العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الحريريّة في عزّ ارتباكها؟

ليس في الوقت متّسع لترف النقاش في قضية صارت مستهلَكة وممجوجة ومحطّ إجماع لا غبار عليه. وليس فيه متّسع أيضاً لاستعادة المقارنات الرتيبة بين الحريريّة القصوى في زمن الثبات والبحبوحة والانسياب، وبين ما صارته في زمن ارتباكها وسقوطها وأفول نجمها. لكنّ الوقت يتّسع حتماً لاستعادات لا بدّ منها، ليس من باب المناكفة أو رشّ الملح في الجروح المثخنة، بل على سبيل جردة سنويّة هادئة. ولأنّ هذا النوع من الهدوء يقتضي التغافل عن اليوميّات والصغائر، والذهاب رأساً نحو العمق العميق، وجدت مناسباً أن أبدأ الحكاية من أساسيّات بزوغ الوهج حتى سطوعه، وصولاً إلى حقيقة تشظّيه واندثاره، هناك حيث يصحّ فعلاً أن تعتصر القلوب وأن تبكي البواكي.  

الحريريّة خرجت أساساً من رحم الاستعصاء الشامل. من دائرة سياسية واجتماعية واقتصادية ووطنية مغلقة. من مسيس الحاجة إلى كوّة صغيرة في جدارات الأزمة المركّبة والمعقّدة. خرجت لترسم مساراً متمايزاً ومبتكراً وخلّاقاً. وقد نجحت في شقّ طريقها على نحو استثنائي لم تعهده السياسة اللبنانية في تاريخها، حيث إنّ الزعامات التقليدية استندت بغالبيّتها إلى إرث متوارث من بيوتات سياسية معروفة وضاربة في جذورها، أو إلى شرعيّات مستدامة أخذت تتبلور وتترسّخ بفعل التطوّرات والأحداث، كزعامة فؤاد شهاب وميشال عون التي استندت في باكورة انبثاقها إلى أدوارهما الملتصقة بشرعيّة مواقعهما. كذلك هي الحال بالنسبة إلى نبيه برّي، الذي خرج إلى الضوء لحظة خطف الإمام المغيّب.

إعلان Zone 4

الغطاء العربي والاحتضان السعودي والتكامل بين الرياض ودمشق لم تكن سوى نتيجة طبيعية لهذا الانفلاش الذي أحدثه رفيق الحريري على هامش مهمّته وسيطاً لحلّ الأزمة، قبل أن تتعاظم الدعوات التي تطالبه بالانخراط لاعباً أساسيّاً ضمن تركيبة النظام

رفيق الحريري لم يسلك هذا الدرب، بل لم يكن متاحاً له أن يسلكه. شرعيّته الموثّقة والمؤكّدة تأتّت من الحاجة الجماعية إليه، وإلى قدرته ونفوذه ورشاقة عقله، ولا سيّما بعد براعته ومهارته المشهودة في حياكة الحلول وتطريزها، وفي الإتقان الموصوف لتدوير الزوايا وطبخ التسويات واجتراح البدائل، الأمر الذي ساهم في انفلاش شرعيّته وانفلاش حضوره، وصولاً إلى التصاقه على نحو وثيق بمهمّة المنقذ التي لم يدركها غيره ولم يحسنها أحدٌ سواه.

الغطاء العربي والاحتضان السعودي والتكامل بين الرياض ودمشق لم تكن سوى نتيجة طبيعية لهذا الانفلاش الذي أحدثه رفيق الحريري على هامش مهمّته وسيطاً لحلّ الأزمة، قبل أن تتعاظم الدعوات التي تطالبه بالانخراط لاعباً أساسيّاً ضمن تركيبة النظام. وهنا يقول رفيق إنّ أصعب مهمّاته على الإطلاق كانت إقناع الملك فهد وزوجته نازك بتولّي مهامّ رئاسة الحكومة، وقد ظلّ الملك يعارض هذا التوجّه بقوّة، استناداً إلى خوفه ومحبّته ورغبته باستمرار رفيق الحريري رجلَ أعمال مميّزاً بعيداً من وحول السياسة اللبنانية التي لا تُبقي ولا تذر.

