العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الأجنبـي لا يتملّك فـي لبنـان.. إذا كانـت زوجتـه فلسطينيـة!

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

القانــون يســمح لكــن ثغــرات عــدّة تمنــع التطبيــق


«إسرائيل ارتكبت جريمة. الجريمة تظل قائمة ما دام جسد الجريمة موجوداً. تهجير الفلسطينيين هو إخفاءٌ لجسد الجريمة. وبقاء بيوتهم قائمة، يبقي الجريمة حيّة».
المحامي بالاستئناف د. صلاح الدين الدبّاغ
لا يحق للفلسطيني أن يتملّك بيتاً في لبنان، إلا في حالتين: إذا أتاه البيت بالإرث، أو إذا أتى هو لنفسه بجنسية أجنبية. لكن، حتى في هاتين الحالتين، لا يكون التملّك بديهياً.
قبل العام 2001، كان يحق للفلسطيني، مثله مثل رعايا كل دول العالم، أن يتملّك. وكان حينها يعامل معاملة العربي، في لبنان. إلا أن قانون العام 2001، منع عن الفلسطيني هذا الحق، بينما فتح مجالاً أوسع للتملّك أمام الأجانب على مستوى مساحة الأراضي.
حاول كثيرون معارضة هذا القانون، ودفع ناشطون حقوقيون فلسطينيون بعشرة نواب لبنانيين ليقدموا الطعن الدستوري فيه. ردّ الطعن، وسرى القانون. ومورس بقسوة شديدة، تفوق حتى قسوة النص الرسمي، ربما بمبادرات فردية في الدوائر العقارية، وربما نتيجة سوء فهم للقانون الصادر، وربما أيضاً بناء على تعميم رسمي غير معلن.
فلنسمّ القسوة «تشدّداً»، كي لا يضحي الكلام عاطفياً: قضى «التشدد» بمنع الحق بالتملّك حتى عن الفلسطينيين الذين يحملون جواز سفر أجنبياً، أميركياً أو كندياً أو سواهما. فنشط الحقوقيون مجدداً.
خرج نشاطهم، هذه المرة، بنتيجة، لا لأن الحق إلى جانبهم، بل لأن للجنسيات الأجنبية سطوتها، على الأرجح. فصدرت قرارات عن رئيس مجلس الوزراء في أواخر العام 2005، تؤكد حق حامل الجنسية الأجنبية بالتملّك، من دون العودة إلى جنسيته الأصلية.
اليوم، بتنا في مسألة تملّك الفلسطيني (على اختلاف «جنسياته») أمام واقع اختبر في شكله النهائي لسنوات أربع، أي مورس، ويُمارس يومياً، لكنه يبقى على غموضه.. إذ أن فيه ثغراً تشي بارتباكه كقانونٍ يسعى جاهداً لمنع عنصر واحد من التملّك (وهي عنصرية)، من دون أن يعترف بأنه قانون العنصر الواحد. قانون يواري الواقع، ويسمّيه بأسماء كثيرة، أكثرها ظلماً هو استثناء «رعايا الدول غير المعترف بها» من التملّك، وأكثرها فُجوراً هو تعبير «منع التوطين لحماية حق العودة». فالظلم هو أن تحرم «لاجئ»، والفجور هو أن تحرمه حقّاً بحجة الدفاع عن حقوقه.
حامل بطاقة اللاجئ ممنوع من التملّك، وهذا نهائي. لكن، هل يسمح القانون لحامل جواز السفر الفلسطيني بأن يتملّك، على اعتبار أنه من رعايا دولة «معترف بها»، نظراً لوجود تمثيل دبلوماسي فلسطيني في لبنان؟ لا، إذ «لا يحق لحامل جواز السفر الفلسطيني التملّك، ولا يحق للفلسطيني التملّك تحت أي ظرف»، بحسب مصدر مطلّع في دائرة الشؤون العقارية في وزارة المالية.
