العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

لماذا لم تنتفض طرابلس لعروبتها؟

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

“كما حقّقتُ آمال البيروتيّين فأعطيتُهم استقلالاً إداريّاً واسع النطاق، هكذا أعطيتُ الطرابلسيّين الذين أعجب من تذمّرهم وكيف لم يرُقْ لهم ذلك”.

هذا الكلام مقتبس حرفيّاً من خطاب ألقاه جنرال الانتداب الفرنسي على لبنان، هنري غورو، في 23 أيلول 1920، داخل سراي طرابلس، عندما زار المدينة، بعد ثلاثة أيام فقط من إعلانه دولة لبنان الكبير في بيروت.

 

إعلان Zone 4

الوجدان العروبيّ

لم يَخَفْ وجهاء طرابلس من سطوة الجنرال المنتصر ورهبته، وقالوا كلمتهم في حضرته: وجدان طرابلس معلّق بالأشقّاء العرب.

ترقد طرابلس في حالة سبات، في لحظة مصيرية في تاريخ لبنان والمنطقة، حيث يتقدّم مشروع تغيير الهويّات والتحالفات المشرقية، على حساب الهويّة العربية الأصيلة للأرض والشعب

منذ ذلك الحين إلى الأمس القريب، كانت مدينة طرابلس الركن اللبناني الأكثر تماهياً وتفاعلاً مع القضايا العربية والإسلامية في الموزاييك اللبناني المتنافر.

ظهر ذلك في محطّات عديدة، بدءاً من التظاهرات الحاشدة التي عمّت المدينة، عقب ذيوع خبر اعتقال رجال الاستقلال في قلعة راشيا، والتي أدّت إلى سقوط عدد من الشهداء بنيران فرنسيّة. تلك الدماء الزكية وارتها الدولة خلف حجاب سميك من التجاهل المتعمَّد وتزوير التاريخ.

منذ حصول النكبة عام 1948، كانت القضية الفلسطينية حاضرة على الدوام في الوجدان الطرابلسي، ومع كلّ اعتداء إسرائيلي كانت التظاهرات تعمّ المدينة. وعندما اجتاح هوى عبد الناصر حواضر العرب، كانت طرابلس الأكثر ولهاً به بين مدن الشام قاطبةً، حتى بعد رحيله عن عالمنا.

وبعد إخراج منظمة التحرير من بيروت عام 1982، احتضنت طرابلس الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ورجاله، ودفعت أثماناً باهظة لذلك. وعلى الرغم من عِظَمِ الخسائر، إلا أنّها ما استطاعت التأثير في هوى المدينة العروبي.

ومن غزو العراق إلى الثورة السورية، محطّات كثيرة كانت طرابلس فيها وفيّة لإرثها العروبي والإسلامي الموغل في التاريخ.

كانت تلك الهويّة ولا تزال هدفاً لحزب الله، الذي جَلَدَ المدينة بسياط أجهزة الدولة التي يحرِّكها كيفما يشاء، فَسِيق شبابها إلى السجون، وأُسْبِغ عليها لقب “قندهار”، بهدف خنق صوتها العروبيّ وتغيير هويّتها من مدينة لبنانية ذات هوى عروبي إسلامي صافٍ إلى مدينة “إرهابية”.

 

لماذا كلّ هذا السرد؟

دائماً ما كانت مدينة طرابلس رائدة في التعبير عن هويّتها العربية وهواها العروبي، وتصدير هذا الشعور إلى باقي المدن، لكنّها اليوم لا تبدو كذلك أبداً.

ولا يمكن على الإطلاق اختزال عروبة المدينة بصورة سمير جعجع، التي رفعها أحدهم بعد أحداث الطيونة في بيروت. تلك الصورة التي وُضِعت للاستثمار الإعلامي والإيحاء بأنّه “فتى العروبة الأغرّ” الجديد في نظر أهل المدينة، وهو ما يجافي الواقع تماماً.

