العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

المكتب الثاني حاكم في الظل كتاب عن العلاقات الاستخباراتية بين سورية ولبنان.. الجزء الاول

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

يتناول كتاب «المكتب الثاني، حاكم في الظل» لنقولا ناصيف (دار «مختارات»)، سيرة جهاز الاستخبارات العسكرية اللبنانية بين عامي 1945 و1982 من خلال سيرة اربعة رؤساء تعاقبوا على الشعبة الثانية اللبنانية التي عُرفت تقليدياً بـ «المكتب الثاني»، هم انطون سعد وغابي لحود وجول البستاني وجوني عبده، ويروي من خلالهم الدور الذي اضطلعت به الاستخبارات اللبنانية وموقعها في السلطة وتدخلها في الحياة الوطنية والسياسية.

ويحاول الكتاب اجراء قراءة امنية للمرحلة السياسية التي حكم من خلالها هؤلاء ومعاونوهم لبنان، معوّلاً على شهادات عشرات من الضباط عملوا في الجهاز، بعضهم جهر بوجهة نظره ودوره وأسهب، وبعضهم الآخر رغب في عدم الإفصاح عن اسمه.

إعلان Zone 4

ويكشف كمّاً كبيراً من المعلومات عن الطريقة التي بُنيت بها الشعبة الثانية ورجالها، ويتحدث عن مخبريها وخططها ووثائقها وعلاقتها برئيس الجمهورية، وتجاوزها اياه مراراً، وكذلك بالاستخبارات المصرية والسورية. وعلى رغم انه يصف «المكتب الثاني» بأنه جهاز غير دموي وغير قاتل، الا انه يؤكد انه انخرط الى حد ما في اللعبة الموبوءة للاستخبارات. اذا كان لكل من تعاقب على رئاسته مشروع سياسي كبير روّض «المكتب الثاني» من اجل تحقيقه، فأصاب وأخفق، ولم ينجُ من التهم والتشهير.

وعلى امتداد 40 عاماً من حياة الاستخبارات العسكرية اللبنانية، يفرد الكتاب، الى دورها في الانتخابات الرئاسية والنيابية والتعقب والتنصت والملاحقة والتدخل السياسي، في كل من الفصول المتعلقة بأنطون سعد وغابي لحود وجول البستاني وجوني عبده، صفحات عن العلاقة التي سادت بين الاستخبارات اللبنانية والسورية خصوصاً في حقب الخلافات والنزاعات الحادة، وينشر محاضر عن محادثات سرية بين الجهازين كشفت الى حد بعيد الطموحات التي كتمتها الاستخبارات السورية سعياً الى دور سياسي فاعل في لبنان. كما يورد احداثاً وفصولاً ومحاضر عن العلاقات اللبنانية – الفلسطينية في بعدها الأمني، وعن علاقات مماثلة بأجهزة دول عربية كمصر والعراق في مراحل شهدت تعاوناً ثنائياً، ووثائق عسكرية سرية اتصلت بأدوار اضطلعت بها الشعبة الثانية. الحلقة الأولى تتطرق الى العلاقات اللبنانية – السورية في مرحلة ترؤس انطون سعد الشعبة الثانية في عهد الرئيس فؤاد شهاب، ومحاولة كل من الجهازين اختراق الآخر لجمع المعلومات وتعطيل دوره.

ترجّحت العلاقات اللبنانية – السورية في عهد الرئيس اللبناني كميل شمعون (1952 – 1958) بين الدفء والبرودة، فاستقرت في السنتين الأوليين متأثرة بصداقة قديمة جمعت شمعون بالعقيد أديب الشيشكلي (رئيس الظلّ في سورية عام 1951) الذي دعم انتخاب الرئيس اللبناني وحضّ نوّابًا لبنانيين وثيقي الصلة به على الاقتراع له. وبعد إطاحة الشيشكلي (عام 1954) مالت العلاقات تدريجاً إلى البرودة، ثم إلى تدهور وخلاف عميق كان النزاع السياسي والعقائدي بين شمعون وجمال عبدالناصر أبرز جذوره، إلى أن بلغت خصومتهما ذروتها عام 1957 ثمّ في «ثورة 1958». سنتذاك، كانت الجمهورية العربية المتحدة أعلنت بزعامة عبدالناصر الذي ترأس منذ 22 شباط (فبراير) 1958 الإقليم الجنوبي (مصر) والإقليم الشمالي (سورية) في جمهورية الوحدة.