طيب، هل يحق لحامل الجواز الأجنبي من الفلسطينيين أن يتملّك؟ طبعاً، تقول القرارات الوزارية. لكن، لو كان حامل الجنسية الماسيّة هذه متزوجاً من حاملة «الفيروس» الفلسطيني، فلسطينية أباً عن جد، مثله، لكن بلا جواز أجنبي، فإن قدرته على تسجيل البيت باسمه (وليس باسمها) ستبقى مبتورة. كيف؟
لكي يسجّل أي أجنبي بيته في لبنان، عليه أن يأتي بورقة «نفي ملكية» من «العقارية»، ليؤكد أنه وعائلته لا يمتلكون أكثر من 3000 متر مربع في لبنان، وهي الحدود التي يسمح القانون للأجنبي بتملّكها. لو شاء أن يتملّك أكثر من هذه المساحة، يمكنه، بموجب قانون العام 2001، العودة إلى مجلس الوزراء، فيقرّها في إجراء روتيني (قانون يداعب طموحات المستثمرين الخليجيين تحديداً).
يقدّم الأجنبي أوراق عائلته الرسمية إلى «العقارية»، فتمنحهم الدائرة ورقة نفي ملكية، تتيح لهم تسجيل البيت. لكن سكة الأجنبي الفلسطيني ستتوقف عند ورقة نفي الملكية هذه، وسيواجه طلب الحصول عليها بالرفض، لأن زوجته فلسطينية. يقول مصدر تنفيذي في «العقارية» إن مردّ ذلك هو أن «القانون يعامل الفرد وزوجته وأولاده القاصرين معاملة الشخص الواحد». وبالتالي، سيمنع هذا الفلسطيني ـ الأجنبي من التملّك لأن زوجته ـ ووريثته المرتقبة ـ فلسطينية، والقانون يمنع الفلسطينيين من التملّك. حتى أن المصدر يسأل مستهجناً عن سبب وقوع الأجنبي ـ الفسطيني في هذا «الخطأ»: «لماذا لم يضمّها إلى جنسيته، قبل أن يشتري بيته؟ أو، لماذا لم يسجّل البيت، قبل أن يتزوجها؟!». الحلول ممكنة، إذاً.. لكن في بلد آخر عليها أن تقيم فيه لمدة خمس سنوات، فتستحق جنسيته، ثم تعود لتتملّك مع زوجها هنا. هل هذا الإجراء قانوني؟ يؤكد كل من المحامي والناشط الحقوقي د. صلاح الدين الدبّاغ، والكاتب العدل الأستاذ عدنان حسامي، ومدير «مركز التنمية الإنسانية» الفلسطيني د. سهيل الناطور، والمصدر المطلّع في «العقارية»، لا قانونية هذا الإجراء.. رغم وقوعه، و«السفير» تحصّنت بحالة فردية لإثبات وقوعه.
حالة فلسطينية أخرى، يحق لها التملّك شرعاً، لكن الممارسة شائكة وغامضة على أرض الواقع: إنه الوريث. فلننظر إلى حالة ابنة تلك السيدة الفلسطينية التي تملّكت بيتاً في لبنان قبل صدور قانون العام 2001. توفيت الوالدة، فلم يسمح القانون بنقل ملكية البيت إلى ورثتها، زوجها وأولادها. ماذا حلّ بالبيت؟ تحايلٌ على القانون المتحايل: كتب الأولاد تنازلاً للوالد عن أموال الوالدة (وفي طياتها، يختبئ البيت)، وبات بموجبه يحق للوالد البيع إذا شاء، البيع فقط، على أن يبقى البيت باسم الراحلة. يسجّل حسامي هنا ثغرة قانونية، على اعتبار أن الورثة يملكون ولا يملكون.