منذ بدايات ارتصافه في المعادلة الداخلية، وحتى لحظة شطبه منها، استطاع رفيق الحريري أن يحفر عميقاً في صخرتين صلبتين وهائلتين. الأولى تتعلّق باللبناناويّة المجرّدة المصابة بذعر مكثّف نتيجة سنوات من الارتطام والاحتراب والحساسيّات الموصومة بتعقيدات طالما استعصت على المواءمة أو الحلول، فيما استهدفت الثانية بيئته الحاضنة التي كانت مصابة بارتباك شديد، نتيجة تراكمات لا تُعدّ ولا تُحصى، وهي تراكمات بدأت بنكبة مدوّية في فلسطين، وتعاظمت بنكسة العرب وهزيمتهم، ثمّ بخروج مصر الرهيب من المعادلة، وبكسر منظمة التحرير، وصولاً إلى الضوء الكوني الذي منح حافظ الأسد فرصة ذهبية لإمساكهم وإخضاعهم وإضعافهم والقبض على رقابهم المتعبة.

ليس الأهمّ على الإطلاق ما أنجزه رفيق الحريري، بل ما كان في طور إنجازه. وهو اللقاء التاريخي مع الفكرة “الماروناويّة” العميقة للبنان الحلم والرسالة، مضافاً إليه الانعطافة الرهيبة وغير المسبوقة لمكوّن أساسي في متن الصيغة اللبنانية، وكأنّه استكمال عمليّ لِما بدأه بشارة الخوري ورياض الصلح، وظلّ مذّاك عصيّاً على تطبيق ناجز أو مستدام.

قتلوه تماماً لأجل هذا. وأرادوا لقتله أن يكون نعشاً أبديّاً لفكرتين ممنوعتين من الصرف. أولاهما استعادة اللحمة الوطنية وتبديد حالة الذعر والاحتقان بين المكوّنات التأسيسية، وثانيتهما عملقة الحضور السنّيّ في المعادلة الداخلية، وتعاظم ارتصافه في المشروع الوطني كأولويّة قصوى تتخطّى كلّ الأولويّات.

 

لحظة الحريرية القصوى تمثّلت في المشهديّة الوطنية الساحرة التي أعقبت زلزال الاغتيال، لكن ما كان يريد له رفيق الحريري أن يتسلّل بهدوء ورويّة وبرودة أعصاب ليكون ناجعاً وثابتاً ومؤثّراً، استحال انفجاراً أعاد فتح كلّ أبواب الجحيم، وساهم على نحو صاروخي في استعادة التوتّر الأقصى، وفي إعادة حقن الساحات والمناطق والنفوس بوابل من خطابات الكراهية والتحريض وشدّ العصب، وصولاً إلى الارتطام الأهلي الذي لامس حدود الحرب الأهلية عند مفترقات كثيرة يحفظها اللبنانيون عن ظهر قلب.

هذه المرحلة، منذ الولادة السياسية حتى الشطب الجسدي، غلب على طابعها العامّ صورة الاغتيال، وكلّ ما كان يرتبط به من مجريات سبقته أو لحقته، لكنّها أغفلت الحريرية القصوى بوجهها الآخر، وهي البصمة الحقيقية التي رفعت رفيق الحريري إلى مصاف الرجالات الاستثنائيّين، وهذا بحدّ ذاته يتفوّق على المعطى السياسي في حياته وفي مماته، على اعتبار أنّ الأزمات لا تنتهي في بلد ولّاد كلبنان، لكنّ القماشة التي كانها رفيق الحريري لا نتعرّف إليها في العمر مرّتين.