لكنّ جزءاً رئيساً من عدم استقرار العلاقات منذ النصف الثاني من عهد شمعون، ارتبط إلى حدّ كبير بعدم استقرار سورية بعدما شهدت إنقلابات عسكرية عدة تولدت منها أزمات سياسية حالت دون نجاحها في ترسيخ أدوار أجهزة الاستخبارات التي أصبحت، بدورها، أسيرة الفوضى السياسية. فاستمرّت وظائف الاستخبارات الثلاث، المخابرات العامة والمخابرات العسكرية والأمن السياسي، في جهاز واحد يديره عبدالحميد السرّاج مذ تسلّم رئاسة الشعبة الثانية السورية في شباط 1955.

وبعدما كان السراج مرافقًا لحسني الزعيم برتبة ملازم أول في الشرطة العسكرية، وَالَى أديب الشيشكلي وكان في عداد رجال انقلابه ثمّ في حقبة حكمه، ثمّ وَالَى من بعده خلفه شكري القوتلي العائد إلى السلطة بقوّة الجيش. فلزم موقع الاستخبارات السورية في عهد الأخير ثمّ في ظلّ حكم عبدالناصر. جاء إلى الشعبة الثانية من الشعبة الأولى بعد دورة أركان عسكرية في فرنسا ، وأصبح الرجل القويّ في الاستخبارات السورية ومن ثمّ استخبارات الإقليم الشمالي حتى إعلان الانفصال عام 1961. وعرف عنه انه ذو مزاج حاد ومتطرّف ونزق وفجّ، من دون تخليه عن الشجاعة. يأمر بتسلط ويغالي في الخوض في التفاصيل مضفياً على أسلوب عمله التخويف والترهيب والهيبة.

وكان أبرز مساعدي السرّاج الوثيقي الصلة بعلاقات الإستخبارات مع لبنان برهان أدهم الذي ترأس الفرع الداخلي، وهو الاكثر تأثيراً ونفوذاً وجمعاً للمعلومات في الاستخبارات السورية وعصبها الرئيس. وعلى طرف نقيض من تشدّد أحمد سويداني وفظاظة عبدالكريم الجندي، عرفت الشعبة الثانية اللبنانية في أدهم شخصية دمثة ومحاوراً لبقاً، نيطت به إدارة علاقة الإستخبارات السورية بالاستخبارات اللبنانية وبإطلاق يد الإستخبارات السورية في العمل داخل الأراضي اللبنانية خصوصًا إبّان «ثورة 1958».

اتسم العمل المشترك بين البلدين بالبرودة، إلاّ أنّه أتاح حدّاً مقبولاً من علاقات التعاون عبر رجال السرّاج، وهم إلى أدهم، النقيب عبدالوهاب الخطيب الذي حلّ في رئاسة الفرع الداخلي خلفاً لأدهم في الشهور الأخيرة من الوحدة، والمقدّم شوقي الدقّاق، ومدير المباحث العامة المقدّم مروان السباعي، ورئيس فرع الإستخبارات في حمص النقيب عبده حكيم. بيد أنّ المرحلة الأكثر تشنجًا بدأت في النصف الثاني من عام 1957، عندما بدأ، بدعم من السرّاج ورجال الشعبة الثانية السورية، بثّ الفوضى في لبنان بتهريب أسلحة من مصر عبر سورية إلى معارضي شمعون، بالتزامن مع أعمال تخريب في مناطق لبنانية عدة اضطلع بها سوريون وفلسطينيون ، وبلغت ذروتها في 12 أيلول (سبتمبر). اذ اشتبك الدرك اللبناني في دير العشائر، عند الحدود اللبنانية – السورية، مع مسلحين سوريين ولبنانيين كانوا يهرّبون أسلحة فسقط 11 قتيلاً وعشرات الجرحى. كما مارست دمشق ضغوطًا إضافية على لبنان بالتضييق على تصدير سلعه وإنتاجه الزراعي أو استيرادها وإغلاق الحدود إعتباطًا. ومع توقيع وثيقة الوحدة بين مصر وسورية في الأول من شباط 1958، أخذ تدخّل الإستخبارات المصرية والسورية في الشؤون اللبنانية يتفاقم ويتخذ منحى جديداً في ظلّ حماسة أظهرها فريق كبير من اللبنانيين، خصوصاً المسلمين، لتلك الوحدة، فاتسعت دائرة تهريب الأسلحة إلى لبنان، وتسلّل جنود سوريون بلباس مدني لزرع الاضطرابات في الداخل اللبناني، وألقيت متفجرات في الشوارع، إلى أن انفجرت في 8 أيار (مايو) «ثورة 1958».