فيبقى الإرث ملكاً افتراضياً لا يتجسد إلا لحظة البيع إلى آخرٍ غير فلسطيني. عندها، يستخرج الفلسطيني البائع سندَي تملّك وبيع في جلسة واحدة عند الكاتب العدل، فيمتلك لثوانٍ بيتاً عاش فيه وورثه، قبل أن يبيعه. وتلك الثغرة الثانية التي يشير إليها حسامي: كيف يملك ليبيع فقط؟ وكيف يبيع من لا يملك؟
إذاً، الحالات التي تجيز للفلسطيني التملّك هي حالات «غامضة»، إما يصونها القانون نصاً ولا يطبقها فعلياً، أو يرتبك القانون والتطبيق أمامها، فيكون الخيار الأسرع بالمنع.
من هنا، ننطلق. وإلى المنع، نصل. وعلى الطريق، نصطدم بالثغر القانونية، والقصص الفردية، والغموض في تورية ما تتفادى السطور الواضحة قوله.
يبدو أن الطريق إلى حق العودة مفخخ بالنوايا «الحسنة».
تبدأ القصة من العام 2001، عندما صدر مرسوم عن حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري يقضي بأنه: «لا يجوز تملّك أي حق عيني من أي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها، أو لأي شخص إذا كان التملّك يتعارض مع أحكام الدستور لجهة منع التوطين» (منشور في الجريدة الرسمية العدد 15 تاريخ 5/4/2001). حينها، قرر المحامي د. صلاح الدين الدبّاغ وناشطون حقوقيون «التقدّم بطلب من المجلس الدستوري طعناً بدستورية هذا القانون كونه يخالف الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي تمنع التمييز ضد المقيمين في أرض ما. ولبنان وقّع على هذه الاتفاقات الدولية. وهي تسري على القوانين. أي: في حال تعارض النص القانوني مع نص المعاهدة، يطبّق نص المعاهدة».
يحتاج طلب الطعن إلى توقيع عشرة نواب عليه: «فجمعنا عشرة نواب، كان بينهم نواب وقّعوا على قانون المنع (!)، وطعنّا بهذا المشروع في المجلس الدستوري. لم ينجح الطعن، ردّه المجلس الدستوري لأسباب قانونية قابلة للأخذ والرد، لكن ربما، كان موقفاً سياسياً أكثر منه موقفا قانونيا».
المهم، «ذلك كان السبيل الوحيد الذي لجأنا إليه، ولم ننجح. فالطريقة الوحيدة للطعن بقانون صادر عن المجلس النيابي، تكون عبر المجلس الدستوري».
النواب العشرة هم: نزيه منصور، محمد يحيى، مروان فارس، جهاد الصمد، علاء ترو، محمد قباني، وليد عيدو، عبد الرحمن عبد الرحمن، سيرج طورسركيسيان، محمد رعد.
الاتفاقية الدولية هي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، في الفقرة الأولى من المادة 17: «لكل فرد حق التملّك بمفرده أو بالاشتراك مع غيره». وفي المادة الثانية: «لكل انسان حق التمتع بكل الحقوق والحريات الواردة في هذا الإعلان، دون أي تمييز».
أما تذليل عقبة «منع التوطين» فأتت في طلب الطعن على الشكل التالي: «التوطين، الذي حظرته مقدمة الدستور، يعني إعطاء الفلسطينيين وطناً بديلاً من وطنهم فلسطين، وذلك يكون بإعطائهم الجنسية اللبنانية وما يستتبع ذلك من حقوق سياسية. أما الحقوق المدنية الأخرى، بما في ذلك حق التملّك العقاري، فلا تدخل ضمن الحظر المذكور».
بعدما تسلّح المجلس الدستور ببنود واردة في الاتفاقيات ذاتها تتيح للدول التملّص من بعض الحقوق التي وعدت بصونها، بات القانون سارياً.
عندها، ماذا حلّ بمن كانوا يسددون أقساط أملاكٍ لم يعد لهم الحق فيها؟ يقول د. سهيل الناطور: «منهم من اتفق مع صاحب الملك على تسوية، ومنهم من خسر ماله، ومنهم من اتفق على البيع لطرف ثالث يرد للفلسطيني ماله ولصاحب العقار ما تبقى من ثمن عقاره».
