العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

من شمال لبنان إلى إيطاليا.. موقع الحرة يتقصى رحلات “قوارب الموت”

عندما اتخذ قراره بركوب البحر، كان اللبناني زياد الحلوة يعرف حجم المجازفة: تحقيق حلم الهجرة “الكبير” في الغرب، أو الموت غرقا مع عائلته؛ أو في أقل الاحتمالات بشاعة، أن يرجع خالي الوفاض من رحلة لم تكتمل.

خسر الحلوة المال الذي جمعه بعدما باع كل ما يملك، مضافا إليه الديون التي سيتوجب عليه سدادها في بلده الغارق في الأزمات، والذي لا يجد فيه كثيرون سبيلا إلى أساسيات العيش الكريم.

إعلان Zone 4

حالة زياد الحلوة تعكس حالات عدد كبير من الشبان الذي يركبون قوارب الموت باتجاه المجهول، حالمين بحياة أفضل بعيدا عن جحيم الوضع المأساوي الذي يعيشه لبنان.

دفعت الأزمات الاقتصادية خصوصا عددا من اللبنانيين إلى اتخاذ قرار الهجرة غير الشرعية، حالهم حال كثير من اللاجئين السوريين الذين سبقوهم في هذه الخطوة. وقد لاحظت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين زيادة في الرحلات البحرية المغادرة من لبنان ابتداء من عام 2020، مقارنة بالسنوات السابقة، بحسب ما أدلت به المتحدثة الإعلامية باسم المفوضية دلال حرب لموقع “الحرة”.

يشكل شاطئا الميناء والقلمون، شمالي لبنان، نقطتي عبور رئيسيتين نحو “حلم” الحصول على اللجوء في إحدى الدول الأوروبية. وبحسب حرب “شرع أكثر من 1570 فردا أو حاولوا الشروع في مثل هذه الرحلات بين يناير 2021 ونوفمبر 2021. ومن بين الرحلات 1241 رحلة لمحاولة الوصول إلى قبرص، في حين لم  تتسلم المفوضية خلال شهر ديسمبر 2021، أي تقارير مؤكدة عن محاولات رحلات للقوارب، ويرجع ذلك على الأرجح إلى سوء الأحوال الجوية”.

تهشم الحلم
إلى مدينة الميناء توجه موقع “الحرة” لمقابلة أحد أصحاب المراكب، لكنه فاجأنا عندما طلبنا منه أن يساعدنا في الوصول إلى مهرب؛ “نحن ملوك التهريب”، كان جواب عدنان (اسم مستعار)، الذي جلس معنا في الميناء، وحدثنا عن بعض خبايا هذا العالم المتشعب.

قال عدنان “زادت الأوضاع الاقتصادية وتفشي الفقر من عمليات التهريب في الآونة الأخيرة، فبعد أن كان المطلوبون للعدالة هم من يغادرون بهذه الطريقة، ازدهر الأمر مع اللجوء السوري إلى لبنان ليبلغ ذروته منذ سنة 2019 مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية”.

لكن لماذا يطلق على عدنان ومن معه “ملوك التهريب: كما وصف هو نفسه؟ عن ذلك أجاب “كون لدينا خبرة كبيرة في هذا المجال، إضافة إلى محافظتنا على أرواح الناس، فالمركب الذي يتسع لعشرين شخصا على سبيل المثال لا نتخطى العدد فيه، على عكس ما يفعله بعض المجرمين الذين لا يبالون بوضع 100 شخص وربما أكثر في مركب صغير”، معتبرا أن “التهريب عملية سهلة، يمكن لأي شخص القيام بها، من خلال شراء مركب على أن لا يسجله باسمه بالتأكيد، إضافة إلى هاتف ثريا و(جي بي أس) كما أن عدة تقنيات حديثة باتت اليوم في متناول اليد تسهل الانتقال عبر البحر”.

