العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

برادفورد البريطانية وطن جديد للاجئين السوريين

لم يكن إيلان الكردي الطفل السوري الأول الذي يموت في الحرب السورية، أو بسببها. ولن يكون الأخير بالتأكيد. لكن صورته – ممدداً جثة هامدة على شاطئ تركي – هزّت ضمائر كثيرين حول العالم وجعلتهم يهتمون بمأساة اللاجئين السوريين الذين يفرون اليوم بالآلاف من جحيم بلدهم إلى «جنّة» أوروبا.

لم تشح بريطانيا ببصرها عما يحصل، لكن التحرك الشعبي كان تلقائياً وسبق التحرك الحكومي الرسمي. فما إن انتشرت صورة الطفل الغريق إيلان حتى انهمرت الاتصالات على الكثير من وكالات الإغاثة الإنسانية العاملة في بريطانيا والتي سجّلت أعداداً لا تحصى من المواطنين الذين يعرضون فتح أبواب بيوتهم لاستضافة ما يمكن من اللاجئين السوريين.

عكست هذه البادرة العفوية من المواطنين البريطانيين رغبة حقيقية في مد يد العون، بأي طريقة ممكنة. والواقع أن شرائح واسعة من البريطانيين انخرطت منذ بدايات الأزمة في جمع تبرعات لتمويل قوافل إغاثية عدة عبرت القارة الأوروبية إلى تركيا ومنها إلى الشمال السوري. لكن تنامي التشدد داخل مناطق المعارضة وبروز تنظيم «داعش»، ثم لجوءه لاحقاً إلى خطف الغربيين وذبحهم حتى ولو جاؤوا بهدف إغاثة السوريين – مثلما حصل مع المتطوع آلان هنينغ وعامل الإغاثة ديفيد هاينز – أدت إلى تراجع واضح في اهتمام البريطانيين بأزمة السوريين ومعاناتهم. وما زاد الطين بلة، أن عدداً من الذين شاركوا في قوافل الإغاثة إلى سورية كانوا يلتحقون بعد وصولهم إلى هناك بجماعات متشددة كـ «جبهة النصرة»، وشارك بعضهم في تفجيرات انتحارية، في حين أن آخرين تطوعوا في صفوف تنظيم «داعش» وظهروا في أشرطة دعائية له.

لكن هذا «الفتور» البريطاني إزاء الأزمة السورية سرعان ما تلاشى على وقع الصدمة التي أحدثتها صورة الغريق إيلان، وما تلاها من مشاهد لآلاف من السوريين الذين يستقلون «زوارق الموت» في المتوسط أو الذين يحاولون في ظروف مزرية عبور البلقان نحو بلدان غرب أوروبا. ولم يتوقف التفاعل البريطاني مع هذه الأزمة عند مجرد التعبير عن الرغبة في فتح أبواب البيوت أمام اللاجئين السوريين، بل تحركت أيضاً المجالس البلدية في عدد من المدن (18 مجلساً بلدياً) معلنة فتح ذراعيها لاستضافة السوريين. كما قامت جماعة «سيتيزنز يو كي» (Citizens U K) بتوفير المساعدة لمن يرغب في تنظيم مجموعات محلية من المتطوعين الراغبين في مساعدة السوريين، كل من منطقته.

وبالتوازي مع هذا الاهتمام الشعبي، بادرت الحكومة البريطانية إلى إعلان نيتها في استضافة 20 ألف لاجئ سوري خلال فترة خمس سنوات، علماً أن منتقديها يقولون أنها كانت تتحرك كالسلحفاة الهرمة في مجال استضافة اللاجئين السوريين خلال السنوات الأربع الماضية.

وسيبدأ اللاجئون الجدد في التوافد إلى بريطانيا خلال الأسابيع المقبلة، وهم يأتون في إطار برنامج مخصص لتوطين الأكثر عرضة للأخطار ممن يقيمون حالياً في دول الجوار السوري، بينما لن يستفيد من هذا البرنامج آلاف اللاجئين الآخرين الذين وصلوا بالفعل إلى أوروبا، والذين سيتوزعون على دول القارة التي ستتقاسم أعباء استضافتهم.

وحتى الآن لم تمنح الحكومة البريطانية إقامات لجوء أو إقامات إنسانية سوى لخمسة آلاف لاجئ سوري وصلوا بطرق مختلفة خلال السنوات الأربع الماضية. ويُضاف إلى هؤلاء 216 شخصاً فقط من السوريين الذين جاؤوا في إطار برنامج يتم بالتعاون مع مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ويُعرف ببرنامج «إعادة توطين الأشخاص المعرضين للخطر» (Vulnerable Persons Relocation VPR) والذي بدأ تنفيذه اعتباراً من كانون الثاني (يناير) 2014، وهو البرنامج ذاته الذي ستتم في إطاره استضافة اللاجئين السوريين الـ20 ألفاً الجدد.

