العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

بوليفار فنزويللي وتومان إيراني على طاولة بعبدا

كان مسدس “حزب الله” على الطاولة في حوار العام 2006. هذه المرة ليس السلاح على الطاولة، بل البنزين الإيراني.

 

للحوار المرتقب بعد أيام في قصر بعبدا أجندة محدّدة، هي “الاستراتيجية الدفاعية الاقتصادية” التي يطرحها “حزب الله”، وملخّصها تبنّي النموذج الفنزويلي – السوري في مواجهة العقوبات الأميركية، والمتمثّل بشراء المشتقات النفطية والأدوية من إيران؛ لكن مقابل ماذا؟ هنا مكمن القصة.

 

في خطابه الأخير، طرح الأمين العام لـ “حزب الله” السيد حسن نصر الله عنواناً مركزياً للبرنامج الاقتصادي في مواجهة “قانون قيصر”، هو الاستغناء عن الدولار، والبحث عن دول تقبل الدفع بالليرة اللبنانية، أو التحوّل إلى نظام المقايضات.

“حزب الله” يريد تبنّي النموذج الفنزويلي – السوري في مواجهة العقوبات والمتمثّل بشراء المشتقات النفطية والأدوية من إيران

الكلام، من حيث العنوان، لا يصلح مادة لبدء نقاش اقتصادي، لأنه يجافي أبسط مفاهيم التجارة الدولية. فمن ذا الذي يقبل باعتماد بنكي بالليرة اللبنانية؟ لكنه في العمق ليس مزحة، بل إنه يكشف أبعاد استراتيجية “حزب الله” لمواجهة أكبر تحدٍّ يواجهه منذ الثمانينات، في ظلّ عقوبات تبدو وكأنها موجّهة إليه وإلى أذرع إيران في سوريا ومحيطها، أكثر مما هي موجّهة إلى النظام السوري الذي لا يزال حتى الساعة قابلاً للمساومة.

 

فلنتجاوز بدائية التعابير التي استخدمها نصر الله، ربما لأنه كان يرتجل في شأن ليس ضليعاً فيه، ولنناقش جوهر فكرة “الاستغناء” عن الدولار في ظلّ العقوبات الأميركية. لدى الرجل وحزبه قرار واضح بأن تخوض البلاد غمار المواجهة مع الأميركيين إلى جانب إيران والنظام السوري، وأن تتحمّل العواقب المالية والاقتصادية لذلك، إلى أن يُنتج التفاوض الإيراني – الأميركي صفقة جزئية أو كبرى.

 

يصل الأمر بـ”حزب الله” أن يهدّد بابتداء الحرب مع “إسرائيل”، وهذا مغزى قول نصر الله في خطابه الأخير: “لن نجوع، وسنقتلكم”. وثمة توضيحات أكثر لموقف الحزب تتردّد في مقالات العديد من الكتّاب القريبين من أجوائه. راجع مثلا مقالة قاسم قصير في “أساس” يوم الجمعة الفائت، الذي يتحدّث عن استعداد الحزب لحرب شاملة أو لمعركة أمنية.

 

ويذهب إيليا ج. مغناير، وهو “اسم” لكاتب لبناني يعبّر عن موقف “حزب الله”، يذهب أبعد من ذلك في مقال بجريدة “الرأي” الكويتية، إذ يرسم سيناريوات محدّدة لكيفية التصعيد، منها القيام بعملية في مزارع شبعا أو في القرى السبع، التي تقع في المقلب الآخر من الخط الأزرق.

محور إيران يهدّد بالحرب انطلاقاً من لبنان لاستدراج صفقة جزئية أو كبرى مع الأميركيين

ويقول مغناير إنّ البديل عن التصعيد العسكري، هو تصعيد اقتصادي من خلال قبول العرض الإيراني لتزويد لبنان بالمشتقات النفطية والأدوية. بل إن الحزب “إذا تمّ دفعه إلى الزاوية، يمكن أن يحصل على الدعم الإيراني من الوقود والأدوية، متجاهلا موافقة الحكومة – أو الرفض – وبيعه في لبنان بسعر أرخص من سعر السوق”.

 

كلّ هذه الأوراق يطرحها محور إيران على سبيل الضغط على الأميركيين بافتراض أنهم يريدون تجنّب حرب كبرى في المنطقة في سنة الانتخابات وفي ظلّ التحدّيات الداخلية التي تواجه إدارة دونالد ترمب، على أمل دفعهم إلى “تسوية روسية – أميركية حول الوضع في سوريا، أو تسوية أميركية – إيرانية حول كلّ الأوضاع في المنطقة، إضافة لعدم زيادة الضغوط الأميركية إلى الحدّ الاقصى، والتوصّل إلى حلول ومعالجات للأوضاع الاقتصادية والمالية في لبنان بما يمنع الانهيار الكامل”، على حدّ تعبير الحزب. وترجمة ذلك أن تعطي واشنطن الضوء الأخضر لحصول لبنان على قرض من صندوق النقد الدولي لا يحلّ الأزمة، ولكنه يتيح تأخير الانهيار الكامل الذي سيدفع “حزب الله” ثمنه مثل غيره.

