العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

السيد محمد حسين فضل الله

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

لن يكون “في دروب السبعين”، آخر نتاجات المرجع السيد محمد حسين فضل الله، وهو الصادر قبل أقل من أسبوع على غيابه (كتاب في الشعر، يوزع مجانا غدا الاثنين مع جريدة السفير)، لأن من كان بعمقه وسعة آفاقه وغزارة أفكاره، لا ينقطع ذكره وإن غاب، ولا يخبو فكره وإن نضب قلمه.

ولقد صدر للمرجع الراحل ما يربو على التسعين كتابا في مواضيع شتى، كأني بها شكلّت عناصر شخصيته. وتناولت هذه المؤلفات: الدين، الفقه، الفتاوى، في السياسة، الثقافة، العلم من وجهة نظر دينية، المرأة، قضايا اجتماعية وانسانية الخ…

إعلان Zone 4

ومن المتوقع، أن تكون أفكاره التي طرحها على مدى خمسين عاما من خمسة وسبعين كتبت له في الحياة، مصدر إلهام لطلبة العلم، وأهل النقد والفكر والمثقفين المنفتحين على بلورة أساليب الجدال، الذي لطالما دعا اليه العلامة الراحل، مستندا الى آية قرآنية تؤكد الجدال بالسبل الحسنى، والحوار العقلاني، لمواجهة تحديات لم تميز في آثارها السلبية بين المسلمين من كل المذاهب والمسيحيين، ولنا في فلسطين نكبة كبرى طالت الجميع على أيدي الطغاة الصهاينة.

 

وكان شرح في أحد كتبه الفارق بين الحوار والجدال، فقال: “الحوار يتمثل في إدارة الفكرة بين طرفين مختلفين، أما الجدال فيتجسد في إعطاء الحوار قوة العناد والاصرار عليها”، محددا خمسة عناصر يجب أن تتوافر في إدارة الحوار: “شخصية المحاور الذي يدير عملية الحوار، شخصية الطرف الاخر للحوار، إشاعة الجو الهادئ للتفكير المستقل، معرفة المتحاورين للفكرة، وأخيرا أسلوب الحوار”.

في فكر السيد الديني، الكثير من الفلسفة وعميق رؤاها، لكنها لم تخرج عن دائرة إيمانه الاعمق بإنسانية الانسان وواجب احترام هذا البعد الانساني، “لأن الدين جاء لخدمة الانسان، كما ان العلم يتحرك من أجل خدمة الانسان ايضا”.

من هنا كان له السبق المبكر في اجتهادات دينية لمواكبة قضايا العصر العلمية المستجدة “لأن أي حدث علمي نشعر بأنه يمثل تطورا في وعي الانسان من حيث اكتشافه لأسرار الخلق ويؤكد عظمة الله الخالق، ولكننا نتحفظ عن طريقة استخدام العلم، فهو قد يستخدم في الخير كما في الشر”، وفقا لما ذكره في المحاضرة الشهيرة التي القاها في الجامعة اليسوعية- بيروت، وتناولت أمورا طبية وعلمية.  ولطالما أبدع في أحكامه حول ربط العلم بالدين وعدم تناقضهما، “فالطب قد يكون مرجعا للدين” كما قال يومها، وأفتى بإجازة نقل اعضاء من متوف الى حي لانقاذ حياة انسان… وعن  التصوير الصوتي لتحديد مواصفات الجنين قال: “لا مشكلة لأن الله علمنا الادوات لكنه هو من خلق ما في الارحام”.

وقارب مسالة الحمل الاصطناعي، والسماح بالاجهاض “إذا كان خطرا على حياة الأم”، وباجراء عمليات التجميل “في اطار الضرورات”، وسمح “باستخدام وسائل منع الحمل، مؤكدا أنه لا ينبغي للمرأة ان تخضع لزوجها اذا أراد أن تحمل وهي لا تريد”.

وفي مسالة إنهاء حياة المريض، أعطى الراحل تفسيرا دينيا ونفسيا وعلميا، فأفتى، مستبقا الغرب، بجواز إنهاء الحياة برفع الاجهزة عن تنفس المريض “إذا أصبح دماغه ميتا”.

 

أما منبع إيمانه بالاتحاد أمام تحديات الامة واهلها، فقد جاء متمما لمبدأ طرحه لمقولة الحوار الانساني- الانساني، ولكن على قاعدة إحترام إرادة الشعوب المحرومة والمستغلة ثرواتها والمهدورة كراماتها، بعيدا من إنتمائها الديني والقومي والحضاري ولون البشرة.

 

وقد عكس مشهد التشييع وتقديم التعازي برحيله، صورة مكونات هذا الرجل، المرجع، العلاّمة، المحاور، المجتهد، المتنور، المثقف، المنفتح على الآخر، المتخطي حواجز المذهبية ضمن الدين الواحد، وعوائق الطائفية ضمن بلده لبنان الذي آمن به وبتنوعه، وبروعة الحرية التي تمنح أبناءه وساكنيه الكثير من حرية الانسان الفكرية،  والمنتشر الصداقات والتقدير  خارج الحدود والدول، والمؤسس لجمعيات خيرية وإنسانية تألقت في دنيا النجاح، وحاز بعضها جوائز عالمية تقديرا لعطائها النوعي (مؤسسة رعاية المكفوفين والصم والبكم وغيرها من مؤسسات ترعى الايتام.)