المهربون درجات، كما قال عدنان، “فهناك رأس الهرم وهو الممسك بكل ما يدور في الميناء، يعاونه عدد من الأشخاص، كما يوجد عدد كبير من السماسرة الموزعين في المناطق الشعبية والمخيمات لجلب الزبائن مقابل عمولة، إضافة إلى من يقودون مراكب التهريب الذين قد يكونون في ذات الوقت ممن يريدون اللجوء إلى دولة أوروبية، حيث يرأسون الرحلات ويبقون خارج لبنان”.

وصل الحديث عن الهجرة بين الشبان في الشمال إلى مسامع زياد، وهو الوالد لثلاثة أبناء، راتبه لا يصل إلى 50 دولار من وظيفته حارس أمن، لم يفكر كثيرا، قرر اتخاذ هذه الخطوة والمخاطرة علّه يصل إلى بلد لا يضطر فيه، كما قال، لأن ينام أولاده جياعا.

وشرح زياد لموقع “الحرة” العملية قائلا: “تواصلت أنا وعدد من أقاربي مع مهرب، طلب منا الحضور إلى مقهى للتفاهم على كافة الأمور، أطلعنا أن البدل المحدد للشخص الواحد أربعة آلاف دولار، وكارمني كما قال بالموافقة على دفعي 10 آلاف دولار بدلا عني وعن زوجتي وأولادي الثلاثة، سارعت وبعت منزلي وأثاثه في منطقة المنكوبين بثمانية آلاف دولار، وجمعت المبلغ المتبقي من أقاربي”.

بدأ الأمل باقتراب “الخلاص” يراود زياد. وجاءت نقطة الصفر بعد أيام من دفعه المبلغ المترتب عليه وعلى عائلته، وذلك في شهر نوفمبر الماضي، وقال “طلب منا المهرب الحضور عند منتصف الليل إلى دوار أبو علي (في طرابلس) ومن هناك انطلقنا إلى شاطئ القلمون، حملت حقيبة صغيرة هي كل ما يسمح لنا به، وما إن وصلنا حتى تفاجأت بداية بأن المركب مهترئ على عكس المركب الذي سبق أن دلنا عليه المهرب، إضافة إلى أن عدد الركاب فاق الاتفاق بـ31 شخصا، حيث كنا 91 فردا بدلا من 60 كما وعدنا”.

دار محرك المركب وانطلقت الرحلة، وكأنها أول خطوة في طريق تحقيق “الحلم الكبير”. وقال زياد “طلب منا إقفال هواتفنا، وعدم إثارة أي ضجة، وإسكات أطفالنا لحين تجاوز المياه الإقليمية وذلك كي لا نلفت انتباه عناصر القوات البحرية اللبنانية”.

لم تجر الأمور كما كان يرغب “المغامرون”، فلم تطل مدة انطلاقهم حتى لاحقهم قارب عسكري لبناني. وقال زياد “اقترب منا واصطدم بالمركب من ناحية المحرك، ومع ذلك استمرينا في طريقنا لكن ما إن تجاوزنا المياه الإقليمية حتى انطفأ المركب وبدأت المياه بغمره، لم يعد بإمكان الجيش مساعدتنا لأننا خارج مياه لبنان الإقليمية وبعد أخذ ورد بين الطرف اللبناني والقبرصي تمت إعادتنا إلى مرفأ طرابلس حيث وصلنا عند الساعة العاشرة صباحا”.

بحسب المهاجرين على قوارب “الموت” الذين تحدثت معهم مفوضية اللاجئين، ظهر، كما قالت حرب، “أن غالبيتهم سوريون، يليهم لبنانيون وعدد قليل من الفلسطينيين وجنسيات أخرى”.

وأضافت: “في السنوات السابقة، كانت الغالبية العظمى من المسافرين من السوريين، بينما انضم في عامي 2020 و 2021 عدد من اللبنانيين إلى هذه الرحلات”.

خطوة “مبتورة”
منذ 2019، يعيش لبنان أزمة اقتصادية حادة، صنفها البنك الدولي بين الأسوأ في العالم منذ عام 1850، حيث فقدت الليرة نحو 90 بالمئة من قيمتها بعدما تخطى سعر صرف الدولار الواحد عتبة الـ33 ألف ليرة قبل أن يعود ويتراجع إلى ما دون الـ25 ألف ليرة.