المشهد إذاً يشبه كثيراً اليد الممدودة لسحب اللقمة من فم.. لاجئ.
إرثي ليس ملكي
لم يشمل قانون العام 2001 الملاكين الذين سبق تملّكهم لعقار موعد صدور القانون. فالفلسطينيون عاشوا حياة طويلة ما بين النكبة وصدور القرار، وخلال هذه المدة، لم يكونوا أقل فلسطينية أو أقل «رغبة بالعودة» مما هم عليه اليوم، أي بعد صدور القرار. لكن، ما لنا وما لـ«حق العودة»، فكل باحث تطبيقي فيه يعرف أنه قنبلة صوتية لا تستخدم لغير المنع.
في حالتهم، تطرح الأسئلة على مستوى التوريث. هل يحق للوريث أن يمتلك إرثه؟
في البدء، يجب توضيح نقطة متعلقة بالأوقاف الإسلامية. فالناطور، ونصوص كثيرة منشورة في الصحف وعلى الإنترنت، تؤكد أن الأوقاف الإسلامية ترث ملك الفلسطيني، نتيجة منع الدولة ورثته من التملّك. إلا أن المدير العام للعلاقات العامة والإعلام في «دار الفتوى» الشيخ خلدون عريمط ينفي ذلك لـ«السفير» نفياً تاماً، ويشرح العلاقة بين الفلسطينيين وأملاكهم والدار على النحو التالي: «دار الفتوى لا ترث الفلسطيني، ولا أساس لفرضية أن الدار توقع عقوداً مدتها 99 سنة تبقي الوريث في بيته، بعد رحيل المالك / الأب. على مستوى الشرع والأحوال الشخصية، تربط الدار بالفلسطينيين العلاقة ذاتها التي تربطها بأي مسلم آخر، سواء كان مصرياً أو سورياً أو سواها. ولا تمتلك دار الإفتاء أرض أي مخيم. لكن، في بعض المناطق كالبقاع وشبعا والضنية وسواها، يمكن لفلسطيني أن يستثمر وقفاً لدار الإفتاء، مثله مثل أي مستثمر آخر».
وأكد أن الدار لا ترث إلا المسلم الذي ثبت ألا وريث له.
ما يؤكده، على المستوى التطبيقي، الكاتب العدل عدنان حسامي أيضاً.
فقانون الأحوال الشخصية اللبناني يعتمد الشرع الطائفي. هنا، يذوب الفلسطيني في الطائفة السنيّة المنتشرة في أصقاع العالم، ولا يعود ابن جنسية وأرض. هذا الذوبان، الذي لا يصون حق العودة أبداً، قد يصون للوريث ملكاً عقارياً.
لا عقبة إذاً أمام التوريث؟ بلى.
مهى ميقاتي (فلسطينية متزوجة من لبناني) هي ابنة لأب وأم فلسطينيين. ابتاع والدها بيتاً «من زمان، قبل المرسوم»، وتأخر ليسجّله: «كان التسجيل غالي كتير على الفلسطيني، كلفته حوالى عشرين مليون ليرة. فبقينا على عقد البيع الممسوح، لحدّ ما إجى الرئيس (سليم) الحص، وخفّض الكلفة للفلسطيني، وساوانا ببقية الناس. دفع الوالد وقتها 8 آلاف دولار، وسجّله في الدائرة العقارية باسم الوالدة».
عقد البيع الممسوح هو العقد الذي يجريه البائع والشاري عند الكاتب العدل، مدة صلاحيته عشر سنوات، لكن «لا تنتقل الملكية العقارية والحقوق العينية إلا من تاريخ قيدها في الصحيفة العقارية»، يشرح حسامي. ما يعني أن التملّك يتم قانونيا لحظة تسجيل عقد البيع الممسوح في «العقارية». بغير ذلك، يبقى البيت في «العقارية» باسم مالكه القديم، الذي يمكنه أن يحتال مدّعياً ضياع سند الملكية، فيستخرج سواه، ويستعيد الملك من مشتريه.
