العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

اليسار اللبناني في الحرب الأهليّة [١]

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

تفتقرُ المكتبة العربيّة إلى كتب ومقالات عن تجارب اليسار اللبناني في الحرب الأهليّة، خصوصاً إذا ما عقدتَ مقارنة بين الأدب السياسي الغزير الذي صدر عن دور القوى الانعزاليّة في الحرب. والحديث عن الدور الانعزالي يصدر حصراً عن الانعزاليّين أنفسهم، لأنهم نجحوا ــ بالرغم من هزيمتهم العسكرية الشنيعة في الحرب ــ في فرض سرديّة رجعية للحرب (بالمناسبة، ما هي الانتصارات العسكريّة المنسوبة لبشير الجميّل، الذي جعل أتباعه منه عقلاً عسكريّاً فذاً؟ لم يدخل بشير الجميل وميليشياه معركة إلاّ واستنجدوا فيها لإنقاذ أنفسهم بقوى خارجيّة، النظام السوري حيناً وإسرائيل دائماً وأميركا أحياناً وقوى الرجعيّة العربيّة أحياناً أخرى). السرديّة الانعزاليّة في الحرب وضعت قوى اليسار والحركة الوطنيّة في موقع الدفاع، وبات قادة الحركة الوطنيّة المتقاعدون (الكثير منهم تحوّل نحو الحريريّة أو الـ 14 آذاريّة) صامتون خوفاً من إبداء تعاطف مع مشروع بات مذموماً بسبب اعتناق ثقافة 14 آذار للسردية الانعزاليّة، وتعميمه في الثقافة السياسيّة اللبنانيّة. كتب بعض قادة اليسار والمقاومة الفلسطينيّة عن تجربتهم في حرب لبنان لكن المكتبة تحتاج إلى المزيد في هذا المضمار، لدحض الرواية الانعزاليّة. والجيل الجديد من «نخبة» الثقافة في لبنان يستعين بفيلم زياد دويري (الذي اعترف أنه «درس» الحرب من خلال مشاهدة خطب بشير الجميّل على يوتيوب) لفهم معارك الحرب وأدوار الأطراف فيها. كل فهم الجيل الجديد كما أرى في مواقع التواصل بعيداً كل البعد عن حقيقة الحرب. هناك من يصدّق أن كل معارك القوى الانعزالية كانت موجّهة ضد «التوطين»، فيما كانت الحرب بين اللبنانيّين أنفسهم، وهي استعرت أكثر بعد خروج منظمة التحرير من لبنان في صيف 1982.

كتاب سليمان تقي الدين، «اليسار اللبناني وتجربة الحرب: منظمّة العمل الشيوعي (اللحمة والتفكّك)» يبقى من أهم ما صدر في موضوع دور اليسار في الحرب. والكتاب يعكس شخصيّة صاحبه تقي الدين، الذي كان ذروة التواضع والحرص والخلق الحسن والدقّة والإخلاص للقضيّة الوطنيّة، وعلى رأسها فلسطين والمشروع العلماني في لبنان. لكن تقي الدين بالغ في الابتعاد عن المشهد في روايته إذ إنه عاصرَ تجربة الحرب عن كثب من خلاق موقعه القيادي في منظمة العمل الشيوعي. وتقي الدين صادق في روايته، لا يُبالغ ولا يُنقص، ولا يريد إبراز نفسه على حساب الآخرين. على العكس من ذلك. تراه ينزع نحو الاختفاء بين أسماء عديدة لقادة اليسار في الحرب. أذكر مرّة أن مسؤولاً في منظمة