“شهدت أشهر أغسطس، سبتمبر وأكتوبر ضغطا كبيرا في رحلات التهريب” بحسب عدنان الذي شرح بقوله: “قمنا برحلات (كثيرة) إذ بعد أن يتم تجميع العدد المطلوب للرحلة وقبض الثمن (الذي يتراوح بين 800 إلى 1000 دولار إذا كانت الوجهة قبرص، أما إذا كانت إيطاليا فالمبلغ المحدد 5000 دولار على الشخص البالغ  و2500 دولار على الطفل، على أن يخفض السعر للعائلات إلى 4000 آلف للكبير و2000 دولار للصغير) يجري إخبارهم في ذات الأسبوع الذي ستنطلق فيه الرحلة بأن عليهم أن يبقوا متأهبين”.

وأضاف عدنان “نراقب الطقس جيدا، وفي الوقت المناسب يخرج المركب من الميناء بطريقة شرعية، يمر على حاجز القوات البحرية ويظهر الأوراق الرسمية، لكن في المقابل يكون هناك مركب آخر مهمته نقل الركاب الذين خبأناهم في جزيرة أو على الشاطئ أو بين الصخور، أحيانا نخبئهم لحوالي ثلاثة أيام من دون أن يعرفوا أين هم، كوننا نخشى من أن تصل إخبارية سفرنا إلى الدولة التي سنقصدها”.

وفي حين تمكن زياد من الإبحار ولو لبضعة أميال، لم يتمكن ابنا نصار مغربل من الإبحار رغم انطلاق الرحلة. وقال لموقع “الحرة” “يفترض عليّ كوالد أن أخشى على أبنائي وأرفض مخاطرتهم بحياتهم، لكن لم أجد أمامي سوى المجازفة بمحمد وعبد الهادي للذهاب إلى أوروبا وإرسال المال لنا كي لا نموت من الجوع”.

تمكن ابن منطقة أبي سمراء من الوصول إلى مهرب طلب منه 1500 دولار بدلا عن كل شخص. استدان المال والذهب من أقاربه ومعارفه، وفي شهر أكتوبر كان موعد انطلاق الرحلة من الميناء، وقال “طلب المهرب من ولديّ عدم إحضار ما يزيد عن حقيبة صغيرة خفيفة، وأطلعهما أنه سيؤمن الطعام والماء لجميع من في الرحلة، صعد الجميع إلى المركب أدار محركه وقاده مسافة قصيرة جدا، ليعيد ركنه بحجة أن سرعته أقل من المطلوب”.

وعد المهرب من كانوا في الرحلة بتأمين مركب خلال أسبوع، لكن كما قال مغربل “ظهر أنه نصاب، أطلعنا أن إمكانياته المادية لا تسمح له بتأمين مركب جديد، في وقت كنا نراه يستأجر السيارات ويشتري الهواتف، أعاد لنا نصف المبلغ وها أنا أصارع من أجل سداد ديوني للناس”.

وأضاف: “منذ اليوم الكارثي وأولادي من دون عمل إلا أنهما كانا موظفين في مطعم، وأنا سائق سيارة أجرة لا أملك المال لشراء المحروقات لكي أخرج بحثا عن رزقي”.

استنادا إلى الأفراد الذين تواصلت معهم مفوضية اللاجئين ممن تم اعتراضهم أو إنقاذهم أو إعادتهم إلى لبنان، ظهر، كما قالت حرب أن الأسباب التي تدفع إلى مغادرة هذا البلد هي “اليأس، وعدم القدرة على البقاء على قيد الحياة في لبنان بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، وندرة الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل المحدودة، ووجود أقارب أو أفراد لهم في البلدان المقصودة”.

الانتصار على الموت
“يقف الوضع الاقتصادي والاجتماعي السيئ الذي يعيشه اللبنانيون خلف هروب البعض عبر البحر، إذ يتوقعون أو يتخيلون أنهم سينتقلون إلى مكان أفضل يتوفر فيه الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم، في حين قد لا يكون وضع بعضهم سيئا للغاية لكن لديهم طموح باللجوء إلى دولة أخرى والحصول على جنسيتها، وإن كانوا أقلية” بحسب ما قاله استاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية الدكتور طلال عتريسي.