وبمقدار ما تردّدت الشعبة الثانية اللبنانية في الاستخبار داخل سورية، وإن من غير أن تتخلى عنه، راقبت نظيرتها انتقال الرعايا السوريين إلى لبنان وحاولت تقصّي المعلومات عنهم ومعرفة المعادين للنظام من بينهم بعدما تبيّن للسرّاج أنّ مئات من الشيوعيين السوريين لجأوا إلى هذا البلد ولم يُستجب طلبه ترحيلهم منه. وكان قد تأكد للسلطة اللبنانية في 24 حزيران 1961 أنّ عدد هؤلاء قارب 300، أُدرِجت أسماؤهم في قائمة رسمية. وكان ثمّة قلق سوري دائم من وجود خلايا عاملة ضدّ النظام السوري من الأراضي اللبنانية، شأن اكتشاف الشعبة الثانية اللبنانية في 20 آب (أغسطس) 1960 شبكة تخريب بقيادة السوري جويكار فاضل نعمان كانت تخطط لقلب نظام الوحدة، وشأن ما كُشِفَ عنه لاحقاً من أنّ رجال الانفصال الذين قادوا انقلاباً عسكرياً في سورية ضدّ عبدالناصر والجمهورية العربية المتحدة أعدّوا لتمرّدهم في مؤتمر عقدوه في بلدة شتورة (شرق لبنان)، ناهيك باتهامات سورية للبنانيين بالتعاون مع الاستخبارات الأردنية المناوئة لجمهورية الوحدة وللزعيم المصري، وتسهيل نشاطات سياسية أدارتها السفارة الأردنية في بيروت ضدّ الجمهورية العربية المتحدة ونفّذها أعضاء في الحزب السوري القومي الإجتماعي والحزب الشيوعي اللبناني. وبرّر هذا الاعتقاد الدور البارز الذي اضطلعت به في الخمسينات الاستخبارات الأردنية من خلال سفارتها في بيروت، في ظلّ علاقة وطيدة جمعت شمعون بالملك حسين، فأتاحت ثقة الرئيس اللبناني بالملحق العسكري في السفارة عمر المدني اطلاعه على كمّ كبير من المعلومات عن النشاطات الناصرية وتحرّكات مؤيديها في لبنان، فضلاً عن معلومات مماثلة عمّا كان يجري في سورية.

وتحت وطأة تهديد سورية بإغلاق حدودها مع لبنان، اتخذ المدير العام للأمن العام المقدّم توفيق جلبوط في 29 تشرين الأول إجراءات قيّدت اللجوء السياسي إلى لبنان بشروط متشدّدة أعلن عنها بلاغ حمل الرقم 1374 أصدره رئيس الحكومة وزير الداخلية صائب سلام بعدما أحيط سفير الجمهورية العربية المتحدة عبدالحميد غالب علمًا بها.

تجسس متبادل

في موازاة ذلك تعاون السرّاج وبرهان أدهم مع أنطون سعد في علاقات لم تتخطَ كثيرًا الطابع الشكلي الباهت والمحدود، بسبب فقدان متبادل وعميق للثقة بين جهازي الإستخبارات في لبنان وسورية محاصرين بالشكوك والريبة، من دون أن يحول ذلك دون مجازفة كلّ منهما اختراق مخبري الآخر وتجنيدهم لديه للحصول على المعلومات. فتسلّل كلّ منهما إلى نطاق الآخر من ضمن اهتمام متفاوت اكتسب خصوصية مضاعفة لدى الضبّاط السوريين، الكثيري القلق من نشاطات معارضيهم اللاجئين أو الفارين إلى لبنان. فكانوا يرسلون الى لبنان ضبّاط استخبارات لجمع معلومات عنهم إمّا لخطفهم أو تصفيتهم، أو كشف شبكات علاقاتهم وتنقلاتهم واتصالاتهم بالشخصيات اللبنانية أو العربية المتعاونة معهم، والحصول على معلومات عن نشاطات السياسيين اللبنانيين المناوئين للنظام السوري، قبل الجمهورية العربية المتحدة وفي ظلها.