العمل الشيوعي في زمن الحرب ذكرَ أمامي أن تقي الدين عمل لفترة بعد الحرب مستشاراً لوليد جنبلاط. تعجّبتُ كثيراً للخبر، فسألتُه عن ذلك وكنّا في مقهى في شارع الحمراء ونظرَ إليّ بحسرة وقال: للأسف، ما سمعتُه صحيح. وكان نادماً جداً عن تلك التجربة التي نسبها إلى غياب المشروع اليساري وسقوط أحزاب الحركة الوطنيّة. ليس الكتاب مذكّرات لتقي الدين إذ هو يركّز على تجربة منظمة العمل والمفيد فيها أن تقي الدين لا يوفّر محسن إبراهيم من النقد الصريح من خلال معايشته له، وعن كثب، في قيادة المنظمة. ألاحظ أن عدداً من رفاق إبراهيم الخلّص في قيادة المنظمة يمتنعون عن توجيه نقد له إلا في المجالس الخاصّة وبعيداً عن الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي (وكان هذا صحيحاً في حياته وهو صحيح اليوم في مماته). وتجربة منظمة العمل تحتاج إلى دراسة لا لحجم الدور الذي لعبته، بل بسبب الدور الكبير الذي لعبه أمينها العام في الحركة الوطنيّة وفي منظمة التحرير الفلسطينيّة، حيث كان من أقرب الناس إلى ياسر عرفات (خصّه عرفات بين كبار مستشاريه باطلاعه على مسيرة أوسلو السريّة وكان إبراهيم من داعميها ومن مُحرّكيها). أكثر من ذلك، كانت منظمة العمل الشيوعي منظمة كادريّة وخرّجت عدداً كبيراً من المثقّفين الذين تبوّأوا فيما بعد مواقع قيادية في الإعلام العربي (بما فيه النفطي) واللبناني وفي الحركات السياسيّة الرجعيّة (في 14 آذار وفي تيار رفيق الحريري). ولم يترك محسن إبراهيم، الصامت، مذكّرات وراءه وكتب فوّاز طرابلسي (الرجل الثاني في منظمة العمل الشيوعي) تجنّبت التطرّق إلى دور محسن إبراهيم مباشرةً وإلى الخلاف بينهما، والذي أدّى إلى خروج طرابلسي من المنظمّة وابتعاده عن إبراهيم بعدها). للمرّة الأولى، يرسم تقي الدين صورة عن موقع محسن إبراهيم التنظيمي وعن مسؤوليّته عن فرط التنظيم. محسن إبراهيم الذي عرف كيف يجذب المثقّفين إلى تنظيمه برع أيضاً في تنفيرهم من أسلوبه القيادي. لم يطل الزمن بالمثقّفين في تنظيم إبراهيم، وهذا خلافاً لتجربة حركة القوميّين العرب، ربما لأن جورج حبش كان القائد فيها. وشخصيّة حبش تختلف كثيراً عن شخصيّة إبراهيم السريّة الغامضة.
والكتاب يرسمُ ملامح مرحلة ما قبل الحرب بدقّة غائبة عن كتب الحرب الأهليّة. كان هناك مؤامرة غربيّة-إسرائيليّة-لبنانيّة انعزاليّة في لبنان. ولهذا، فإن تقي الدين كتب تاريخاً معاصراً للبنان بقدر ما كتب سيرة اليسار اللبناني في الحرب الأهليّة. يذكّر تقي الدين مثلاً بدور البطريرك المعوشي بعد هزيمة 1967، عندما صدرت عنه تحذيرات «من ضياع هوية لبنان أمام موجة العروبة وندَّدَ بالتيّارات التي تريد ربط المصير اللبناني بالمصير العربي» (ص. 