العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

إثيوبيا: قنبلة مائية تحاصر العالم العربي

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

انقلب الهرم على رأسه. تحوّل رئيس الوزراء الواعد، أبي أحمد علي، من حامل لجائزة نوبل للسلام عام 2019 لدوره في إنهاء 20 سنة من حالة الحرب مع إريتريا، إلى سياسيّ منبوذ في الداخل والخارج، لاتّهامه باضطهاد معارضيه، وشنّ الحرب في إقليم التيغراي المتمرّد على سلطته، وارتكاب الفظائع فيه (ولا سيّما الجنود من عرقيّة الأمهرة) بالتشارك والتحالف مع قوات إريتريا.

في 28 تشرين الثاني من العام الماضي، احتلّت القوات الإثيوبية مقلي (Mekelle) عاصمة إقليم تيغراي، في محاولة للقضاء على التمرّد. بالمقابل، لجأت جبهة تحرير شعب التيغراي إلى حرب العصابات التي تتقنها، وهي التي أُسِّست عام 1975، وقاومت النظام الشيوعيّ حتى سقوطه عام 1991، ثمّ حكمت كلّ أثيوبيا حتى وفاة زعيمها ميليس زيناوي عام 2012. انكفأت إلى الجبال. نظّمت صفوفها، وشنّت حرب استنزاف انتهت باسترداد معظم الإقليم وعاصمته مقلي في حزيران الماضي.

إعلان Zone 4

عام 2018، بدأت مرحلة سياسيّة جديدة بوصول سياسيّ من قوميّة الأورومو للمرّة الأولى إلى منصب رئيس الوزراء، هو أبي أحمد علي. فالأورومو الأكثر عدداً يعتبرون أنفسهم مهمّشين تاريخيّاً

والآن، هي تزحف نحو أديس أبابا، بعد تحالفها في آب الماضي مع جيش تحرير الأورومو المنتمي إلى القوميّة الكبرى في البلاد (أكثر من ثلث السكّان)، والتي تسعى بدورها إلى الاستقلال عن المركز. وأهمّيّة هذا التحالف أنّ الأورومو ينتشرون في وسط البلاد حول العاصمة وفي جنوبها وبعض مناطق الشمال، وأنّهم قد خاب أملهم في رئيس الوزراء المنتمي إليهم من جهة الأب، وأنّ الجيش الإثيوبيّ يضمّ عدداً كبيراً من الأورومو، وبدأ يتشقّق على أساس عرقيّ. العاصمة نفسها مهدّدة بمحاصرتها من كلّ النواحي، مع تلاشي الفرق الموالية للحكومة، وسيطرة المتمرّدين على بلدتيْ ديسي وكومبولتشا الاستراتيجيّتين، ثمّ بلدة كيمسي في إقليم أمهرة، على بُعد حوالى 300 كيلومتر شمالي العاصمة أديس أبابا. وهذا التقدّم السريع يفتح الطريق مباشرة إلى العاصمة من جهة، ويقطع الشريان الحيويّ إلى جيبوتي التي تصدِّر عبر مرفئها معظم منتجات إثيوبيا، من جهة أخرى، وهو ما يعني خنق المركز ردّاً على وقف إمداد إقليم التيغراي بمستلزمات الحياة حتى وصل السكّان هناك إلى حافّة المجاعة.

وبدلاً من الاستجابة للجهود الدوليّة، ولا سيّما الأميركيّة منها، من أجل إيجاد حلول سياسيّة بعد النكسات العسكريّة الكبيرة، أعلن رئيس الوزراء أبي أحمد حالة الطوارئ، ودعا سكّان العاصمة إلى حمل السلاح والدفاع عن مناطقهم وأحيائهم بأيّ طريقة قانونيّة، فضلاً عن استنفار الجنود المتقاعدين. وأطلق تصريحات التحدّي في وسائل الإعلام من قبيل “السحق والدفن”، واصفاً أعداءه بـ”الجرذان”، على طريقة الرئيس الليبي المخلوع معمّر القذافي. وجاء إعلان تأسيس الجبهة الموحّدة للقوى الفدراليّة والكونفدراليّة الإثيوبيّة من واشنطن، بقيادة جبهة تحرير شعب التيغراي، وبهدف تغيير النظام وإزاحة أبي أحمد بالتفاوض أو بالقوّة، ليُضفي على الأزمة إشارات وتساؤلات من نوع آخر. ففي سياق موازٍ، كان مجلس الأمن يستعدّ لإصدار بيان يدعو إلى وقف الحرب، وكان المبعوث الأميركيّ الخاصّ بالقرن الأفريقيّ جيفري فيلتمان يزور أديس أبابا محاولاً إقناع القيادة الإثيوبيّة بالاستجابة لدعوات السلام، مستبقاً زيارته باتّهام الدور الإريتريّ في إثيوبيا بأنّه عنصر مدمّر، وكان الرئيس الأوغندي يوويري موسيفيني يدعو إلى عقد اجتماع لزعماء دول تكتّل شرق إفريقيا في 16 تشرين الثاني الجاري لمناقشة النزاع في إثيوبيا، لِما لانفجار البلد الأكبر في القرن الإفريقيّ من آثار مدمّرة على المحيط الجيوسياسيّ المضطرب.

