العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

عام على انفجار بيروت: العدالة ممنوعة وحفرة الحزن لم تردم بعد

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

مرت سنة.لم تعلن نتائج التحقيق ولم يحاكم مسؤول واحد، وأهل الضحايا والناجون عالقون بذكرى لحظة العصف المرعب والغبار الأحمر الذي قوّض حياتهم إلى الأبد.

وكأن بيروت مدينة ناجية.

نجت من الحرب الأهلية (1975-1990)، ومن الاجتياح الإسرائيلي (1982)، ومن أزمات واغتيالات ومعارك.

إعلان Zone 4

لكن ما زلزل بيروت وأهلها في 4 آب/ أغسطس 2020 كان أمراً لم يسبق للمدينة أن اختبرته وهي حتماً لا تزال تئن تحت وطأته، فالهواء الحارق الذي اندفع من نيترات الأمونيوم المخزنة في المرفأ طار مسافات هائلة وجرف كل شيء، وآثاره لا تزال محفورة بقسوة.

مرت سنة ولم يتم التوافق رسمياً على العدد النهائي للضحايا، ولم يحسم عددهم وهويتهم، فهل هم 214 أم 218؟

ليس من سلطة تسأل عمن علمت باحتمال موتهم بسبب تخزين متفجرات بين منازلهم ولم تفعل شيئاً حتى أبيدوا تحت أنقاض المرفأ. بعض الجرحى الـ8 الآف لا يزال في المستشفيات حتى الآن، والـ300 ألف مسكن ومبنى الذين هدموا لا تزال تكابد لإعادة ترميمها.

مرت سنة.

لم ينجُ أحد من الجريمة لكن الأخطر: لم يحاسب أحد.

الحزن والألم والغضب في بيروت، لا تزال حاضرة بقوة. كثر ممن ماتوا كانوا ببساطة يحاولون العيش. البعض مات في مكان عمله، آخرون في السيارات، في المطاعم، على الطريق، في المنزل. أطفال ومراهقون قتلوا وهم في غرف نومهم.

مرت سنة، وُصمت خلالها الحياة في بيروت بأنها ثقيلة مرهقة حافلة بالإهانة اليومية. لقد قالها مرة الرئيس ميشال عون، البلد يتجه الى الجحيم، وتبين فعلاً أن الجحيم حفرة لا نهاية لها. فمع كل أزمة جديدة يعيشها اللبنانيون سواء أزمة تهاوي الليرة أو نقص الدواء أو الفيول، يتكشف مستوى أعمق من البؤس.

فالانفجار ليس من الماضي، هو جزء من الحاضر، جرح ينزف لم يندمل.

لم يكن 4 آب يوماً مأساوياً فحسب، بل جريمة مستمرة.

مرت سنة.

لم تعلن نتائج التحقيق ولم يحاكم مسؤول واحد، وأهل الضحايا والناجون عالقون بذكرى لحظة العصف المرعب والغبار الأحمر الذي قوّض حياتهم إلى الأبد.

مسار العدالة اصطدم في الأشهر التي أعقبت الانفجار بتدخلات سياسية وطائفية، ورُفع شعار “الحصانات” في وجه أي محاسبة لأي رئيس أو وزير أو نائب أو مسؤول أمني أو زعيم حزبي من الذين ثبت أنهم كانوا على علم بشحنة نيترات الأمونيوم، التي كانت مخزنة في مرفأ بيروت منذ عام 2013 قبل أن يتسبب حريق بانفجارها، ولم يحركوا ساكناً.

وجد أهالي الضحايا أنفسهم في وجه عدالة ممنوعة.

النجاة الثانية 
في شارع شعبي مزدحم في منطقة الملعب البلدي في بيروت، وأمام مبنى صغير بسيط تقف سيارة مهملة مغطاة بقماش اسود. السيارة تعود لأحمد القعدان (30 سنة) وكان يعمل عليها بالأجرة وقتل بها في انفجار مرفأ بيروت. ترفض العائلة إزاحة الغطاء عن السيارة أو حتى تحريكها. 

عمل أحمد طويلاً ليجمع ثمنها ويقسّط قسماً منه، لكنه انتهى ضحية في داخلها. تنظر هيام البقاعي والدة أحمد الى السيارة ودموعها تغالبها، “هيدا شقا إبني، هيدا شغلو لأحمد. حط دم قلبه حتى اشترى هالسيارة، كان يساعد أبوه ويجمع مصاري لحتى اشترى هالسيارة. راتبه كان نصه إله ونصه للقرض ويعطي أبوه مصروف”. 

يطغى الحداد على منزل عائلة القعدان وكأن الجريمة حصلت بالأمس، “ما في يوم بيمرق إلا دموعي على وجهي، حرموني ابني اللي ربيتوا بدموع عيوني علمتو متل ما بقولوا بالقلة والذلة لصار شب… قتلولي ياه بقلب سيارتو شو عم يعمل؟ كان عم يشتغل”، تقول أمه باكيةً.

في يوم 4 آب اتصل أحمد بوالدته طالباً منها أن تطهو له طعاماً من دون لحوم، فالبلاد تعيش ضائقة اقتصادية ولم يكن يريد أن يثقل عليها، فطلب منها طبقاً بالعدس “مدردرة”. كانت هيام القعدان تقف على الغاز تعد الطعام لابنها الوحيد حين دوى الصوت وهزها عصف الانفجار: ” لما طلع الانفجار سمعت الصوت حسيت شي كتير غريب، حسيت قلبي طلع مني”. 