عند هذه النقطة تحديداً، يجد العاقل فينا أنّ المقارنات السطحية بين رفيق الحريري ونجله سعد لا تستوي على الإطلاق، بل وفيها الكثير من الإجحاف والظلم، إذ إنّ الرجل الذي وُلِد أساساً ليصير ما كانه، لا يجوز أن نساويه أو نماثله بمن اُتُّفق على تقديمه لحمل المشعل الثقيل. حالهما في ذلك حال شركتين لصناعة السيارات. الأولى تُغري زبائنها بقدرتها على الاقتصاد في استهلاك الوقود، والثانية تشبه بي إم دبليو، عملاقة النبوغ الألماني، التي رفضت ذات مرّة أن تُعلن عن منتجاتها وكأنّها جزء لا يتجزّأ من نسيج معروف أو صناعات مستساغة، بل باعتبارها أيقونات فريدة، لا نظيرة لسواها من سيارات الكون، ولذلك كان لا بدّ أن تفتتح لنا المشهد بسباق مدهش ومثير مع طائرة. ليس المهمّ هنا أن تفوز السيارة أو تخسر. المهمّ أنّ قدرة عرّابها على الحضور وعلى الابتكار وعلى التوثّب تفوق كلّ قدرة وكلّ خيال.

الحريرية القصوى كانت صنو هذا المخيال. نظير هذه الفرادة. المرادف الحرفيّ لتزويق البشاعة. وقد أضافت إلى السياسة اللبنانية الرتيبة مذّاك ما يضيفه التجويد إلى الذوق. استطاعت أن تتجاوز الجميع من دون كثير عناء. حتى البيوتات السياسية التي خبت بحضور رفيق الحريري، فإنّما اضمحلّت أوّلاً أمام فائض وهجه وفائض قدرته وحضوره، لا أمام عظيم سلطته أو سلطانه.

قد يصلح سعد الحريري في شؤون شتّى، وهو شخص حسن الطالع نبيل الخلق لطيف المعشر، لكن الوقائع أثبتت غير مؤهّل للإمساك بإمبراطورية هائلة سقاها رفيق الحريري من ماء عينيه، وغير قادر أيضاً على خوض لعبة سياسية شديدة الوطأة والقسوة والتعقيد، وهذا ليس استثناءً ولا عيباً ولا منقصة، بل هو توصيف دقيق لمسيرة طويلة صرنا نحفظها ونعرفها كما يعرف الواحد فينا كفّ يده.

ليس في جعبة سعد الحريري اليوم سوى أن يهدّد، بشكل مباشر أو موارب، بالانسحاب من الحياة السياسية. ونحن ندعوه بصدق إلى اتّخاذ قرار حاسم في هذا الاتجاه، وإلى تقديم كل  التسهيلات التي قد تساهم في انتاج المشهد السني على أبواب الانتخابات النيابية المقبلة، لأن الأمور ما عادت تحتمل المراوحة أو الشخصنة والأنانيات، بل تستلزم إجراءاتٍ سريعة، تبدأ  بتشكيل مجلس حكماء من غير المرشحين للانتخابات، وتتبلور بتسليمهم دفّة إدارة المرحلة الراهنة والتأسيس للمرحلة المقبلة، على أن نُخرج الحريريّة السياسية من مستنقع الاستنزاف اليومي، وأن نحفظ لها ولمؤسّسها ما كانته على الدوام، ليس كإمبراطورية رائدة وحسب، بل كواحدة من أهم وألمع وأذكى المشاريع التقدّميّة التي شهدتها المنطقة برمّتها.

 

الحريرية المرتبكة تستحقّ أن تتقاعد في شتاء عمرها. وسعد الحريري المنهك مطالبٌ باستراحة طويلة بعد تجربة مريرة انتهت بارتطام فظيع. لكنّ ثمّة طريقاً لا بدّ من استكماله، وثمّة طائفة مشوّشة وضائعة بقضّها وقضيضها، وثمّة أيضاً بلداً ينزلق بأسره نحو القاع السحيق. هل نجلس مكتوفي الأيدي؟ ماذا عن الغد؟ ماذا عن خارطة الطريق؟ ماذا عن حضورنا في المعادلة الداخلية وعلى طاولة النظام؟ مثلاً لماذا لا نلتفّ جميعاً حول نوّاف سلام وندعوه إلى إدارة مرحلة انتقالية من خلال الانتخابات النيابية التي توفّر علينا جميعاً استحقاق الارتطام الكبير؟

الحريرية، يا دولة الرئيس، وُجِدت لتغني أهلها عن أسئلة صعبة من هذا الطراز، فإن كانت عاجزة عن طمأنتهم وكفافهم، وهي باتت كذلك قطعاً، فحسبنا أن تكون قادرة على الإجابة لتحفظ ما تبقّى منها ومنهم.

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.