34). كم يذكّر هذا الموقف المعوشي بتصريحات وعظات البطريرك صفير والراعي بعده عن الخطر الإيراني. والبطريركيّة نبذت العروبة عندما كانت حقّة مرتبطة بفلسطين، وهي احتضنت العروبة عندما أصبحت مرتبطة بتحالف طغاة الخليج مع إسرائيل. والتأريخ المعاصر للبناني يذكر موقف المعوشي في عام 1958 ويتناسى أنه ما لبث أن ربط بكركي بمواقف الانعزاليّة اللبنانيّة والعداء للعروبة والقضيّة الفلسطينيّة. ويذكر تقي الدين أن انطلاق «الحلف الثلاثي» (شمعون والجميّل وإدة) وفوزه في انتخابات 1968 كان تحت شعارات «مواجهة العروبة والصهيونية والشيوعيّة» ــ لم تكن الحرب هي معركة ضد التوطين المزعوم، كما يزعمون اليوم، بل كانت حرباً هوجاء وشعواء ضد لبنانيّين آخرين بسبب خياراتهم السياسيّة وطائفتهم أيضاً (طبعاً، لم يكن الخط التقدمي محصوراً بطائفة محددة، عكس ما أراده الانعزاليّون). الحرب ضد اليسار كانت مُعلنة في تصريحات بيار الجميّل اليوميّة، قبل الحرب وبعدها. وبشير الجميّل تأهّل في الزعرنة داخل حزبه عبر تشكيل فرق من الأوغاد للتجوال على الجامعة لضرب الناشطين من اليسار وقوى المقاومة. وتقي الدين على حق في أن الحزب الشيوعي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي راهنا على النظام اللبناني وعلى قدرته على «كبح التطرف اليميني وعلى إنقاذ النظام». الحزبان لم يريدا مواجهة، ولا حتى بعد اندلاع الحرب الأهلية. كيف يمكن أن نقبل أن جنبلاط وجورج حاوي ونقولا الشاوي راهنوا على سليمان فرنجيّة لضرب ميليشيات القوى الانعزاليّة. أي قراءة كانت هذه؟ لكن الكتاب مؤلم في قراءته، إذ إنه ينطوي على مصارحة صادقة من الكاتب لمشاكل اعترت مسيرة اليسار، منها الانقسامات والتحوّلات والشرذمات و ــ طبعاً ــ الردّة، «قتلتنا الردّة»، على قول النوّاب. يصدمك ذكر أسماء «مجموعة طلاّبيّة يساريّة تروتسكيّة الهوى» (ص. 25) تشكّلت في الجامعة اليسوعيّة في سنوات قبل الحرب: سمير فرنجيّة، جو ميلا، أمين معلوف، اليكو بيضا، هيني سرور، بول أشقر، فؤاد كحيل، نسيم ضاهر، عماد نويهض، نبيل الخشن، غسّان فوّاز، غسان صفيّ الدين، رشيد الضعيف، شوقي الدويهي، مسعود يونس. من بقي من هؤلاء في خط اليسار بحلول منتصف السبعينيات أو أواخرها؟ كيف يمكن أن يتحوّل هذا العدد الكبير من اليساريّين نحو اليمين؟ إلى أي حد كان هؤلاء يساريّين، علماً أن بعضهم مثل توفيق الهندي بدأ يساريّاً متطرّفاً مع ناجي علّوش وانتهى في القوات اللبنانية واتُّهم في التسعينيّات بالعمالة لإسرائيل. وأمين المعلوف عمل في الجهاز الإعلامي لاتفاقيّة 17 أيّار، ويذكر الكاتب أن سمير فرنجية، كما أصبح معروفاً، كان الوسيط بين بشير الجميّل وبين كمال جنبلاط وابنه من بعده.

