العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

ما الفرق بين السارق العاديّ والسارق السياسيّ الممتاز؟

أرسل إليَّ صديقٌ عزيزٌ للغاية قصاصةً مطبوعة، منسوبة عباراتُها – تلفيقًا – إلى الأديب الفرنسيّ فولتير، تعريبُها هو الآتي: السارق العاديّ (!) هو الذي يسرق مالكَ، محفظتكَ، درّاجتكَ، وشمسيّتكَ. السارق السياسيّ (الممتاز!) هو الذي يسرق مستقبلكَ، أحلامكَ، علمكَ (معرفتكَ)، راتبكَ، تربيتكَ (تعليمكَ)، صحّتكَ، قوّتكَ، وابتسامتكَ. يكمن الفرق الكبير بين هذين النوعَين من السرّاق، في أنّ السارق “العاديّ” يختاركَ ليسرق مقتنياتكَ، في حين أنّكَ أنتَ الذي تختار السارق السياسيّ ليسرقكَ (ما يعني أنّه سارقٌ “ممتاز”). أمّا الفرق الكبير الثاني الذي لا يُستهان به، فهو أنّ الشرطة تقبض على السارق العاديّ، في حين أن السارق السياسيّ تحميه – في الغالب الأعمّ من الأحيان – حاشيةٌ من رجال الشرطة.

 

هنا ينتهي النص الذي لا يغيِّر في شيء، كونه لا يحمل توقيع فولتير. بالأحرى، يزيد من أهمّيّته، ومن دلالته، ومن جدواه، أنْ يكون واضعه “إكس” من الكتّاب، أو كاتبًا لبنانيًّا بالفرنسيّة. ويا ليته حمل توقيعًا لبنانيًّا، معلومًا أو مجهولًا، من دون التواري خلف شهرة فولتير، بهدف إكساب النصّ صدقيّةً استثنائيّة.rn

 

الإناء ينضح بما فيه. وها هو إناء السياسة اللبنانيّة، وإناء الغالبيّة العظمى من السياسيّين اللبنانيّين، لا ينضح إلّا سرقةً ونهبًا وفسادًا وإفسادًا وإفقارًا وإذلالًا واحتقارًا للناس، وأقصد اللبنانيّين هنا، الذين هم يختارون سارقيهم. وهم يختارونهم (أسوق الكلام بدون تعميم) لا عن جهلٍ، بل عن غباءٍ وسذاجةٍ، مقرونَين في الغالب الأعمّ من الأحوال، بوعيٍ متكاملٍ، وبسابق تصوّرٍ وتصميم.rn

 

لا بدّ، والحال هذه، من أنْ يكون كاتب هذا النص واحدًا من ملايين اللبنانيّين الذين فُجِعوا بممارسة السياسة على الطريقة اللبنانيّة، وقد بلغت فجيعتهم مبلغها الأقصى في هذا الزمن الذي يمثّل سرقةً موصوفةً، لا لأموال الناس فحسب، بل لأعمارهم وأحلامهم وهناءات عيشهم وكراماتهم.rn

 

مؤلمٌ هذا الوصف التحليليّ “غير الفولتيريّ”، لفرط صحّته، ولفرط انطباقه على الواقع اللبنانيّ، وعلى واقع اللبنانيّين، ومن الجهتَين، أكانوا من جهة الناخبين أم من جهة المنتخَبين، أكانوا أناسًا عاديّين أم سياسيّين. rn

 

لكنْ، هل يكفي أنْ نستخلص المعنى المنشود والمقصود من القصاصة التي أرسلها إليَّ الصديق اللبنانيّ، محصَّنين بنسبتها إلى الكاتب الثوريّ الفرنسيّ المشهور؟ هل يكفي أنْ نقول: لقد وجدنا المعنى، وكشفنا عن الدلالة، وعثرنا على المغزى؟ وهل يجب أنْ يكون ردّ الفعل، على هذه الحقيقة الصادمة، ردَّ فعلٍ فحسب، وليس فعلًا؟ وهل يكفي أنْ نحتجّ، وننتقد، ونفضح، ونرفض، ونثور، و… نتّهم السياسيّين بأنّهم سرّاق، وبأنّهم يحتقروننا، ويذلّوننا، ثمّ نعود إلى بيوتنا، وأشغالنا، وحياتنا العاديّة، كما لو أنّنا قد أدّينا قسطنا إلى العلى؟ أكثر من ذلك: هل نعي ذلك كلّه، ثمّ نعود، مرّةً، تلو مرّةٍ، تلو مرّة، إلى “اختيار” سارقينا، لا عن جهلٍ بل بغباءٍ وسذاجةٍ، أم يجب أنْ ننتقل إلى “الخطّة باء”، التي تستلزم منّا بلورة القوّة العملانيّة والتنظيميّة القادرة على الوقوف في وجه السرقة الوطنيّة الموصوفة، واقتراح المنهج والأسلوب وخطّة العمل، لشلّ أيدي السرّاق شلًّا نهائيًّا مطلقًا، وإعادة المسروقات إلى أصحابها الشرعيّين؟rn

 

عندنا بين نسائنا ورجالنا، بين شابّاتنا وشبّاننا، مئة شخص من طراز فولتير، بل ألف، بل أكثر. وعليه، يجب إيجاد الجسد – الجسم التنظيميّ، واستخلاص المنهج، والأسلوب، وخطّة العمل، التي تزجّ بالسرّاق في السجون، بعد محاكماتٍ عادلة، فنكون بذلك قد خطونا الخطوة الأولى التي لا مفرّ منها، لتغيير السلطة، بل لإسقاط هذه السلطة، بما يتيح تغيير الطبقة السياسيّة، وإعادة إنتاجها، وبما يؤذن بقيام الجمهوريّة اللبنانيّة الحقيقيّة في مناسبة الذكرى المئويّة لإعلان “دولة لبنان الكبير”.rn

 

إذا كان من معنى، من دلالة، ومن جدوى، للكلام المنسوب تلفيقًا إلى فولتير، فهو هذا المعنى، وهذه الدلالة، وهذه الجدوى. rn

 

فلنضع حدًّا على الفور لفجيعة “اختيارنا” لسرّاقنا السياسيّين، الذين نختارهم لا عن جهلٍ، بل بغباءٍ وسذاجة، وبوعيٍ كاملٍ، وبسابق تصوّرٍ وتصميم. فلنُسقِط هؤلاء، وإلّا يكون احتجاجنا كلّه مجرّد طقّ حنك. وعلى الدنيا السلام!

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.