 

خارطة مهتزّة

إثيوبيا هي ثاني بلد إفريقيّ من حيث عدد السكّان (حوالى 117 مليون فرد) بعد نيجيريا (حوالى 206 ملايين فرد). اسمها الرسميّ: جمهوريّة إثيوبيا الفدراليّة الديموقراطيّة، ومساحتها الإجماليّة (1.10 مليون كلم مربّع). هي دولة برّيّة داخليّة، تفتقر إلى أيّ منفذ بحريّ إثر انفصال إريتريا عنها عمليّاً عام 1991، ودستوريّاً عقب استفتاء عام 1993، بعد تحالفها مع جبهة تحرير شعب التيغراي ضدّ حكم الرئيس الشيوعي مينغيستو هيلا مريام. تحيط بها دول عدّة: إريتريا شمالاً، فجيبوتي، وأرض الصومال، والصومال، وكينيا، وجنوب السودان، فالسودان. بعد سقوط الحكم الشيوعيّ، تشكّلت جبهة حاكمة باسم الجبهة الثوريّة الديموقراطيّة للشعوب الإثيوبيّة EPRDF، على رأسها جبهة تحرير شعب التيغراي، ورئيسها ميليس زيناوي، الذي استبدّ بإثيوبيا حتى وفاته عام 2012. وأكثر العرقيّات المتضرّرة هي الأمهرة التي تشكّل أكثر من 26% من السكّان، والتي كان حكّام إثيوبيا منها، والأورومو العرقيّة الكبرى والأكثر تهميشاً، فيما يمثّل التيغراي أقلّ من 8% من السكّان. وفي عهده، بُنيت الفدراليّة على أسس عرقيّة، وتألّفت من 10 أقاليم تتمتّع بصلاحيّات تشريعيّة وتنفيذيّة وماليّة واسعة. لكنّ الاضطرابات العرقيّة لم تخمد، على الرغم من حملات القمع، فيما ظلّت الديموقراطيّة الإثيوبيّة مشوبة باضطهاد المعارضة خارج نطاق الجبهة الحاكمة. والأخطر في الدستور الحاليّ أنّ المادّة 39 من الدستور الإثيوبيّ تمنح حقّ الانفصال لأيّ إقليم عن الاتحاد الفدرالي.

تتعرّض إثيوبيا للتفكّك وانفجار القنبلة العرقيّة فيها، مهدّدةً القرن الإفريقيّ برمّته. ونظرة واحدة إلى الخارطة تنبئ بالرعب القادم