في قصة مهى، خرج الوالد من دائرة خطر العقد الممسوح، وسجّله عندما عاد الرئيس الحص إلى الحكم في العام 1998.. قبل أن يعود الرئيس الحريري إلى السلطة، ويصدر قانون العام 2001: «زمطنا بتسجيله!»، تقول مهى.
يشرح الناطور الأجواء التي تلت خفض كلفة التسجيل ومهّدت لصدور القانون: «بقينا خمسين سنة قبل القانون، ولم نتملك إلا عدداً محدوداً من العقارات، مع أننا كنا هنا، ومرت فترة الثورة الفلسطينية بكل أموالها، وبالرغم من ذلك، لم نهجم على العقارات قبل 2001 من أجل التسجيل. يقول (النائب) نعمة الله أبي نصر إننا إذا أخذنا لوائح طلبات تسجيل العقارات في الفترة التي سنّ فيها القانون، نجد أنه قد ارتفع فيها عدد الفلسطينيين بشكل لافت. القضية ليست هكذا، فهذا تشويه. لأن الكثيرين كانوا قد اشتروا عندما كانت الضريبة على التسجيل العقاري 12.6 في المئة، وعندما خفضت الضريبة العقارية إلى 6 بالمئة، بدأ الذين لم يكونوا قد سجلوا عقاراتهم، يتحركون من أجل التسجيل، فجاء القانون ليمنع الفلسطيني من التسجيل».
مرت الأيام، وتوفيت والدة مهى، «فعملنا حصر إرث، وقال لنا الكاتب العدل إنو ما فينا نتملّك لأننا فلسطينيون، لازم نسجّله باسم واحد لبناني، وبيعمل اللبناني ورقة عند الكاتب العدل بقيمة سعر البيت لإلنا». لكنه أوجد لهم مخرجاً، أيضاً: «عملنا وكالة للبابا بكل أموالها بشكل عام، مش البيت بشكل خاص. وصار البابا اليوم بيقدر يبيع. بس بيقدر يبيع. والبيت بعده بإسم الماما».
يقول مصدر مطلع في «العقارية» لـ«السفير» إنه «يحق للاجئ أن يرث ويتملّك الإرث إذا توفي المالك، وكان اللاجئ هو الوريث الشرعي له وحق انتقال الملكية له. لكنه لا يرث إذا كان المتوفى يملك عقد بيع ممسوحا (غير مسجّل في العقارية)، ولا يحق للوريث تسجيل الملك باسمه، فيدفع رسوم الإرث والضريبة إلى حين البيع». إلا أن حالة مهى تؤكد المنع، رغم أن البيت مسجّل في «العقارية». هذه ممارسة لا ينص عليها القانون، لكنها مطبقة وسارية بكل تبعاتها على حيوات الناس.
ويؤكد الكاتب العدل عدنان حسامي أن «القانون يعاقب بالسجن لمدة ستة أشهر وبغرامة قدرها عشرة أضعاف ثمن الحق العيني، الكاتب العدل الذي يسجّل ملكاً باسم فلسطيني، أياً كانت الحالة». كيف تجري الأمور إذاً؟ يشرح حسامي: «إذا الورث فلسطيني، عليه، كسواه، أن يصرّح للمالية عن الوفاة، ويدفع ضريبة كي لا تلحقه غرامة». لا يتملك ما دفع ضريبته، إذاً؟ «نعم، هذه ثغرة في القانون. لا اسم لحاله، هو: مات أبوه!».
الثغرة الثانية تكمن في إمكانية التسجيل لحظة البيع إلى طرف غير فلسطيني: «فتنتقل الملكية مباشرة من الأب المتوفى إلى المالك الجديد. ويبيع الوارث عقاراً لم يملكه!». باختصار، يرث اللاجئ ملك والديه، بالبيع.