وتفهّمت الشعبة الثانية مخاوف الاستخبارات السورية من معارضيها وامتعاضها من اتساع نشاطاتهم في لبنان، ولكن من دون أن تعمد إلى طردهم أو تسليمهم إلى السلطات السورية. الا أنها بادرت في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 1960، من باب فرض قيود جزئية على هذه النشاطات، باستئجار مبنى في منطقة جزين الجنوبية بات أشبه بمعتقل يُرغَم المعارضون واللاجئون السياسيون السوريون الذين يدخلون لبنان بمعرفة الشعبة الثانية على الإقامة فيه للحؤول دون قيامهم بتحرّكات مناوئة لنظام بلدهم أو تعاطي العمل السياسي. ومنذ 8 تشرين الثاني أقام في المبنى عدد قليل من المعارضين السوريين لم يتجاوز عددهم سبعة. وإذ ساءهم تقييدهم، غادروا من تلقائهم لبنان دون رجعة، فيما أصبح بعض المعارضين يتعمّد دخول لبنان خلسة.

وكان الضبّاط السوريون في الوقت نفسه عرضة لملاحقة الشعبة الثانية اللبنانية التي فضحت مرات أمرهم عبر المراقبة أو التنصّت أو بناء على تقارير مخبرين لبنانيين، وصير تبعًا لذلك إلى ترحيلهم إلى سورية تفاديًا لأزمات بين استخبارات البلدين.


انعدام ثقة

كان التجسّس داخل سوريا أحد الأهداف الأصعب والأهم لدى أنطون سعد الذي لم يكن يحب عبدالحميد السرّاج، وساد علاقاتهما مزيج من انعدام الثقة والتوتر والخلاف والحاجة المتبادلة إلى التفاهم والحماسة إلى جمع المعلومات والاستخفاف بالآخر. وعلى نحو مماثل تقريباً كانت علاقة سعد ببرهان أدهم. ومع ذلك نجح رئيس الاستخبارات العسكرية اللبنانية في بناء شبكة عملاء له في بعض المدن السورية كدمشق وحمص وحلب وحماه، بينهم ضبّاط متعاونون وتجار عابرون للحدود بين البلدين وعاملون متنقلون بانتظام بينهما. وكان سعد يزور دمشق دائمًا للاجتماع بالسرّاج وبرهان أدهم. فيما جمعته علاقة وثيقة بضبّاط سوريين بلغوا مناصب متقدّمة ولا سيما منهم رفاقه في المدرسة الحربية في حمص في الثلاثينات.

وأوكل سعد مهمة التجسّس على سورية الى الرقيب أول فيليب الخوري أولاً، ثمّ المعاون جوزف كيلاني الذي ذهب إلى دمشق في 22 مهمّة سرّية بين عامي 1958 و1959، وكانت مهمّته الوقوف متنكرًا في ثياب متسوّل أو بائع أو معاق أمام مبنى الأركان السورية ووزارة الداخلية ومديرية المخابرات والأمن العام لمراقبة الشخصيات اللبنانية المعارضة وزعماء الأحياء الذين يدخلون إليها، ويُدوّن في دفتر صغير مواعيد وصولهم ومغادرتهم ومرافقيهم، ومدة مكوثهم في الاجتماعات، فضلاً عن ملاحظات عابرة قبل أن يدرجها في ما بعد في تقرير خطي يرفعه إلى رئيسه سعد. وكان كيلاني يعبر الحدود في سيارة ويمضي ساعات في المراقبة التي كانت توجب عليه في بعض الأحيان المبيت في دمشق لجمع المعلومات. في 23 نيسان (أبريل) 1958 وصل كيلاني إلى مكان متاخم للحدود اللبنانية – السورية يُعرَف بالجوسي، قرب بلدة القاع حيث اعتقل واقتيد الى مديرية الأمن العام في حمص. وهناك تبلّغ قرار توقيفه ونُقِلَ إلى سجن المزة. وفي اليوم التالي أخضعه برهان أدهم للتحقيق، ثم مثل أمام بهجت الدسوقي، المحقّق الدائم على تقلّب الإنقلابات العسكرية في سورية. طلب الدسوقي من كيلاني ابلاغه بأسماء مخبريه في سورية، فنفى الأخير أن يكون جند مخبرين سوريين.