واعتبر عتريسي أن “المهاجرين يغامرون على الرغم من معرفتهم أنهم قد يخسرون حياتهم، لكن في ذات الوقت تبقى لديهم حسابات الانتصار بالوصول إلى الدولة التي يحلمون بها، تماما كالذين يموتون وهم يضمنون الجنة”.

هناك من غامر ووصل إلى هدفه، ومنهم ابن الميناء أحمد، الذي يعيش اليوم مع عائلته في مخيم في هولندا، وذلك بعد رحلة عناء واجه خلالها الموت عدة مرات.

وقال لموقع “الحرة” “حتى ثمن عبوة الحليب لم أكن استطيع تأمينه لابنتي، فكيف لي أن أتدبر أمور باقي عائلتي المؤلفة من خمسة أولاد، وقد كنت أعمل صيادا بالكاد تصل يوميتي إلى 70 ألف ليرة، لذلك اتفقت وعدد من اللاجئين السوريين على شراء مركب والهجرة إلى ايطاليا من دون الحاجة لمهرب”.

باع أحمد أثاث بيته بـ5 ملايين ليرة وهاتف زوجته وابنه بـ4 ملايين و800 ألف ليرة واستدان مبلغا ماليا من صديقه في أستراليا. وقال “جمعت ألفي دولار، وكل شخص أراد السفر معنا دفع المبلغ الذي أمنّه، حيث كنا 61 شخصا، اشترينا مركبا بـ20 ألف دولار وهاتف ثريا، وفي شهر نوفمبر تحركنا باتجاه الحلم”.

لم تكن الرحلة سهلة، كما قال أحمد، بل “عانينا كثيرا، حيث كان البحر هائجا، انقطعنا من الطعام ما دفعنا إلى دخول الميناء القبرصي بعد طلب الإذن، لكن الشرطة القبرصية حاولت إعادتنا إلى لبنان، هربنا متجهين إلى اليونان وبعد أن تم تزويدنا بالطعام انطلقنا باتجاه إيطاليا وما أن اقتربنا من شاطئها حتى قدم خفر السواحل وساعدنا على النزول إلى بر الأمان بعد 13 يوما من المعاناة، في وقت كان يجب ألا تستغرق الرحلة أكثر من ستة أيام، تم حجرنا في مخيم لأسبوعين للتأكد من عدم إصابتنا بكورونا، بقيت هناك مع عائلتي 25 يوما، قبل أن ندخل إلى هولندا عن طريق مهربين”.

مقبرة جماعية
في السابق، كانت قبرص، بحسب عدنان، “هي الوجهة للمهاجرين من لبنان، بسبب قربها من الميناء حيث لا تستغرق سوى بضع ساعات للوصول إليها، أما الوجهة الثانية فكانت اليونان التي تحتاج إلى نحو يومين لبلوغها، ومنذ مدة أصبحت إيطاليا هي الوجهة كونها نقطة عبور إلى أوروبا حيث لدينا عملاء فيها يساعدون من وصلوا من خلالنا للسفر إلى أي دولة أوروبية يرغبون بها شرط دفع 5 آلاف دولار إضافية”.

وأكد عدنان “هناك 5 آلاف شخص ممن سبق أن وصلوا عن طريقي إلى قبرص، هم الآن في مخيمها، يعملون في قطف الزيتون وعصر النبيذ، لكن المشكلة في قبرص أنها جزيرة لا يمكن لمن قصدها الهروب منها إلى أوروبا”.

وفيما إن كان عدنان ومن معه يخشون أن يتم توقيفهم من قبل الأمن اللبناني، أجاب ساخرا ” “يلي ما بيجوز بنتو بمية ليرة بيجوزها بألف، نعم هناك رادارات لكن ألا تتوقف ولو لنصف ساعة عند انقطاع الكهرباء؟!!”.