تلك هي الحالة الوحيدة التي يحق فيها للاجئ التملّك.
بيتٌ بجنسية أجنبية
فلنخرج من هذه الدائرة المقفلة، وننتقل إلى فضاء أقل ضيقاً أوجده الفلسطينيون لحيواتهم الممنوعة من الصرف: الجنسية الأجنبية.
لسنوات طويلة، اجتهد سليم حتى فاز بالجنسية الكندية. بفضلها، بات أجنبياً في لبنان، ما يعني أن الحقوق ستهلّ عليه من كل حدب وصوب، كما أن الواجبات ستتقلص خجلاً عند رؤية أجنبي في لبنان.
تزوج سليم من فتاة فلسطينية مقيمة هنا، بلا جواز سفر أجنبي. أنجب منها طفلة تضحك للقمر، واشترى بيتاً لعائلته الصغيرة. حصل من الكاتب العدل على «عقد بيع ممسوح»، واتجه إلى «العقارية» طالباً ورقة نفي ملكية، تمهيداً لتسجيل بيته باسمه.
«نفي الملكية» يتطلب تقديم أوراق العائلة الرسمية، مع أن «أفراد عائلته فلسطينيون، ولا يحق لهم أن يسجّلوا أملاكاً بأسمائهم، وبالتالي، هذه براءة ذمة كاملة. وبالتالي، يجب أن يعطى، وفقاً للقرار الصادر عن رئيس الوزراء في العام 2005، نفي الملكية، ويسجل بيته. غيره فعل ذلك، وحصل على التسجيل»، يقول الناطور.
إلا أن سليم لم يحصل على ورقة نفي الملكية، تحديداً لأن زوجته فلسطينية، ولأن «القانون يعامل الرجل وزوجته وأولاده القاصرين معاملة الشخص الواحد»، يقول المصدر التنفيذي في «العقارية».
يستنكر كل من الدبّاغ والناطور وحسامي عدم حصول سليم على ورقة نفي ملكية. ويقول الدبّاغ: «يعاملون معاملة الشخص الواحد بالنسبة إلى ما يملكون في لبنان فقط لا غير، لأنه إذا تجاوزت أملاكهم 3000 متر مربع، أرضاً وليس بناء، يتوجب عليهم الحصول على ترخيص، بمرسوم من مجلس الوزراء. فإذاً، هدف الطلب من الدوائر العقارية وغايته، فقط، هو معرفة ما يتملكون، ولا علاقة له بجنسية المتملك. جنسية المتملك هي جنسية الشخص الذي طلب التملّك، لا غير».
ويشرح الدبّاغ تاريخياً، منذ العام 2001، مصدر هذا التمييز، وكيف عولج: «بعدما صدر قانون العام 2001، أخذت الدوائر العقارية تمنع كل من له أصل فلسطيني من التملّك. أنا شخصياً رحت أتابع قضية تملّك واحد مولود في قرية في الضفة الغربية، يحمل جواز سفر أردنياً. فلم يعرفوا ما إذا كانت هذه القرية تقع في الأردن أم في فلسطين. طلبوا أن يأتي بأوراق زوجته. زوجته، من مواليد القدس. فقالوا له: لا يجوز التسجيل. قلنا لهم: طيب، نسجّل باسم أولاده المقيمين في أميركا وحملة الجنسية الأميركية. قال: آتني بأبيهم وجدّهم، أين كانا؟ قلنا: يا جماعة، هذه المعاملة غير قانونية. فأنتم يا دوائر عقارية، تخالفون القانون. أجابني: نحن نفسّره هكذا. لكن التفسير واضح، لا يتطلب شطارة. إنهم يجتهدون خطأ. ذهبنا إلى الرئيس فؤاد السنيورة، وكان رئيس الوزراء حينها، وقلنا له: يا دولة الرئيس، هذا ما هو متّبع لديكم وهو مخالف للقانون.. فإذا أردت، ليتك تعمم على الدوائر العقارية عكس ذلك. واستجاب!».