في هذه الأثناء أمر أنطون سعد بتوقيف ثلاثة ضبّاط سوريين في مرفأ بيروت كانوا يتولون تخليص بضائع عائدة إلى الجيش السوري وأحالهم الى المحكمة العسكرية، ثم اتصل بعبد الحميد السرّاج قائلاً له: «لي عندك جوزف كيلاني، ولك عندي ثلاثة ضبّاط. إتركه أتركهم». وعندما رد رئيس الإستخبارات السورية متسائلاً: «ماذا يفعل جوزف كيلاني هنا؟»، أجابه سعد بطريقته المعروفة مازجاً الهزل بالجدّ: «ذهب ليأتي بأسرار القنبلة الذرية من سوق السروجي عندكم. كان وحده، لا مخبر معه ولا مخبر لديه، إتركه».

في اليوم الخامس لتوقيفه، السابعة والنصف مساءً، بدأت الشعبة الثانية السورية مسعى لإطلاق كيلاني من زنزانة سجن المزة على رغم انه لم يكن مألوفًا إطلاق السجناء في وقت متأخر. إلاّ أنّ ثمّة عقبة برزت. ففي مبنى الأركان السورية حيث كان المقدّم الياس شمعون والرقيب أول فيليب الخوري ينتظران لتسلّم كيلاني، رفض برهان أدهم تخليته بعدما سمع حواراً ساخراً دار أمامه.

قال شمعون لكيلاني: «هكذا تهرب من الجيش؟»، فرد الأخير: «صادفت».

لم تنطلِ الكذبة على أدهم الذي رفض كتابًا لإطلاق كيلاني وقّعه رئيس أركان الجيش اللبناني الزعيم توفيق سالم، وطلب كتاباً موقعاً من قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب يثبت أنّ كيلاني معاون في الجيش اللبناني. فعاد شمعون والخوري أدراجهما، وقصدا فؤاد شهاب في منزله في جونيه وحملا منه كتابًا استجاب طلب الإستخبارات السورية، ثم توجها إلى دمشق لإطلاق الرتيب اللبناني قبيل منتصف الليل.

مـن شـقّ باب

التعاون الأبرز الذي لمسته، وإن بمشقة، الاستخبارات اللبنانية من نظيرتها السورية في حقبة الجمهورية العربية المتحدة كان بعد انتخاب فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية. وقتذاك زوّدتها الشعبة الثانية السورية معلومات عن انقلاب كان يُعدّ له قائد القطاع الشرقي في مرجعيون العقيد فؤاد لحود. أطلع السرّاج سعد على خطة لحود، وكان ذلك فاتحة مرحلة جديدة. تظاهرت الشعبة الثانية السورية بالاستعداد للتعاون مع لحود الذي فتح قنوات اتصال بضبّاط سوريين عبر القنيطرة في الجولان أتاحت له التعرّف إلى جهاز الاستخبارات الذي لم يلبث أن صوّر له أنّه يواكب خطواته منذ الاتصال الأول الذي أجراه به، إلى أن أوقعه في فخّ بتسجيل وقائع محاولة التمرّد وإرسال الشريط إلى سعد.

مذ انتقل فؤاد لحود من مفتشية سلاح المدرعات إلى قيادة القطاع الشرقي في مرجعيون، بلغت إلى ضبّاط سوريين أخبار شتى عن صفاته وصرامته وكفايته، وعُرِف بالضابط اللامع، فرغبوا في الاتصال به. كان هذا أيضًا موقف فؤاد شهاب الذي نظر إليه بتقدير، ضابطًا لامعًا طموحًا وحازمًا على تنافس حاد مع نسيب قائد الجيش، الضابط اللامع الآخر هنري شهاب الذي قتل في «ثورة 1958». على أنّ كلا من الضابطين أضمر للآخر كرهًا عميقًا متأثرًا بعامل التسابق بينهما بدءًا من ألعاب الرياضة التي كانا يخوضانها، كلّ على رأس فوجه: فؤاد لحود قائدًا لفوج المدرعات، وهنري شهاب قائدًا لفوج المدفعية.