قيادة متهوّرة

عام 2018، بدأت مرحلة سياسيّة جديدة بوصول سياسيّ من قوميّة الأورومو للمرّة الأولى إلى منصب رئيس الوزراء، هو أبي أحمد علي. فالأورومو الأكثر عدداً يعتبرون أنفسهم مهمّشين تاريخيّاً، وهم منقسمون بالتساوي تقريباً بين مسيحيّين ومسلمين. قام أبي أحمد بخطوة استثنائيّة عندما زار إريتريا وأنهى الحرب معها، بل أصبح حاكم أسمرة الأوحد، أسياس أفورقي، حليفه الوثيق في الصراع على السلطة بين أديس أبابا وإقليم التيغراي. علماً أنّ أكثر من 50% من سكّان إريتريا يتكلّمون اللغة التيغرانيّة، وهو ما يدلّ على وشائج القربى تاريخيّاً بين إريتريا والإقليم المجاور لها. وأحدث أبي أحمد تغييرات نوعيّة في ممارسات السلطة، مطلقاً الحرّيّات العامّة، ومُفرجاً عن آلاف المعتقلين السياسيّين، فأصبح ذا شعبيّة طاغية عام 2018، إلى درجة الهوس الدينيّ بشخصيّته. وهو ينتمي إلى الكنيسة الخمسينيّة التي تؤمن بتجلّي الروح القدس على أتباعها كما تجلّى لرُسُل المسيح في اليوم الخمسين من صعوده إلى السماء. ساعده في ذلك أنّه من عرقيّة الأورومو من جهة الأب، وأمهريّ من جانب الأم. هو مسيحيّ بروتستانتيّ، والده مسلم، وأمه مسيحيّة. يقول قريبون منه إنّه كان مأمولاً منه أن يكون زعيماً كاريزماتيّاً من الدرجة الأولى، وأن يكون له دوره الكبير في القرن الإفريقي. هو ثوريّ قديم، شارك في قتال نظام منغيستو هيلا مريام في التسعينيّات في صفوف الجبهة الديموقراطيّة لشعب الأورومو. التحق بالجيش، وعمل في الاستخبارات. ثمّ تدرّج في المناصب السياسيّة نائباً، فوزيراً، فرئيساً للوزراء. واختير لهذا المنصب لإرضاء الأورومو. فما كان منه إلا أن بدأ حملة إقصاء التيغراي عن السلطة. وأسّس حزباً جديداً دمج فيه ثلاثة أحزاب كانت ضمن الجبهة الثوريّة الديموقراطيّة للشعوب الإثيوبيّة، وهي حزب الأمهرة الديموقراطيّ، والحزب الديموقراطيّ الأورومويّ، والحركة الديموقراطيّة لشعوب إثيوبيا الجنوبيّة، ولم تُضمّ جبهة تحرير شعب التيغراي إلى هذا الحزب، الذي حمل اسم “حزب الازدهار”، وضمّ أحزاباً معارضة أخرى.

 

انفجار القرن الإفريقيّ

في استراتيجيّات القرن العشرين، كانت إثيوبيا تُعتبر أحد أضلاع المثلّث الذي يطوّق العالم العربيّ مائيّاً، إلى جانب تركيا وإسرائيل. وعلى الرغم من تغيّر النظام الإثيوبيّ في التسعينيّات، إلا أنّ الخطر على مياه النيل لم ينقضِ، فجاء سدّ النهضة لينذر السودان ومصر بالشحّ القاتل.

الآن، تتعرّض إثيوبيا للتفكّك وانفجار القنبلة العرقيّة فيها، مهدّدةً القرن الإفريقيّ برمّته. ونظرة واحدة إلى الخارطة تنبئ بالرعب القادم:

– الصومال بعد سقوط رئيسها سياد بري عام 1991، أصبحت صومالين، الصومال وأرض الصومال، والدولة المركزيّة تترنّح على الرغم من الدعم الإثيوبيّ العسكريّ لها في مواجهة حركة الشباب المجاهدين التابعة لتنظيم القاعدة. إلى ذلك، يطالب الصومال بإقليم أوغادين بوصفه محتلّاً من إثيوبيا، وتسبّب ذلك في نشوب حربين عاميْ 1977 و1978.

– السودان أصبح سودانين، السودان وجنوب السودان بعد انفصال الجنوب عام 2011. والسودانان يعانيان بشدّة من النزعات المناطقيّة والقبليّة، ومن التمرّدات المسلّحة، وهناك صراع مائيّ وجوديّ على نهر النيل مع إثيوبيا. وثمّة خلاف صومالي كيني على الحدود البحرية في منطقة غنيّة بحقول النفط والغاز، وتبلغ مساحتها نحو 142 ألف كيلومتر مربع.

 

فإنْ تفكّكت إثيوبيا، فما هو مصير الدول المجاورة؟ ومَن سيسيطر على القنبلة المائيّة الهائلة في سدّ النهضة؟

المفارقة أنّ أبي أحمد علي هو السياسيّ الوحيد من قوميّة الأورومو الذي يصل إلى الموقع الرفيع في الاتحاد الفدرالي. وأكبر خطر يهدّد البلاد هو تمرّد قومه على الدولة التي يحكمها. هو مزدوج الانتماء عرقيّاً، وأصوله الدينيّة متنوّعة، لكنّه فشل في جمع إثيوبيا معاً.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.