أما القوى الأمنية، فقالت لموقع “الحرة” “أي جهاز أمني في لبنان تصله إخبارية عن رحلة مخالفة للقانون يحضّر لها في البحر، يجري العمل على الملف لإيقافها وتسليم المهربين للعدالة، والأمر لا يقتصر على مهرب واحد لكل رحلة، بل هناك شبكات كل واحدة منها تضم عدة أشخاص من جنسيات مختلفة لاسيما لبنانية وسورية”.

وسبق للجيش اللبناني أن أكد في تصريحات لـ”فرانس برس” أن “عمليات المراقبة والرصد تنفَّذ من خلال وحدات الكشف المتقدم المتمثلة بشبكة رادارات منتشرة على طول الشاطئ، ومن خلال دوريات متواصلة في المياه الإقليمية، بالإضافة الى جهود مديرية المخابرات لملاحقة المهربين. وقد نجحت القوات البحرية، في عام 2020، في ضبط نحو 20 مركبا وتوقيف 596 شخصا وتسليمهم إلى السلطات المختصة، وكثفت دورياتها مع ارتفاع عدد عمليات التهريب”.

ووصفت القوى الأمنية رحلات الهجرة غير الشرعية عبر البحر بأنها “عملية خطيرة تنطوي على استغلال الأشخاص وتدخل ضمن إطار الاتجار بالبشر، وبالتالي فهي مخالفة للقانون، فقد تحول البحر المتوسط إلى مقبرة بعدما كان للتنقل والسياحة والتجارة”.

بين من نجح في الوصول إلى هدفه ومن خاب أمله وعاد أدراجه إلى لبنان، هناك من فقد حياته في البحر، ليرحل تاركا جرحا في قلب عائلته وأقاربه، منهم شادي رمضان (من حلب) الذي كتب عليه أن يلفظ آخر أنفاسه بعدما ابتلعه البحر، قبل أن يعثر على جثته.

وبحسب ما قاله والد زوجته، مظهر محمد ابن القبة، المقيم شمالي لبنان، لموقع “الحرة”، حلّت الكارثة في شهر سبتمبر من العام 2020، بعدما أغلقت جميع الأبواب في وجهه، حيث توقف عن عمله في بيع البوظة، وهو أب لطفلين”.

باع شادي أثاث منزله، عادت زوجته وطفليه إلى منزل والدها، وفي اليوم المنتظر ودّع الجميع من دون أن يتوقع أنه الوداع الأخير. وقال مظهر “الفقر هو السبب، فلم يتمكن من دفع بدل إيجار منزله، ولا شراء حليب وحفاضات لطفله، لهذا لم يقتنع عندما طلبنا منه عدم المجازفة، فلا شيء في لبنان كان يدفعه إلى إعادة التفكير بقراره”.

لم يسمح لشادي ومن في المركب أخذ الطعام والمياه معهم وبحسب مظهر “أطلعهم المهرب أن مركبا آخر سيتولى المهمة لكنه لم يصدق، وفوق هذا أضاع البوصلة، ليبقوا ثمانية أيام في عرض البحر حيث نفد المازوت ولا طعام ولا ماء لديهم”.

“قبل أيام أوقف الجيش اللبناني المهربين الذي تسببوا بإزهاق أرواح عدة أشخاص كانوا على متن الرحلة التي أنهت حياة شادي،” قال مظهر، الذي أضاف “يقع على كاهلي اليوم مهمة إضافية وهي تربية طفليّ ابنتي، وأنا سائق سيارة أجرة”.

إصرار رغم الانكسار
إذا كان الوضع كارثيا على جميع اللبنانيين، فإن وضع أهالي طرابلس بحسب عتريسي “قد يكون أسوأ من غيرهم، من هنا نجد أن الأعداد الكبرى للمهاجرين بطريقة غير شرعية هم من أبناء هذه المدينة الفقراء والمعدمين”.

ولفت إلى أن “المستوى التعليمي والثقافي يلعب دورا في المراهنة على الأمور غير المضمونة، إذ قلما نجد أستاذا جامعيا على سبيل المثال يختار مثل هكذا رحلات بحثا عن مستقبل أفضل”.