لم يكنّ لحود ودًّا لفؤاد شهاب ولا أظهر تأييدًا لوصوله إلى رئاسة الجمهورية، وهو بدا أقرب إلى موالاة شمعون ودعم تجديد ولايته وعلى علاقة وثيقة بالحزب السوري القومي الإجتماعي أدّت إلى اعتقاله بعد تنفيذ الحزب محاولة الانقلاب وتعرّضه للتعذيب في السجن. في حزيران 1958 أبعد فؤاد شهاب لحود إلى موقع الجيش في مرجعيون بذريعة مراقبة المنطقة والحؤول دون تسلّل مسلحين أو أسلحة إلى «المقاومة الشعبية» المناهضة لشمعون عبر الجرود الفاصلة بين الحدود اللبنانية – السورية. فيما لم يتردّد لحود في دعم مسلحين تابعين للحزب السوري القومي الإجتماعي، المؤيد لشمعون في «ثورة 1958»، في راشيا وحاصبيا ومرجعيون ضدّ مسلحي كمال جنبلاط. فصار بذلك هدفًا مشتركًا للمعارضة والاستخبارات السورية. عرض لحود على الضبّاط السوريين في المنطقة المقابلة مؤازرته في انقلاب على شهاب لمنعه من تسلّم سلطاته الدستورية، وغالى أمامهم في انتقاد الرئيس المنتخب.

أبلغ برهان أدهم أنطون سعد متأخرًا أنّ لحود فاتح ضبّاطًا في اجتماعين معهم في بانياس دعم قيام وحدة بين لبنان وسورية في مقابل مساعدته على تنفيذ انقلاب على شهاب، يأتي في أعقابه جواد بولس رئيسًا للجمهورية وسليمان العلي رئيسًا للحكومة ويتسلّم هو قيادة الجيش. وبلغ الأمر أيضًا إلى السرّاج الذي أحجم عن اطلاع سعد عليه بسبب تحفّظه التقليدي عن التعاون مع الشعبة الثانية اللبنانية. إلاّ أنّ هذه المعلومات نوقشت في الاستخبارات السورية فلم تعرها بادئ الأمر أهمية. ثمّ رغبت من باب الفضول في الاطلاع على تفاصيل ما كان يُعدّ له الضابط اللبناني، إلى أن تناهت إلى سعد من غير امتلاكه أدلة دقيقة وواضحة حيال ما كان يسعى إليه لحود. اجتمع ببرهان أدهم في دمشق ثمّ ذهب إلى السرّاج الذي امتنع بداية عن مصارحته بخطة لحود. وبعد حوار حاد بين الرجلين برّر فيه السرّاج لسعد أسباب تكتمه باهتمامه بالحصول على كمّ أكبر من المعلومات من لحود إزاء ما يجري في لبنان، وكشف له الحقيقة الكاملة بعدما انفجر رئيس الشعبة الثانية اللبنانية في وجهه: «متى ستخبروننا، بعد حدوث الانقلاب؟».

لزم سعد الصمت حيال لحود متظاهرًا بجهله ما كان يُعدّ له إلى أن أعلمه برهان أدهم بأنّه يعتزم تنفيذ خطته في النصف الثاني من أيلول 1958. لدى عودته إلى بيروت تحدّث سعد إلى جميل لحود، عمّ الضابط المتمرّد، وطلب إليه أن ينصحه بعدم التردّد الى سورية والعدول عمّا كان يجول في خاطره، ثمّ رفع تقريرًا بالمعلومات إلى رئيس الأركان الزعيم توفيق سالم. دخل لحود إلى مكتب رئيس الشعبة الثانية بعدما تناهت إليه شكواه – وهو يتقدّمه رتبة – وتبادلا سجالاً قاسيًا. قال له لحود: «لا يهمّني ما تروّجه ضدّي من اشاعات. إذا كنتَ تعتقد أنّك مهمّ، فأنت لست كذلك بالنسبة إلي». فردّ سعد: «تردّدك على سورية سيأتي عليك بضرر كبير، والأفضل أن تقلع عن ذلك لأنّ مشروعك يشكل خطرًا عليك وعلى مستقبلك وعائلتك. أعرف كلّ ما جرى بينك وبين برهان أدهم من أحاديث في خربة بانياس». لم يستسلم لحود الذي قال: «لست في حاجة إلى نصائحك، وعليك إثبات كلامك بالأدلة». ثمّ غادر مكتب رئيس الشعبة الثانية إلى مكتب رئيس الأركان الذي خرج على الأثر وفاجأ سعد قائلاً: «إنّه على حق. إذا كانت لديك إثباتات فأبْرزْها».