فالمدينة، التي ما فتئت شوارعها شاهدةً على التظاهرات والتحرّكات، العفويّة منها أو المنظّمة، عند كلّ مرّة يتطاول فيها الأمين العامّ لحزب الله على السعودية والعرب، باتت همّتُها ثقيلة هذه الأيام.

الإساءة إلى السعودية ليست عملاً فرديّاً خارج السياق، أو واحدة من عثرات وزراء الصدفة، بل تندرج ضمن مسار ممنهج انطلق منذ سنوات لإبعاد لبنان عن العرب، وتكريس السطوة الإيرانية

ترقد طرابلس في حالة سبات، في لحظة مصيرية في تاريخ لبنان والمنطقة، حيث يتقدّم مشروع تغيير الهويّات والتحالفات المشرقية، التي ما هي إلا قناع مزيّف لتحالف الأقليّات، على حساب الهويّة العربية الأصيلة للأرض والشعب.

يتجلّى هذا السبات في مفاصل عديدة:

1- عجزها عن تسيير تحرّك احتجاجيّ واحد ضدّ السلطة، وهي التي كانت عروس الثورة.

2- امتناعها عن نصرة أهل حيّ الشيخ جرّاح في القدس في شهر رمضان بالذات، ما خلا تظاهرة محدودة للجماعة الإسلامية التي تُعتبَر شقيقة حركة حماس.

3- وأخيراً في ردّة الفعل الباردة على الإساءة إلى المملكة العربية السعودية والإمارات ودول الخليج العربي.

حالة السبات هذه هي التي شجّعت رئيس الحكومة على صمته الأقرب إلى التواطؤ، ومحاولته الالتفاف على ما حصل على الطريقة اللبنانية التقليدية: “دعها تمضِ، دعها تمرّ”.

فلو تحرّكت المدينة مثلما كان الحال في الأيام الخوالي، لَما كان في استطاعته مواجهة ضغط هذا التيار الجارف في عقر داره، ولتحَرَّك ووضع على الطاولة استقالة حكومته، ذات الهوى الإيراني الكاره للعرب والعروبة. وهو أقلّ ثمن يجب دفعه، وأبسط ما يمكن تقديمه لحماية هويّة البلد.

أهميّة القضية لا تكمن في الدفاع عن مصالح اللبنانيين في دول الخليج، فعلاقة لبنان بالعرب ليست علاقة ماديّة نفعيّة، كما يحاولون تصويرها، بل أعمق من ذلك بكثير. لو كانت العلاقات تُقاس بالمنافع حصراً، لَما كان لإيران موطئ قدم في لبنان. فالمستفيدون من المال الإيراني هم جزء من الشيعة وليس كلّهم،  وعدد الشيعة في دول الخليج العربي لا يمكن مقارنته أبداً بشيعة لبنان في إيران.

أضف إلى ذلك أنّ الإساءة إلى السعودية ليست عملاً فرديّاً خارج السياق، أو واحدة من عثرات وزراء الصدفة، بل تندرج ضمن مسار ممنهج انطلق منذ سنوات لإبعاد لبنان عن العرب، وتكريس السطوة الإيرانية.

فلماذا لم تُحظَ قضية بهذه الأهميّة باهتمام طرابلس، تلك المدينة التي ما توقّفت شمس العرب عن السطوع في ساحاتها وشوارعها وأزقّتها؟ مع العلم أنّه على الرغم من الغضب السعودي والخليجي على الحكم اللبناني، إلا أنّ مدينة طرابلس لم تَغِبْ عن أجندة المملكة أبداً.

 

سرّ التحوّل

حالة السبات الطرابلسي ما هي إلا نتاج طبيعي لحالة “التيه” السياسي الذي تعاني منه طرابلس وكلّ المدن السنّيّة في لبنان.

ثمّة مَن يعزو الأمر إلى الأزمة المعيشية الخانقة، التي تدفع أهل المدينة إلى الانشغال عن كلّ القضايا الأخرى بالحصول على أساسيّات الحياة، ومن بينها التفاعل مع قضيّة بهذه الأهميّة. لكنّ ذلك غير صحيح.