طهران نفسها لم تفلح في الاستغناء عن الدولار في التبادلات مع الاتحاد الأوروبي من خلال آلية INSTEX

لا يمكن فهم الدعوة إلى “طاولة الحوار” في قصر بعبدا إلا في هذا السياق. ولا غرابة في أن رئيس مجلس النواب نبيه بري اشترك في الدعوة إليها، وفي إقناع بعض الشخصيات بالمشاركة، وتجاوز الخصومة مع رئيس الجمهورية ميشال عون. إنها نسخة العام 2020 من حوار “الاستراتيجية الدفاعية”، الذي انتهى بحرب تموز 2006، وحوار بعبدا في 2012 الذي أُعلن “الناي بالنفس” عن الحرب السورية، قبل أن يرمي الحزب ذلك الإعلان في سلّة المهملات، ويذهب إلى الانخراط الكامل في الحرب، انطلاقاً من القُصَير.

 

في نسخة 2020، تسلّم القوى السياسية بأنها غير ذات اختصاص للإدلاء بالرأي في موضوعي طاولتي الحوار السابقتين. فالمطلوب منها الآن، حصراً، البحث في “الاستراتيجية الدفاعية الاقتصادية” في مواجهة العقوبات الأميركية، وسينتهي الأمر كما انتهى في المرتين السابقتين بأن يقرّر “حزب الله” وحده، وليتحمّل اللبنانيون النتائج.

 

وإذا لم يكن بوسع اللبنانيين أن يقرّروا شيئاً، فأقل الإيمان أن يعرفوا آخر الطريق الذي يأخذهم إليه الحزب. هل يمكن للبنان أن يخوض مواجهة الاستغناء عن الدولار، على نحو ما جرّبت إيران قبل الاتفاق النووي وبعد تمزيقه، وعلى نحو ما خَبِرَتْه سوريا منذ العام 2012، وعلى نحو ما تشهده فنزويلا في ظلّ العقوبات؟

طهران بادلت النفط بالذهب مع فنزويلا وبالأراضي والأملاك الحكومية في الحالة السورية… فماذا ستطلب من لبنان؟

يجب الإدراك أن طهران نفسها لم تحقّق أيّ نجاح يذكر في محاولات الالتفاف على العقوبات الأميركية، والاستغناء عن الدولار في التبادلات مع الاتحاد الأوروبي من خلال “آلية دعم التبادلات التجارية” المسمّاة INSTEX، والتي تمّ الاتفاق عليها بعد خروج واشنطن من الاتفاق النووي. إذ ما زالت الشركات الأوروبية تحاذر الخوض في أية تعاملات تغضب واشنطن. فإذا كان هذا الحال مع دولة تمتلك النفط والغاز، ولديها سوق تزيد على ثمانين مليون نسمة، تشكّل مطمعا للأوروبيين، فكيف الحال ببلد صغير كلبنان، لا تزيد صادراته كلها على ثلاثة مليارات دولار؟

 

على أن ما تطرحه إيران، عبر “حزب الله”، هو تبنّي النموذج الفنزويلي السوري في مواجهة العقوبات الأميركية، والمتمثّل بالحصول على المشتقات النفطية من إيران، بمقابلٍ على اللبنانيين أن يفهموه جيداً، وأن يفهموا عواقبه.

 

لم تقبل طهران من قبل الدفع بالليرة السورية ولا بالبوليفار الفنزويلي، بل بادلت النفط بالذهب في الحالة الفنزويلية، وبالأراضي والأملاك الحكومية في الحالة السورية، وهو ما يؤكده تصريح للمستشار في وزارة الاقتصاد الإيرانية، ميثم صادقي، في حديث إلى جريدة «الأخبار» بتاريخ 11 نيسان 2019، قال فيه إن “الاتفاق حول خط الائتمان الأخير (بين إيران وسوريا) كان ينصّ على أن سداد النفقات يكون عبر استثمارات إيرانية على الأراضي السورية، وهذا الأمر قد بدأ فعلاً”. وأتي ذلك التصريح بعد أيام من إعلان رئيس الوزراء السوري السابق عماد خميس عن توقف خط الائتمان بين البلدين من دون إبداء الأسباب.

 

القبض بالليرة اللبنانية غير وارد إذا، وليس متوقّعاً أن تطلب إيران فائض التفاح اللبناني مقابل المشتقات النفطية، فما الذي تطلبه إذا؟

 

أياً يكن، فإنّ حصيلة المواجهة معروفة لمن يريد أخذ العبر. في مثل هذه الأيام من العام الماضي، كان سعر صرف الدولار في كاراكاس، عاصمة فنزويلا، قريباً من 5000 بوليفار، أي تماماً كسعر صرفه في السوق السوداء ببيروت اليوم. اليوم، في ظلّ العقوبات، وبعد وصول الناقلات الإيرانية، يفوق سعر الدولار 200 ألف بوليفار، بل يقارب 250 ألفاً على بعض المواقع التي تراقب أسعار الصرف غير الرسمية.

 

وإيران نفسها التي تريد أن تعرض العون، ليست عملتها في حال أفضل، فالدولار في طهران تجاوز 190 ألف ريال، أو 19 ألف تومان. (التومان يعادل 10 ريالات). تلك هي العملة الصعبة التي يريد حوار بعبدا أن يخوض بها البحر، على الطريق إلى كاراكاس.

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.