العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

غسان تويني.. لون الحبر أحمر

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لم يعد ممكناً البقاء أكثر من ذلك.. وقت الجسد انتهى.

بل هو ممكن أكثر من ذلك.. وقت «الكلمة» لا ينتهي. الكلمة التي يطبعها الزمن، لا يقوى عليها التراب. ولقد قيل فقط: «في البدء كان الكلمة» على لسان «يوحنا الحبيب»، ولم يخبرنا أحد متى نهاية «الكلمة».

إعلان Zone 4

وقت الجسد انتهى، إنما لا يقال لغسان تويني: «أنت تراب وإلى التراب تعود»… هذا خطأ فادح. غلط بحدود الاغتيال… لا يقوى التراب إلا على شبيهه، لا يقوى على الكلمة، فهي بدء لا ينتهي إذا اختصت بالحرية، إذا كان ثمنها الخطر، إذا كانت كلفتها السجن، إذا كانت جائزتها الاغتيال… فهي وحدها في منتهاها استعادة للبدايات. الكلمة المصبوغة بالحبر، لونها أحمر.

لا يقال لغسان تويني: «أنت تراب وإلى التراب تعود»؟ وقت الجسد انتهى ولما ينته وقت الكلمة. «نهاره» يصيح كل صباح. ألا ترى الشمس التي مضت إلى شروقها في الخمسينيات، تطلع وتسطع ولا تنام. شمس «النهار» لا ليل لها. تصيح كل صباح: «حيّ على خير الكلام».

شمس «النهار» منذ ذاك، لم تكن تهجع. في الستينيات والسبعينيات، شمس «غسان» كانت تخيف مرتكبي الأقبية وحكم «العسكر» وجلاوزة السياسة.

لا يقال لغسان، على مذبح الوداع وفي لحظة الصلاة عليه: «أنت تراب». لم يعط لأحد ان يدفن غسان تويني. هو في لبنان أحد بقائه. هو في لبنان، أحد شهدائه وأبو شهدائه. هو في الصحافة، شهادة، وشهادته كلمة في وضح «النهار»، سجون «تكفيرا» عن حرية، وثمنا لفضحه السياسة عندما تصير زعبرة… هو في لبنان أحد أعمدة الكلمة بتمام جرأتها وخطرها ونزقها واحترافها.. وما لها وما عليها وما عندها وما عند غيرها.

لم يعط لأحد أن يحذف من تاريخ هذا البلد التاعس والبائس، كباره الذين أرادوا لبنانهم على قياس أحلامهم. خابوا وما خانوا. خسروا ولم يخسأوا. كانوا فلسطينيين أحياناً أكثر. كانوا قوميين أكثر. كانوا تقدميين وأكثر… وكانوا لبنانيين بلا غبار على هويتهم.

لا يموت ذلك الزمن، ولا يهال عليه تراب. أجمل ما في هذا الزمن التالف، الاحتفاء بزمن الاحلام والخيبات… ذلك زمن جميل، دفع فيه غسان، ومن معه، ومن ضده، ومن عليه، لواء الكلمة الحرة، الحداثة المحيية، الثقافة المنفتحة، العلمانية الودودة.

لا يموت زمن ولا يهال عليه تراب، عندما كان ذلك الزمن، زمن الإبداع، صحافة وفكراً وفناً وشعرا… قوافل مرت من هناك مع غسان: فؤاد سليمان، محمد يوسف حمود، ميشال أبو جوده، لويس الحاج، سعيد تقي الدين، أنسي الحاج، شوقي أبو شقرا، عصام محفوظ، سمير نصري، وآخرون وآخرون، تعدادهم لا يحصى وأسماؤهم لا تنسى، وتركوا آثاراً لا تمحى.

لا رثاء يليق بغسان. هذا وقت احتفاء به. وقت إضاءة على رجل، شغله الشاغل، ان يشغل الناس بالقراءة. يومها، كانت الأحزاب والتيارات تعمل وفق منطقها، وكانت «النهار» حزب اللبنانيين. المنتسبون اليها طوعاً وبحرية هم قراؤها. لا تملي عليهم، بل تنشغل بهم وتشغلهم بها.

لم يكن غسان وسطيا، برغم «الوسط» الذي اختاره. عندما ينحاز، يصير قلمه سيفاً. وقلما كان على الحياد. ولما عصفت الحرب بالبلاد، صارت «النهار» تعبيراً عن الحيرة والمأساة.

ما كان غسان طارئاً على الصحافة، كغيره من أصحاب الصحف ورؤساء تحريرها. زمننا اليوم، قليل ميراثه الصحافة. جاءها من المال، او من المال… وبعض الميليشيات. غسان، واحد من أبناء المهنة البواسل، حتى لحظة اغتيال جبران… قال وصدق «النهار باقية».

كان غسان سياسياً، لكنه كان دائما صحافيا.

كان غسان أورثوذكسياً، لكنه كان دائما علمانيا.

كان غسان لبنانيا، لكنه لم يكن طائفياً… الخ.

كان غسان… وسنظل نقول كان غسّان، ونغرف من «متاعب مهنته» ما يساعدنا على تحمل متاعب الأمة والوطن.

لمثل هذا الرجل لا يقال: أنت من التراب وإلى التراب تعود.

الأجدى أن يودَّع بصلاة تنتهي: «فليكن ذكره مؤبداً».

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.