يقول القرار الصادر عن رئاسة الوزراء، والموجّه إلى «دائرة الشؤون العقارية في وزارة المالية»، بتاريخ 15 كانون الأول 2005، التالي: «بما أن التملّك في الحالة المذكورة هو لشخص يملك جنسية دولة معترف بها، بصرف النظر عن مكان ولادته أو ولادة زوجته أو أحد أصوله أو فروعه، وبما أن التوطين يتعلق فقط بالفلسطينيين الذين لا جنسية لهم، وبما أن القول بخلاف ذلك يشكّل مخالفة للقانون، لذلك، نطلب إليكم تمكين كل شخص يحمل جنسية إحدى الدول التي يعترف بها لبنان من الحصول على إفادة نفي ملكية من أجل التملّك، وفق الأصول المتبعة».
القرار موقّع، بوضوح، باسم «رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة».
يكمل الدبّاغ: «وأرسل الرئيس السنيورة التعميم، وسارت الدوائر العقارية على ذلك».
لكنها لم تسر على ذلك في حالة سليم. يؤكد الدبّاغ: «الدوائر العقارية، إذا لم تأخذ بجنسية الشخص، وبصرف النظر عن جنسية زوجته وأولاده، فهي مخطئة. وهي تتجاوز القانون. العبرة هي في الشخص الذي يتملك. منعه من نفي الملكية هو تدبير تعسّفي وتدبير غير قانوني. العبرة هي في شخصية الشخص الذي يتملك، بصرف النظر عن زوجته وأولاده. وإذا جاء الجواب بنفي ملكية، تسجّل الملكية، ورفض تسجيلها هو موقف تعسّفي. دخلك، اللبناني المتزوج من فلسطينية، وهي بقيت على جنسيتها، ألا يحق له أن يتملك؟».
وتأكيداً على ذلك، يجزم المصدر المطلّع في «العقارية»، بأنه «يحق لحامل الجنسية الأجنبية أن يتملّك، بغض النظر عن جنسية زوجته. كما يورثها الملك، بعد وفاته».
وبعد أن يؤكد حسامي أيضاً أن «رفض منع الكندي من أصل فلسطيني ورقة نفي ملكية، هو عرقلة إدارية، وممارسة لا يوردها القانون»، يكشف أن وزارة المالية بلّغت الكتّاب العدل بقرار منذ ثلاثة أشهر لا أكثر يفيد بأنه «لا تمنح وكالة غير قابلة للعزل (عقد بيع ممسوح صالح لعشر سنوات) من دون حصول المشتري على سند نفي ملكية». قبلها، يشرح حسامي، «كنا نجري عقد البيع الممسوح، من دون ورقة نفي ملكية، على أن نضمّ إلى العقد تعهداً من المشتري بأنه سيأتي بإفادة نفي الملكية عند التسجيل في الدوائر العقارية».
خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، إذاً، ما كان سليم ليشتري بيته حتى، وما كان ليحصل على عقد بيع ممسوح، من أصله. الآن، هو عالق بين القانوني وغير القانوني، وبيته عالق في عقد بيع مدة صلاحيته عشر سنوات لا أكثر، يمكن لصاحب الملك أن يستخرج سند ملكية من العقارية، بدلاً من ضائع مثلاً، ليخرجه من بيته، ويستعيد البيت بحيلة قانونية جداً.
ماذا يمكن لسليم فعله، في هذه الحالة؟ يجيب الدبّاغ: «يمكنه: إما مراجعة رئيس مجلس الوزراء، أو تقديم طعن أمام مجلس الشورى».
سكّة ليست ســـهلة، بل بالعكس تماماً، شاقة! تماماً كسكّة العودة.

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.