إعلان Zone 4

بدأت منظمة العمل الشيوعي ممثلة لـ «اليسار الجديد»، لكنها تحوّلت بسرعة إلى نموذج لليسار التقليدي الإصلاحي، ولم تتميز عن الحزب الشيوعي اللبناني

ويتطرّق تقي الدين إلى مرحلة قلّما يتم التطرّق إليها منذ عام 1977، عندما اغتال النظام السوري كمال جنبلاط. لم يكن جنبلاط محلّ إجماع أو تقدير عند اليسار اللبناني، لا بل أن جنبلاط كان ينتقد اليسار المتطرّف والمغامر في مطلع الحرب الأهليّة وانتقد جموح مصطفى سعد في معركة الدامور ــ التي أشعلها الانعزاليّون. كان الحزب الشيوعي اللبناني والحزب التقدمي الاشتراكي يعوّلان على الانتخابات النيابيّة ــ ووفق شروط النظام القائم ــ وسيلة للتغيير، فيما كان يسار جديد يطرح أفكاراً عن الثورة وعن التسليح للدفاع عن النفس بوجه تحضير عسكري انعزالي لم يكن خافياً على أحد. كانت الصحف اللبنانيّة في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات تنشر تحقيقات وافرة عن مخيمات تدريب للأحزاب الانعزاليّة (وغالباً على يد ضبّاط من الجيش اللبناني وخبراء من دول الغرب أو مرتزقة من دولة الأقلية العنصريّة في جنوب أفريقيا) تحت أنظار السلطة. يقول تقي الدين أن الحزب الشيوعي والحزب التقدمي الاشتراكي مثلاً تردّدا وتحفّظا على «الانخراط في خطة تشكيل لجان دعم العمل الفدائي ومواجهة السلطة لحسابات بدت انتخابيّة نيابيّة ورئاسيّة» (ص. ٤٦، من يذكر أن الحزب التقدمي الاشتراكي ساهم في انتخاب المرشح اليميني الرجعي، سليمان فرنجية وأن الحزب الشيوعي اللبناني أوفد من حزبه وفداً رفيعاً لتهنئة فرنجيّة بانتخابه ــ طبعاً، فرنجية ما لبثَ فتح مخازن الجيش اللبناني أمام أحزاب اليمين كي تحارب اليسار والمقاومة الفلسطينية معاً). جورج حاوي ونقولا الشاوي ألحقا الحزب بجنبلاط، فيما كان جنبلاط متهماً من قبل اليسار الجديد بالتقليدية والإقطاعيّة. وكانت مجلّة «الحريّة» (الناطقة باسم «حركة القوميّين العرب») منبراً لنقد تجربة الحزب الشيوعي والحزب الجنبلاطي، وساهم في النقد أشخاص أصبحوا فيما بعد قياديين في منظمة العمل الشيوعي، بما فيهم محسن إبراهيم نفسه.
ويبرز في رواية تقي الدين عن نشأة منظمة العمل الشيوعي الطابع النخبوي لها، وهذا أوقعها في تناقض. هي كانت تعتبر نفسها بديلاً يسارياً جذريّاً للحزب الشيوعي اللبناني لكن الحزب كان أكثر نجاحاً منها في التنظيم في الوسط العمّالي والفلاحي. كما أنه يمكن الملاحظة أن أكثر العناصر يساريّةً في التنظيم في بداياته (مثل وضّاح شرارة) كانوا الأكثر جنوحاً لليمين بعد سنوات قليلة من اندلاع الحرب الأهليّة. لكن تجربة الحزب في التنظيم في إضراب معمل غندور كانت بناء على مبادرة «خطة التمحور حول الطبقة العاملة». لكن سرعان ما اكتشف التنظيم أن الطبيعة النخبوية له شكّلت عائقاً إذ إن المثقفين والأساتذة والطلاب والموظفين هم الذين أداروا القطاع العمالي في التنظيم وكانوا «يُغيرون على المصانع والمعامل والمناطق الشعبيّة في شكل دراويش لاستقطاب أفرادها» (ص. 58) لكن المنظمة في بداياتها عانت من الانشقاقات أكثر من الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في بداياتها. ناس تخرج من التنظيم إلى الأبد، قبل أن تخرج مجموعة أخرى منه، وهكذا دواليك. والتجربة العماليّة أدت إلى أزمة تنظيمة تلاها تجميد عضويّة «مجموعة من المعارضين بسبب اعتراضهم على دور المقرّر العمّالي»، ثم حدوث «الانشقاق العمالي، أي الكوادر التي خاضت التجربة» (ص. 58). ويروي تقي الدين تفاصيل عن النزاعات في داخل التنظيم وكيف أن نقداً توجّه نحو «تجربة المثقّفين المتميّزين من عناصر لبنان الاشتراكي» وأنه كان هناك فرض لتقاليد وسلوك وتعابير وأشكال للحديث (يذكر من عاصر تلك الفترة أن مثقّفي منظمة العمل الشيوعي والجبهة الديمقراطيّة عُرفو مثلاً بتدخين سجائر «غلواز» الفرنسيّة وبكثرة الاستشهاد بالصحافة الفرنسيّة). والمنظمة، مثلها مثل الحزب الشيوعي، اختلفت عن اليسار اللبناني الثوري (مثل حزب العمل الاشتراكي العربي – لبنان وغيره) في أنه لم يكن لها تنظيمٌ عسكريٌّ سري ولم تطرح خطة لإسقاط النظام بالقوة المسلّحة. طبعاً، لا يمكن الاستهانة هنا بقدرات الدولة القمعيّة آنذاك وفي ملاحقتها لقوى اليسار، حتى المعتدل والإصلاحي منه (يظهر من حالة ميشال مكربل كم أن السفارة الأميركية كانت تتابع وتسيطر على تعاطي الدولة مع نشاطات اليسار في لبنان).
