حزيران الماضي خُطِف السوريّان محمد يحيى واسماعيل نور الدين. في 4 تمّوز خُطف الطفل ريكاردو جعارة. في 13 تمّوز خُطِف مدير بنك «الموارد» محمد أبو جخ. في 18 تموز خُطفت القاصر (ب.غ.)، وفي 29 تمّوز خُطِف المواطن خليل فضّول، وفي 6 آب خُطِف الشاب مارك الحاج موسى.

مَن التالي؟ سؤال يقضّ مضاجع اللبنانيين، بعدما عادت لترتسمَ في مخيّلتهم ظروف الحرب الأهلية وما شهدَته من عمليات خطف. «هل المقصود تخويفنا كي نغادرَ لبنان؟»، يَسأل والد أحد ضحايا الخطف، بعدما عانى مذلّة الغربة وعملَ جاهداً لتحسين ظروف عائلته، ويضيف غاضباً: «هل أن يكون المرء ميسوراً تُهمة؟».

على رغم تراجُع لبنان من المرتبة السادسة عالمياً إلى العاشرة، إلّا أنّه لا يزال يتصدّر قائمة أوّل 10 بلدان شهدَت عمليات خطف مقابل فدية، والتي تشَكّل خطراً على سلامة المواطنين والسيّاح.

فوفقَ تقرير «خريطة المخاطر» لسَنة 2015، الصادر عن مؤسسة Control Risks التي تتخذ من لندن مقرّاً، احتلّ لبنان عام 2013 المرتبة السادسة، وعام 2014 جاء عاشراً، بعد مكسيكو، الهند، باكستان، العراق، نيجيريا، ليبيا، أفغانستان، بنغلادش، والسودان.

هذا التدنّي لا يعكس تراجعاً لدى جَشع العصابات أو انكفاءً، إنّما جاء نتيجة مجموعة عوامل مجتمِعة، على رأسِها الجهود المكثّفة التي تبذلها الأجهزة الأمنية في سَحبِ العصابات من أوكارها، وثانياً نتيجة الأوضاع الأمنية التي تشهدها المناطق الحدودية شمالاً.

كيف يتمّ الخطف؟

دقّة المراقبة وحِرَفية التعقّب تشَكّلان القاعدة الأساسية التي تنطلق منها عصابات الخطف في اختيار ضحيتها. لذا ينصَبّ التركيز في الدرجة الأولى على طبيعة الضحية وتحديداً على عاملَين، أوّلاً المستوى المعيشي وثانياً الفئة العمرية.

فالضحية يجب أن تنتمي أقلّه إلى الطبقة الميسورة أو مِن الأثرياء الجُدد، أمّا طبقة الأثرياء وأصحاب النفوذ فنادراً ما تُثير شهيّة العصابات، تحَسُّباً من تدابير أمنية شخصية ومرافَقة خفية قد تُعرقل الخطف، لذا يتمّ اختيار الضحية عن سابق تصَوّر وتصميم.

في هذه المرحلة قد يلجَأ بعض العصابات إلى وسائل التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي للتأكّد مِن هوية الضحية المرتقَبة، ومِن «السِعر البِتجيبو». كما أنّها قد تستغني عن الحضور المتكرّر في المنطقة عينها إلّا لحظة تنفيذ العملية، منعاً للَفتِ أيّ انتباه أو إثارة الشكوك.

في هذا الإطار، وفي ضوء ضبط العصابات، يلفت مصدر أمني إلى وجود رغبة لدى هؤلاء في اصطياد الأولاد والشباب، قائلاً: «بات للخاطفين قناعة بأنّه كلّما كان عمر الضحية صغيراً، كان التفاوض مع ذويه أسرَع، يمكن استفزازهم خلال ساعات، وبالتالي تحصيل فدية أغلى».

يبقى معرفة اللحظة المناسبة لخطف الضحية، مع الإشارة إلى أنّ العملية ما عادت تنَفَّذ فقط في الليل أو عند الفجر، إذ إنّ وقاحة المنفّذين وثقتَهم الزائدة التي تكوَّنَت لديهم بفعل خِبرتهم في عمليات الخطف، تدفعهم إلى التحرّك على هواهم والاكتفاء بضمان غياب بعض الحواجز الأمنية.

أضِف إلى ذلك، تموُّنَهم بالأسلحة المناسبة، فأحياناً يُهدّدون بها الضحية للانصياع لهم، أو قد يطلقون النار في الهواء مهدّدين كلّ مَن يعترض طريقهم. في هذا السياق، يلفت المصدر الأمني ذاته إلى «أنّ العصابات التي عُرفت بسرقة السيارات وممارسة عمليات النشل بقوّة السلاح، وَجدت في الخطف أموالاً طائلة، فتحوَّلَ بعض المجرمين من السَلب بقوّة السلاح إلى الخطف بقوّة السلاح».

بين الكرّ والفرّ

تتعدَّد الوجهات التي تتّخذها العصابات بعد انقضاضها على فريستها، إلّا أنّ معظمَ أوكارها تدور في فلك البقاع، بريتال، بعلبك، الشراونة، حيث سرعان ما تُعزّز القوى الأمنية انتشارَها، وتبقى على جهوزية تامّة. في هذه المرحلة تبدأ حرب الأعصاب واستنفاذ صبر ذوي المخطوف. فتعمد العصابة إلى عدم مكالمة الأهل في اليوم الأوّل، وقد تزيد إشعالَ غضبِهم وحقنَ نفوسِهم صباح اليوم التالي عبر مكالمة هاتفية، وقد تكتفي بإسماعهم صوتَ المخطوف من دون تحديد قيمة الفدية.