وعن تعرض أي مركب تابع لعدنان للغرق أو لتوقيف من قبل القوى الأمنية، أجاب المهرب “كلا، أنام مرتاح الضمير حامدا الله أن لا دم ولا روح برقبتي”.

ولفت إلى أن “المركب الأخير الذي لاحقه الجيش قبل حوالي الشهر ونصف الشهر، وكان على متنه 68 شخصا، ضم مخبرين التقطوا فيديوهات، وبعد إعادته إلى البحر تم فتح تحقيق، وعلى أثر ذلك أوقف أحد الرؤوس الكبيرة لعمليات التهريب”.

وتدعو مفوضية اللاجئين، كما قالت حرب، “إلى الإنزال الآمن للأشخاص الذين يعانون من محنة في البحر، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، وتواصل حملاتها التوعوية للاجئين حول المخاطر التي ينطوي عليها الشروع في مثل هذه الرحلات، ويحصل الذين يتم إنقاذهم في البحر أو إعادتهم إلى لبنان على الدعم الطبي والنفسي والمساعدة في حالات الطوارئ”.

وأكد المحامي زكريا الغول، من جانبه، أن تهريب الأشخاص عبر البحر يدخل في إطار الاتجار بالبشر الذي عرفته المادة 586 من قانون العقوبات بأنه “اجتذاب شخص أو نقله أو استقباله أو احتجازه أو إيجاد مأوى له، بواسطة التهديد بالقوة أو استعمالها، أو الاختطاف أو الخداع، أو استغلال السلطة أو استغلال حالة الضعف، أو إعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا، أو استعمال هذه الوسائل على من له سلطة على شخص آخر، بهدف استغلاله أو تسهيل استغلاله من الغير، ولا يُعتدّ بموافقة المجني عليه في حال استعمال أي من الوسائل المبينة في هذه المادة”.

لا تؤخذ بالاعتبار كما قال الغول لموقع “الحرة “موافقة المجني عليه أو أحد أصوله أو وصيّه القانوني أو أي شخص آخر يمارس عليه سلطة شرعية أو فعلية على ما يتعبر في القانون أنه استغلال”، ولفت الغول إلى أن “عقوبة الاتجار بالبشر لا تقل عن الخمس سنوات” سجنا.

أعيد زياد ومن معه إلى “الجحيم” على حد وصفه. وقال “لو فارقت الحياة في البحر لكان أسهل، فالموت مرة أفضل من الموت كل لحظة، وفوق هذا تم التحقيق معنا ومصادرة بطاقات الهوية والهواتف إلى هذه اللحظة”.

وأضاف “على الرغم من توقيف المهرب، لم نستعد أموالنا، أنا اليوم فقدت السقف الذي كان يأويني وعائلتي. عدت أدراجي إلى منزل والدي، كما أني فقدت عملي وأملي، فأين المفر؟”.

وعلى الرغم من تعرض ولدي مغربل للنصب، فإنه مستعد، بحسب قوله، أن يدفع بولديه إلى تكرار التجربة، لكن هذه المرة إن تأكد من أن الرحلة مضمونة.

وأردف قائلا “الواقع المزري الذي نعيشه يجعل من البحر الأمل الوحيد لنا”، لكن  أحمد الذي وصل إلى هدفه لا ينصح أيا شخص لديه عائلة بأن يقوم بتجربته “فالأمر أصعب من أن تصفه الكلمات أو يتخيله عقل، فقد لامسنا الموت في البحر مئات المرات”.

واعتبر عتريسي أن “الحل الوحيد للحد من هذه الظاهرة يكون من خلال وضع خطة اقتصادية اجتماعية لانتشال اللبنانيين من الانهيار شبه الكامل الذي يمر به بلدهم”، وحمّل الحكومات اللبنانية المتعاقبة  المسؤولية، كونها “لم توفر مقومات العيش الكريم للشعب اللبناني الذي بات يعتبر أن البقاء في وطنه لم يعد مجديا”.

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.