الفخ

بعد ساعات قصد سعد دمشق واجتمع بأدهم وطلب إليه إعداد اجتماع سرّي مع لحود تسجل خلاله وقائع الحوار ليكون بمثابة دليل على ضلوعه في خطة الانقلاب. وافق أدهم، وعاد سعد إلى بيروت وأعلم شهاب بالخطة، كما أطلع نائبي رئيس الأركان العقيدين إسكندر غانم ويوسف شميّط الذي نصح سعد بإرسال ضبّاط لبنانيين إلى دمشق ورصد حوار أدهم ولحود عن قرب، فتقرّر ذهاب أربعة ضبّاط إلى سورية في 12 أيلول. توجه النقيب بديع غازي والملازم أول جورج كرم والملازم أول مختار مزبودي إلى فندق مسابكي في شتورة حيث لحق بهم الملازم الأول في الشعبة الثانية أحمد الحاج لمرافقتهم في مهمّة قيل لهم إنّهم سيطلعون لاحقًا على تفاصيلها. وسرعان ما انتقلوا بلباس مدني إلى الحدود اللبنانية – السورية عبر شتورة – القنيطرة – بانياس في سيارة أُبدِلت لوحتها عندما دخلت الأراضي السورية. وأعلمهم الحاج بفحوى المهمّة وهم في طريقهم إلى قرية سورية صغيرة متاخمة للحدود بين البلدين، وانتظروا في بيت صغير قديم كانت تشغله الشرطة العسكرية السورية فؤاد لحود الذي لم يأتِ إلى الموعد لاضطراره إلى حضور مناورة أجراها الأسطول السادس الأميركي في البحر قبالة ساحل جونيه. فعاد الضبّاط أدراجهم. وبعد أربعة أيام دُعوا مجدّدًا إلى المهمّة نفسها. فقصدوا دمشق ومنها إلى القنيطرة، فإلى القرية الحدودية السورية إيّاها. عندما وصل لحود كان أدهم في استقباله. توجه الرجلان إلى مكان الاجتماع في إحدى غرفتي البيت، فيما لزم الضبّاط اللبنانيون الغرفة الأخرى. ومن شقوق باب قديم مهترئ تسرّب منه الضوء والصوت، أصغوا إلى وقائع الحديث بين الرجلين ونقلوها مسجلة إلى أنطون سعد. وفي 15 تشرين الثاني 1958 قرر المجلس التأديبي طرده من الجيش بتهمة الاتصال بدولة أجنبية، من غير حرمانه معاشه التقاعدي بعد 33 عامًا في الخدمة العسكرية.

«اللؤلؤة»

أتاح هذا التعاون السوري بداية عمل مشترك بين الاستخبارات العسكرية في البلدين، لم يخض عميقًا حتى ذلك الوقت في بناء علاقات شخصية بين مسؤولي الجهازين. على أنّ تعاونهما ساهم في كانون الأول 1961 وكانون الثاني (يناير) 1962 في كشف شبكة تجسّس إسرائيلية عملت في سورية ولبنان في آن.

فتحت مظلة «جمعية الأخوّة في المسيح» أدار قسّ إنجيلي لبناني هو جميل القرح منذ حزيران 1954 شبكة تجسّس جعلت من دمشق وبيروت مقرّين لها. وسرعان ما تعاون مع يهودي لبناني كان ضابطًا سابقًا في الجيش الإسرائيلي ويرأس شبكة تجسّس إسرائيلية في لبنان هو روبير طوطح (اتخذ إسمًا آخر له هو فريد حداد). بصفته مسؤولاً عن الكنائس الإنجيلية في لبنان وسورية وفلسطين، كان جميل القرح يتنقل بينها مذ أضحى قسًا في حزيران 1940 واستقرّ في السنوات التالية في بيروت وقطن في منطقة الأشرفية وفتح محلاً للتصوير الفوتوغرافي في محلة باب إدريس المجاورة. وكان قد جمع حوله أصدقاء بينهم عسكريون سوريون ولبنانيون وآخرون مسرّحون وجندهم في شبكة تجسّس للدولة العبرية، فزوّدوه معلومات معظمها عسكري عن الجيش السوري وأسلحته ومنشآته وعتاده ومخازن ذخيرته، إلى معلومات جزئية عن الجيش اللبناني. كما زوّدوه منذ عام 1958 معلومات عن وجود الجيش المصري واستخباراته العسكرية في سورية ونفوذهما إبّان الوحدة. وكان يرسل معلوماته إلى الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية في تقارير خطية أو عبر أجهزة لاسلكي مشفّرة. و في تموز 1961 ضم القرح إلى شبكته ابنته جوليا وصهره وليم بستولي، اليوناني الأصل واللبناني الجنسية الذي أقام في بيروت بعد تلقيه دورة تدريب على الاتصال اللاسلكي في تل أبيب. وبحجة تفقده الكنائس الإنجيلية فيها، سافر القرح إلى إسرائيل وعقد على امتداد ثماني سنوات عشرات الاجتماعات مع رجال استخباراتها العسكرية.