السيد فضل الله، المولود في مدينة النجف الأشرف (عام 1935) ،حيث كان والده المرحوم السيد عبد الرؤوف فضل الله قد هاجر اليها من بلدته بنت جبيل لتلقي العلوم الدينية، بدأ دراسته المنزلية في سن العاشرة على يد والده، وفي السادسة عشرة التحق بالحوزة الدينية. وكان من البارزين في تحصيله العلمي الذي مكنه من حيازة ثقة مراجع الدين الكبار، وتاليا نيله درجة مرجع ديني له الحق في إصدار الفتاوى، وممارسة التدريس على طلاب من أقرانه.

وعندما غادر النجف عام 1966 الى لبنان، كتب المرجع الديني الابرز في النجف، الامام الراحل محمد باقر الصدر تلك العبارة الشهيرة: “كل من خرج من النجف خسر النجف إلا السيد فضل الله، فعندما خرج من النجف خسره النجف”.

كانت حياته ثرية بالعطاء والتحديات، والابداع، والمؤسسات الناجحة، وما كتبته عنه الصحف، وما قيل فيه شفاهة، يعكس طبيعة “سماحة السيد” الجزيلة التنوع، طوال خمسين عاما من حياته الزاخرة .

لقد استطاع ان يقدّم الدين الاسلامي كفكر إنساني عالمي، معتمدا على أسلوبين: الحوار الهادئ، وأسلوب القوة، بمعنى نيل الاحترام من الفكر المختلف. ورفض العصبيات المذهبية والطائفية، فالدين عنده رسالة، أما العصبية الدينية فهي عامل إلغاء للآخر.      

ثمة الكثير مما كتب وسيكتب عن السيد فضل الله الانسان، المرجع، الجريء، صاحب العقل المتنور، والعقلاني، وفي كل الابواب والمجالات والمواضيع، التي لا مجال في هذه العجالة للإحاطة بها، ولو بإختصار شديد.

وعلى رغم حاله الصحية المضطربة في أيامه الأخيرة،  لم يوفر جهدا في متابعة كل صغيرة وكبيرة تمس حياة المسلمين ودينهم، فكان كتابه الصادر أخيراً عن «المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء»،( قبل نحو شهرين) علامة فارقة في مسيرته المشار إليها آنفا.

«الاجتهاد بين أسر الماضي وآفاق المستقبل» هو عنوان الكتاب، وعنه يقول الناشر إنه «نوع من التتويج التأصيلي الفقهي، يتصدى فيه لموضوع الاجتهاد، فيقدم نظرية لمناقشة هذا الموضوع المهم جدا، والذي بفتحه، يفتح الباب على التواصل مع العالم، وبإقفاله يعيش المسلمون حياة تنتمي الى الماضي”.

ويضيف الناشر في الصفحة الأخيرة للكتاب أن العلامة فضل الله “خارج الدائرة الإسلامية في عيون أولئك الذين عجزوا عن إدراك تحولات العصر».

يتألف الكتاب من 382 صفحة. وإذ يتناول مسألة «الربوبية وتعزيز الروابط الإنسانية»، «لأن الدين يحض الناس دوماً على المواساة والمساعدة حتى الإيثار»، فإنه يرفض مقولة إن «الدين أفيون الشعوب»، لأن المضمون الديني يقف بقوة، ليوجه المؤمن الى أن يعيش حالة القلق الإيجابي إزاء القضايا الكبرى، أو الجزئية، مما يجعل منه إنساناً يزرع، وينمي بذرة الثورة وحركية الاحتجاج». وفي العنوان المتعلق بـ«الإيمان والعقل: روئية قرآنية»، يتحدث بإسهاب، ويسوق الحجج والبراهين، ليقول: «أصبح القرآن عندنا قرآنا للبركة، واستخلاص الحظ، قرآنا للاستخارة، قرآنا لشيء أي شيء، ولكنه ليس قرآنا للمعرفة. فليكن إنساننا إنسان القرآن، وستكون النتائج تقدماً وتطوراً وحضارة”.

إلى «الإسلام ومواكبة الزمن»، حيث يتناول تحت عنوان «حيوية الاجتهاد الإسلامي» مسألة الربا في الواقع-المعاصر”.

إنه  الله سبحانه، الذي آمن السيد به وبعظمته،  وبالانسان الذي شغل باله “رجلا وإمرأة لأنهما يمثلان النفس الواحدة”، والانسانية التي تمناها أن تكون رحيمة تجاه الضعفاء لا سيما تجاه الأيتام. إنه أبو المؤسسات الخيرية والتربوية والاستشفائية والاجتماعية والثقافية.

إنه ناشر الفكر العقلاني “لمنع إجترار الماضي”. كما كان يردد. رحمه الله بواسع رحته. 

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.