بالكاد تتوقف هيام عن البكاء والأنين. أشهر مرّت وألمها ما زال كما في لحظاته الأولى. تعيش هي وزوجها ابراهيم ومعهما بناتهما الثلاث في بيتهم البسيط يكابدون ضائقة تثقل حياتهم، لكن موت أحمد المفجع كان ضربة لم تقم العائلة منها.

تروي هيام أن ابنها عانى من الأزمة المالية وفقد وظيفته في مطلع عام 2020، وبقي أشهراً بلا عمل إلى أن قرر شراء سيارة أجرة تمهيداً للهجرة.

“أحمد كان بدو يهاجر وقبلوا الطلب واجت الموافقة يسافر على كندا… لكن سافر على دنيا ما رجع منها، ما رح يرجع منها”. 

الانفجار لحظة لا تفارق من عاشها، والأصعب تقبل خسارة الأحبة. كان ابراهيم يمازح ابنه بأن عليه أن يدفنه مع العائلة في مقابر “الشهداء” في بيروت. 

يصعب على الأهل دفن أبنائهم، “يعني بتتمني تكوني محلو وما تتذكري انه هو بالقبر لأنه أنا كنت قايله دير بالك ما تخلي حدا يدفني خارج مقبرة الشهدا. قلي ايه خلص أنا بدفنك حد جدي… ذكرته فيها بالاسعاف لما أخدته وقلتلو ما على أساس بدك تدفني صرت أنا بدي ادفنك!”، يقول ابراهيم والد أحمد بابتسامة حزينة، ويتابع “نحنا طلع عنا انفجار هز العالم كله وما انهزت الدولة ولا سألت عنا ولا واحد اتصل وقال العوض بسلامتكم كأنه ما حدا مات”.

مرارة كبرى يعيشها أهل الضحايا والناجون، فهم منذ لحظة الجريمة شرعوا يشاركون في مسيرات شهرية للمطالبة بمحاسبة المرتكبين.

بدا واضحاً أن مسار التحقيق مطوق بتدخلات وحسابات سياسية وطائفية.

تقول هيام والدة أحمد التي تشارك في كل الاحتجاجات بحرقة، “هيدول المجرمين كانوا بيعرفوا انه في تفجير بالمرفأ ليه سكتوا ليش عملو هيك؟”. 

“كلن كانوا بيعرفوا انه في نيترات أمونيوم موجودة بالمرفأ. مين اللي فوتها ومين اللي سكت عنها ومين اللي فجرها؟ ليش ساكتين؟ نحنا بدنا تحقيق العدل مش أكثر. بس عنا كأنه تحقيق العدل عاجزين انهم يعملوا”.

تأثيرات لا تنتهي
المناطق التي دمرتها الانفجارات والأحداث التي شهدتها بيروت منذ سنوات هائلة وآخرها انفجار المرفأ، تم ترميم جزء منها بمساهمات من منظمات غير حكومية ومبادرات الخاصة، وليس بفضل الدولة الغائبة. لكن أبنية كثيرة تبدو وكأنها دمرت بالأمس. 

التأثير الأكثر عمقاً لما حدث غالباً ما يكون غير مرئي.

من على شرفة منزله في الطبقة الخامسة في حي رباط في مار مخايل والمواجه تماماً لمرفأ بيروت يمضي ليون قره بيديان (62 سنة) ساعات بعد الظهر متأملاً المبنى المقابل لمنزله والذي بات شبه خال من السكان بعد إعادة ترميمه.

ليون نجا بأعجوبة من انفجار المرفأ. تحطم منزله الذي يعيش فيه منذ تزوج قبل نحو 35 سنة. جرحت ساقه في الانفجار، لكن الأفظع كان حين هرع إلى المبنى المقابل ليساعد في إنقاذ من عاش حياته معهم ليكتشف أن آليس جارته الثمانينية التي كانت تدعوه من حين إلى آخر لتذوق طعامها، ماتت تحت الأنقاض، وأن جاكو الشاب الذي كان رفيق أولاده وكان يصطحبه معهم إلى الملجأ خلال فترة الحرب اللبنانية مات أيضاً في الانفجار هو وزوجته.

أبناء ليون خارج لبنان وزوجته رفضت العودة للعيش في المبنى والحي حتى بعد ترميمه.

يجلس ليون ساعاته وحيداً يحاول بكأس ويسكي أن يخفف من وطأة الوحدة والمرارة، “الحي كلو فاضي هلق. 80 بالمية ما في حدا. زوجتي كانت أوقات تجي، هلق حتى لو بدا تجي ما بتجي على الاوتوستراد بتخاف، بالدكوانة قاعدة”.

المبنى المقابل لمنزل ليون تم ترميمه، لكن نوافذه مغلقة وشرفاته فارغة إلا من صور بعض الضحايا.

“أنا أول ما جيت تعذبت كتير ابكي بالليل أعز ناس راحوا، عشرة عمر جاكو الله يرحمه، ولد كان لما بلش التقنيص خطوط تماس كان، اركض احملوا ونزلوا عالملجأ ولادي وهني ربيوا مع بعض بالملجأ وكل الجيران كلنا هيك عشنا. الحرب نسيناها الحرب اللي قضيناها كانت لعب ولاد صغار، هلق الحرب عايشينها هيدا الانفجار… اللي راح راح بثانية راح بس نحنا بعدنا عايشين انا هلق أوقات بقوم بضهر عالبرندا بالليل أو بالنهار، قدامي هيدي الاسطوانة اللي براسك كل يوم عم تبرم ما فيك تتناسى أول كلمتين الله يرحمكم، الله يرحمك يا أليس الله يرحمك يا جاكو”.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.