في 29 كانون الأول 1961 اعتقلت الاستخبارات السورية القرح وزوجته فيكتوريا عقاد بعد اجتماعهما بالملازم السوري فايز جرجس الذي أطلع قيادته على الأمر، فأوقعت هذه القرح في الفخ. وفي 9 كانون الثاني 1962 دهم رجال الاستخبارات اللبنانية والسورية بيت بستولي في الأشرفية وعثرت على جهاز لاسلكي في تمثال للسيدة العذراء، إلى محفوظات وآلة تصوير للوثائق وأفلام. وبعد تحقيق دين القرح في دمشق وأُعدِم شنقًا، فيما استجابت الحكومة اللبنانية طلب نظيرتها السورية تسليمها بستولي واثنين من رفاقه، فحوكموا في سورية وسُجِنوا حتى 11 كانون الثاني 1971 عندما طالب لبنان باستردادهم.

لم تكن الشبكة الإسرائيلية تلك الأولى التي تكشفها الشعبة الثانية. ففي عام 1960، قادت مصادفة غابي لحود إلى مفاجأة مذهلة. طلب وزير المال رشيد كرامي من الشعبة الثانية معلومات عن الموظف محمود عوض لشكوك في اختلاسه أموالا من صندوق الوزارة. فكلّف سعد غابي لحود المهمّة، وكان مسؤولاً عن بيروت ورئيسًا للفرع العسكري. أخضع هاتف عوض للمراقبة، فإذا بالتنصّت يكشف علاقة كانت تربطه بامرأة إسمها شولا، وبدا حوارهما غامضًا وتناول أحيانًا أسماء غامضة برموز وإيحاءات وألغاز.

لفتت هذه المعلومات لحود فطلب الاستقصاء عن المرأة فتبيّن أنّها يهودية لبنانية تقيم في حيّ وادي أبو جميل، وان إسمها هو شولا ماير كوهين ولقّبت في ما بعد بـ«اللؤلؤة». كلّف لحود ميلاد القارح أحد المتعاونين مع الشعبة الثانية نسج علاقة مع كوهين. وعبر عوض الذي كان يعرفها منذ أوائل عام 1956 أصبح القارح صديقًا لـ»اللؤلؤة» ولأشخاص من آل العبدالله من سكان بلدة الخيام الجنوبية ظهر في ما بعد أنّهم كانوا أعضاء في شبكة كوهين وقد نجحت هذه في إرساء علاقات واسعة مع سياسيين وشخصيات لبنانية نافذة. وحاول محمود عوض استمالة القارح وتزويده المال للحصول على معلومات. في غضون ذلك كانت الشعبة الثانية تراقب كوهين وتتنصّت على مكالماتها الهاتفية وتصوّر نشاطاتها، إلى أن دهمت قوّة من الشعبة الثانية بقيادة لحود ليل 9 آب 1961 منزلها واعتقلتها. وفي الوقت نفسه اعتقلت قوّة أخرى محمود عوض وعددًا من الأشخاص من آل العبدالله في بيروت.

بعد أكثر من ست سنوات من التجسّس لمصلحة إسرائيل افتُضِح أمر «اللؤلؤة» وأُوقِفت مع 12 من أعضاء شبكتها بينهم يهود لبنانيون، ودينت وأربعة منهم في أمام محكمة عسكرية بتهريب يهود إلى إسرائيل والاتصال بالعدو وحُكِم عليها بالاعدام مع خفض العقوبة إلى 20 عامًا سجنًا لم تكملها بسبب مقايضتها بعد حرب الأيام الستة. أمّا محمود عوض فقضى في السجن بنوبة قلبية في تموز 1962 قبل أن يمثل أمام المحكمة العسكرية.

.. يتبع

إعلان Zone 5

احصل على تحديثات في الوقت الفعلي مباشرة على جهازك ، اشترك الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.