في موازاة ذلك، لا تألو الأجهزة الأمنية جهداً إلّا وتُسَخّره لمعرفة طرَف الخيط. في هذا الإطار يوضح مصدر أمني لـ«الجمهورية»: «الخطف في لبنان جريمة قديمة – جديدة توسَّعت على أبواب الأزمة السوريّة، ومع خطف الإستونيّين. لدى تبَلّغِ الأجهزة الأمنية بأي عملية خطف، ينصَبّ اهتمامها في الدرجة الأولى على تحرير المخطوف من دون أيّ خطر، وإذا أمكنَ من دون دفع فدية.

لكن لدى شعورنا بخطر واحد في المئة على المخطوف، نجد أن لا مفرّ مِن دفع الفدية، فتبدأ المفاوضات وتتكثّف عملية الرصد والمتابعة لحركة الاتّصالات في الدرجة الأولى، وتتمّ الاستعانة بمُخبرين يترصّدون أفراداً مشكوكاً في أمرهم وأصحاب سوابق حتى الوصول إلى طرَف الخيط».

وفي ضوء عمليات الخطف المتلاحقة في الفترة الأخيرة، يقول المصدر: «ملاحقات الأجهزة الأمنية لعصابات الخطف دائمة ومستمرّة، وفي الفترة الأخيرة لمسنا احترافاً لدى الخاطفين، وباتت العصابات منظّمة أكثر، نتيجة الخبرة والتمويل الذي حصَّلته جرّاء مبالغ الفدية، ممّا أتاحَ لها التحرّك على نحو أوسَع، ودفَعَنا بالتالي إلى التحرّك على نحو أسرع».

ويُضيف: «نتيجة الملاحقات، سَجّلت القوى الأمنية نتائجَ لا يُستهان بها على مستوى ضبط أفراد هذه الشبكات، ومنعِ مسلسل الخطف من التمادي بوتيرة أسرع ممّا نَشهده».

أمّا عن الظروف التي تَحول مرّات دون استرجاع الفدية، فيلفت المصدر إلى «أنّه أحياناً قد تنجَح عملية الاسترجاع، ومرّات يصعب ذلك، لا شكّ في أنّ عامل الوقت وسرعة الملاحقة والإيقاع بأفراد العصابة، عوامل تؤثّر على النتيجة، لكن عدم استرجاع الفدية لا يعني تركَ العصابة تسرَح وتمرَح، فهؤلاء باتوا معروفين ونتحيَّن التوقيتَ المناسب للإمساك بهم. المسألة تحتاج إلى وقت، وعاجلاً أو آجلاً سيتمّ ضبط الخاطفين، بفضل الملاحقة الدؤوبة والتخطيط والتوقيفات التي تجريها الأجهزة الأمنية».

الإفراج لا يُنهي الخطف…

على رغم إطلاق سراح المخطوف بعد مفاوضات دؤوبة واتّفاق على قيمة الفدية، إلّا أنّ تداعيات الخطف لا تنتهي بالإفراج عن الضحية. وتوضِح المعالجة النفسية جويل فغالي كماد «أنّ التداعيات تكون بحجم ظروف الخطف ونوعية الوقت الذي أمضاه الرهينة مع الخاطفين، وبمقدار ما تكون فترة الاحتجاز مؤلمة وطويلة… تتّسع النتائج السلبية».

وتُفَنّد كماد العوارضَ الناتجة عن الخطف قائلةً: «يولد عند الشخص ما يُسَمّى Nevrose traumatique التي تشبه نوعاً محدّداً من التعصيب يتجلّى على المستوى النفسي والجسدي.

على الصعيد النفسي قد تعود الصوَر إلى مخيّلة الضحية، عبر كابوس خلال النوم، وشعور بالتوتّر والخوف من إعادة خطفه في يقظته. كذلك يلجَأ إلى حركات حماية ذاتية auto protection، وقد يتحوّل شخصاً عنيفاً، ينفر من المحيطين به، حتى أهله والمقرّبين منه. ومَن لا يزال على مقاعد الدراسة قد يعاني من نقصٍ في التركيز، وتبَوُّل لا إرادي، و«تأتأة»، يرافقه شعور بالإحباط، واضطرابات سلوكية، وينمو في داخله كرهٌ للدين وللمحيط وللوطن».

وعلى الصعيد الجسدي – الصحّي، قد يصاب المخطوف بعد تحرُّرِه بالسكّري، نتيجة حجمِ الخوف ورؤيته للموت في عيونه، بالإضافة إلى مشاكل في
التنفّس.

أمّا بالنسبة إلى أساليب العلاج، فتعتبِر كماد أنّ للإعلام دوراً مهمّاً في التخفيف من تداعيات تلك المرحلة العصيبة، قائلةً: «في فترة الخطف، لا سيّما إذا كان المخطوف يتابع التلفاز ويَستمع إلى الأخبار، سيَطمئنّ لمجرّد معرفته أنّ هناك من يسأل عنه ويهتمّ لأمره. وهذا الشعور قد يترك في داخله وقعاً إيجابياً».

وتضيف: «تكمن أهمّية العلاج في توجيه الضحية إلى أختصاصيّين ومعالج نفسي ليعالج بطريقة علمية تُخَفّف من جروحه النفسية وتُعيد إليه الثقة بنفسه»، متمنّيةً لو «يُخَصِّص لبنان خليّة للتدخّل كما في البلدان الأجنبية، تقف إلى جانب الفرد وتساعده لتخَطّي حالتِه، لأنّ المحرَّر قد ينفر حتى من محيطه وعائلته، فلا بدّ مِن معالجة دقيقة تعيد إليه بناءَ ما تصَدّع من مفاهيم لتخرجَه من إطار الضحية إلى إنسان صاحب قرار».

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.