ويتعرّض تقي الدين إلى تدريب وإعداد عناصر التنظيم وهذا يذكِّر أن سلوك المنظمات والأحزاب الشيوعيّة اختلف كثيراً عن سلوك أعضاء الميلشيات الإسلاميّة والقوميّة والانعزاليّة وتلك التابعة للأنظمة العربيّة. لم يكن هناك مثلاً إعداد أو تأهيل لعناصر «الصاعقة» أو «فتح» (باستنثاء «الكتيبة الطلاّبيّة» وبعض الأجنحة فيها). وهذا التسيّب الذي سمح بانخراط أوغاد في صفوف تنظيمات المقاومة الفلسطينيّة هو المسؤول عن ظاهرة «التجاوزات» التي وسمت تجربة المقاومة في الجنوب ــ وهذه الظاهرة مسؤولة عن سقوط وانهيار جذب المقاومة والحركة الوطنية وصعود حركة «أمل». وحدث هذا قبل الاجتياح الإسرائيلي وخلق أرضاً خصبة للعدو، وتجسّدَ ذلك بالترحيب المقيت الذي أبداه بعض أهل الجنوب بقوات الاجتياح الإسرائيلي في عام ١٩٨٢ ــ لا يحاولنَ أحدٌ نفي ذلك لأنني شاهدتُه بأم عيني وتشاجرتُ مع عدد وافر من الناس آنذاك. لكن في الجانب الآخر، أدّى إعداد المثقّفين في الأحزاب الشيوعيّة إلى بلورة شخصيّة المثقّف السمجة: الشخص الذي يزهو بعلمه ومعرفته أمام الناس والذي يتكلّف في الحديث ويتصنّع في المظهر، تماماً كما شخصيّة «الأستاذ رؤوف» في «نزل السرور» (كم شخّص زياد الرحباني تلك الظاهرة بمهارة مبكّراً، وفي أول سنوات الحرب الأهليّة). وكانت شخصيّة المثقف الشيوعي تضع حواجز بينه وبين العمّال والفلاحين. كانت تلك الأحزاب (حتى تلك اليسارية الثوريّة) ترسل فئة الطلاب والأساتذة من أعضاء الحزب لتنظيم الفقراء والمهجّرين من العمّال والفلاّحين. أي أن المثّقف كان يطوّر تلك الشخصيّة المنفّرة فيما كان هو مفروض أن يكون في نفس الخندق مع العمّال والفلاحين. أذكر مرّة في قرية جنوبية كيف أن أهل القرية تجمّعوا حول مسؤول في الحزب الشيوعي وهم يناقشونه في أحوال الجنوب تحت حكم المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية وكانت الشكاوى تتوالى والنقمة تزداد (وكان ذلك مبكراً في عام 1976) فما كان من القيادي الشيوعي إلا أن صاحَ بهم متبرّماً: ليس لدينا من المتعلّمين والمتخصّصين أمثالكم لحكم الجنوب (وكان معظمهم من المزارعين).
والحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي فصلا بين العمل الذهني والعمل اليدوي: فكان المثقّف يتفرّغ للتنظيم والحديث والمناقشة فيما كان الأعضاء الأكثر فقراً يتخصّصون في القتال ويتقاضون مرتّبات متواضعة (تفاوتت المرتّبات بين التنظيمات وأذكر أن «الجبهة العربيّة لتحرير فلسطين» (الموالية للنظام العراقي) كانت تدفع مرتّبات أفضل من مُنافساتها. أما الأحزاب الشيوعيّة الثوريّة، مثل حزب العمل الاشتراكي العربي – لبنان أو رابطة الشغيلة فكانت تلزم كل الأعضاء بتأدية واجب «الخدمة الثوريّة»، حيث لا يكون حمل البندقيّة حكراً على الفقراء من المزارعين والعمّال. وهذه التجربة كانت من أفضل ما ميّز الأحزاب الشيوعيّة الثوريّة عن تجربة الأحزاب الشيوعيّة الإصلاحيّة التي لم تمانع في خلق جيش من المتفرّغين للقتال، فيما انصرف المثقّفون للعمل الذهني.
والمثير في تجربة منظمة العمل الشيوعي التي يرويها ببراعة تقي الدين أن التنظيم بدأ ممثلاً لـ«اليسار الجديد» لكنه، وقبل نشوب الحرب، تحوّل بسرعة إلى نموذج لليسار التقليدي الإصلاحي. لم تستطع المنظمة تمييز نفسها عن الحزب الشيوعي اللبناني. وخرج من رحم التنظيم معظم المؤسّسين من اليساريّين الذين لم تلبِ إصلاحية التنظيم طموحاتهم الثوريّة، وإن انتهى الكثير منهم في معسكر اليمين. وخاض التنظيمان مفاوضات شاقة في سنوات الحرب الأهليّة للتوحد لكن كل تلك المفاوضات باءت بالفشل. ولم يكن تقي الدين على خطأ عندما يقول إن نهاية الحرب الأهلية شهدت اختلافاً في الخيارات السياسية بين جورج حاوي (الذي قرّرَ التحالف الوثيق مع النظام السوري) وبين محسن إبراهيم (الذي لم يحد عن تحالفه وارتهانه لخيارات ياسر عرفات في السياسة العربيّة والدوليّة).
وتقي الدين عايش تلك الفترة وشارك فيها وفي صنعها على مستوى التنظيم الذي انضوى فيه (قياديّاً في منظمة العمل الشيوعي). ويذكّر تقي الدين بشعارات وهتافات المظاهرات. هذا يجعلك تقارن بمظاهرات الثاو الثاو الذي أصبحت «ثورتهم» ذكرى لهتافات مبحوحة في شتم أم جبران باسيل. شعارات ما قبل الحرب كانت أجمل وأكثر جذريّة. كان أنصار اليسار في لبنان في قطيعة ملتبسة مع النظام: الشيوعيون في الشوارع يهتفون ضد مجلس النواب برمّته، والحزب الشيوعي والبعث والحزب التقدمي الاشتراكي يسعون جاهدين للتمثّل في مجلس نواب 1972. وهذا الالتباس حكم تجربة الحزب الشيوعي ومنعه ــ هو والحزب التقدمي الاشتراكي ــ عن أخذ خطر الحرب ــ التي كان الانعزاليّون يعدون لها ـــ على محمل الجدّ. لم يُرد حاوي وجنبلاط استعداء نظام سليمان فرنجيّة بالكامل. كان لهم بمثابة المُنقذ من عسف «المكتب الثاني». و«المكتب الثاني» كان يمكن أن يُعوِّل على أعداء القوى الانعزاليّة في «الحلف الثلاثي» في انتخابات 1968، والتي ساهمت في وصول سليمان فرنجيّة إلى الرئاسة في عام 1970. لكن «المكتب الثاني» كان يخوض حرباً ضد اليسار في لبنان، ولحساب الحكومة الأميركيّة.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.