فالأزمة في لبنان سياسيّة بالدرجة الأولى. لأنّ الصراع يدور على نظام الحكم فيه وعلى مستقبله وهويّته. وما الانهيار الاقتصادي إلا جزء من آثاره، أو أحد تجلّياته. وتأتي الإساءات المتعمّدة إلى المملكة في هذا السياق أيضاً. ففي حين ينشغل اللبنانيون بكسب معيشتهم، يقوم حزب الله بجرف الهويّة العربية لإحلال الفارسيّة مكانها.

وفي خضمّ هذا الهجوم الهويّاتيّ، تظهر حالة “التيه” هذه بأشكال ونماذج كثيرة، سواء في حالة السكون المهيمنة على المؤسسات ورجال الدين والوجهاء والنواب والنخب، أو في انغماس بعض تلك النخب في الصراع على ما تبقّى من كراسٍ منزوعة الفاعليّة والتأثير، محوِّلين الانتخابات إلى ما يشبه برامج اكتشاف المواهب، مثل “Arabs Got Talent”. إذ يتبارى خلالها عشرات المشاركين والطامحين والحالمين والجشعين، مع عدد ضئيل جدّاً من الموهوبين، بلا معايير واضحة للاختيار، ومن دون إيلاء قضية فصل لبنان عن عمقه العربي أهميّة.

حالة السبات الطرابلسي ما هي إلا نتاج طبيعي لحالة “التيه” السياسي الذي تعاني منه طرابلس وكلّ المدن السنّيّة في لبنان

اختراقات حزب الله

تظهر حالة “التيه” هذه في التكيّف المستهجَن مع سيطرة حزب الله على الدولة، واختراقاته المتتالية للمجتمع الطرابلسي، عبر عدّة مسالك ومسارب، منها ترشيح عدد من أبناء المدينة في الانتخابات المقبلة ليكونوا جزءاً من أكثريّته الخاصّة من دون الانتماء المباشر إلى الحزب. ويسهم خطابهم السياسي في تسويق سياسات حزب الله وتكريس الغربة عن العرب. ومنها أيضاً استقبال عشرات الطلبات الطرابلسية للحصول على المازوت الإيراني في مكاتب مؤسسات “الأمانة” من أجل حفنة من المال، وغير ذلك من الطرق الكثير.

حالة “التيه” هذه هي التي تدفع القوّات إلى الاستعراض على الشاشات التلفزيونية بسبب رفع صورة، وهي التي تجعل بعض المشايخ يقولون “نعم” لحزب الله، وهي التي تدفع الناس إلى القول فليحكم مَن يحكم.

حالة “التيه” هذه هي الخطر الأكبر اليوم على هويّة طرابلس وناسها وتاريخها وإرثها، وعلى هويّة لبنان عموماً.

وللخروج من هذا “التيه” لا بدّ من إطلاق مواجهة أكبر عمليّة تغيير لهويّة لبنان والمنطقة في العصر الحديث. وهذه المواجهة لن تكون إلا بالسياسة، ويجب أن يكون لطرابلس قصب السبق فيها، وهي التي اعتادت أن تكون رأس حربة العرب في لبنان.

من ظواهر أزمة الطرابلسيّين خصوصاً، والسُنّة عموماً، أنّهم ينظرون اليوم إلى السياسة ويمارسونها بلا قضيّة، منصرفين إلى نفعيّة فجّة وأنانيّة مفرطة وقصور في الرؤى، في حين أنّ القضية تناديهم هم بالتحديد قبل غيرهم، وليس هناك اليوم قضية أكبر وأهمّ من تثبيت وتأكيد الهويّة العربية والعمق العربي.

 

وما الصمت عن الإساءات المتعمّدة إلى دول الخليج العربي من أجل فصل لبنان عنها، إلا صمت الخنوع، لا العجز. وهو يمهّد للمسار عينه مع مصر ودول المغرب العربي، لنقع بين يدي “الشاه” كتفّاحة يانعة سقطت عن الشجرة، وهو وحده مَن كان ينتظرها، مثلما قال ذات مرّة علي أكبر محتشمي بور، الأب الروحيّ لحزب الله.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.