وليس واضحاً تماماً سبب اختيار الحكومة البريطانية مدينة برادفورد بمقاطعة يوركشاير الغربية، والتي تبعد عن لندن 280 كلم، لتكون مركزاً أساسياً لاستضافة اللاجئين السوريين. وقد يكون أحد أسباب هذا الاختيار أن برادفورد تضم مجتمعاً إسلامياً كبيراً، إذ يمثّل الآسيويون المسلمون قرابة 28 في المئة من مجموع سكانها البالغ أكثر من نصف مليون نسمة. وربما ظنّت الحكومة أن وضع اللاجئين الجدد ضمن جالية من المسلمين مثلهم، كما هي الحال في برادفورد، سيسهّل عملية اندماجهم في موطنهم الجديد. ويتم حالياً تعليم اللاجئين السوريين في برادفورد اللغة الإنكليزية، وهناك من يساعدهم على التسجيل لدى الأطباء وفي المدارس، ويتم تعريفهم إلى طريقة الاستفادة من مخصصات الإعانات الاجتماعية التي تُقدّم للذين يعيشون على نفقة الدولة، كما هي حال اللاجئين السوريين الذين سيمنحون فوراً إقامة لمدة خمس سنوات ويمكنهم بعد انتهائها التقدّم للحصول على إقامة دائمة وجلب أفراد عائلاتهم في إطار برامج «لم الشمل».

ولعل من المفارقات أنه في حين يتدفق اللاجئون السوريون على برادفورد هرباً من بلدهم الغارق في الحرب، فإن هذه المدينة تشهد «هجرة معاكسة» من بعض سكانها الآسيويين في اتجاه سورية للإقامة غالباً في كنف «دولة الخلافة» التي أعلنتها جماعة «الدولة الاسلامية». وآخر هؤلاء «المهاجرين» ثلاث أخوات من عائلة داوود هن خديجة وصغرى وزهرة (يُعرفن بمسمى «أخوات برادفورد») وأطفالهن التسعة (جميعهم بين 3 سنوات و15 سنة) – فقد ذهبوا جميعاً لأداء «العمرة» في السعودية، وفي طريق عودتهم إلى بريطانيا، في منتصف حزيران (يونيو) الماضي، توقفوا في تركيا وتسللوا عبر حدودها إلى سورية. كما أن بلدة ديوسبري، القريبة من برادفورد والواقعة في مقاطعة يوركشاير الغربية نفسها، خرّجت «أصغر الانتحاريين» البريطانيين الذين التحقوا بتنظيم «داعش» في سورية: طلحة أسمال (أبو يوسف البريطاني، 17 سنة) الذي فجّر نفسه في بيجي العراقية في حزيران الماضي. ومن هذه المقاطعة أيضاً جاء الشاب حسيب حسين (18 سنة) الذي كان واحداً من انتحاريي «القاعدة» الأربعة الذين فجّروا أنفسهم في وسائل النقل العام في لندن في 7 تموز (يوليو) 2005، ما أدى إلى مقتل 52 شخصاً في أسوأ حادث إرهابي تشهده العاصمة البريطانية.

لن تعني هذه الخلفية أي شيء للسوريين الذين يتم توطينهم حالياً في برادفورد، وليس هناك من سبب يدعوهم إلى القلق. فتورط عدد من أبناء منطقة معينة في الإرهاب لا يعني أن ما يقومون به يمكن أن ينسحب على بقية السكان. الشاب محمد (20 سنة) هو واحد من هؤلاء السوريين الذين وطّنتهم بريطانيا في برادفورد في إطار برنامجها المخصص للأشخاص المعرضين للخطر. فرّت عائلة محمد من سورية إلى مصر عام 2013، بعد وقت قليل من مقتل رب الأسرة في ظروف لم تتضح بعد. في البداية عمل محمد ليلاً في مطعم وتابع دراسته خلال النهار، لكن حياته وحياة أسرته ازدادتا صعوبة بعد اكتشاف إصابة أخيه الأصغر بمرض سرطان الدم. لجأت الأسرة أولاً إلى بيع متجر الوالد المتوفى في دمشق، لكن المبلغ الذي تحصلت عليه سرعان ما بدأ في النفاد بسبب تكاليف علاج الأخ المريض، فقامت منظمة إنسانية بتقديم طلب «إعادة توطين» في بريطانيا لمصلحتهم، وسرعان ما تمت الموافقة على الطلب نتيجة الوضع الصحي للطفل المريض. لم تدفع أسرة محمد تكاليف الحصول على تأشيرات ولا تكاليف حجوزات السفر، إذ أمنت لهم الحكومة البريطانية كل ما يحتاجون إليه بما في ذلك رحلة بالطائرة إلى مانشيستر قبل نقلهم إلى برادفورد وإعطائهم مسكناً وتأمين مدرسة لهم وفتح الباب أمامهم للحصول على خدمات الطبابة مجاناً.

ويعيش في برادفورد حالياً نصف مجموع العائلات السورية التي جاءت في إطار برنامج إعادة التوطين الرسمي، وتُضاف إليهم عائلات سورية أخرى جاءت من خارج البرنامج. ولا تواجه هؤلاء صعوبات في إيجاد مساكن للإقامة لأن الدولة توفرها للاجئين السوريين، سواء كانوا من داخل برنامج التوطين أو من خارجه. ويُعتبر وضع هؤلاء السوريين أفضل من قرابة 200 ألف لاجئ من جنسيات مختلفة تم رفض طلبات لجوئهم لكنهم، ما زالوا في بريطانيا لأنه لا تمكن إعادتهم إلى بلادهم خشية تعرضهم لسوء معاملة مثل إريتريا وإيران . وبما أن الدولة لا توفر لكثيرين من هؤلاء المأوى، فإن الاهتمام بهم يقع على عاتق منظمات إنسانية تكون غالباً ذات طابع ديني وجمعيات كنسية – مثل جماعة «أسيست» (Assist) في مدينة شفيليد، وجماعة «بواز ترست» (Boaz Trust) في مدينة مانشيستر، وجماعة «هاوسينغ جستس» (Housing Justice) في لندن. وتعتمد هذه الجماعات الخيرية على متطوعين يوفرون جزءاً من بيوتهم لإقامة اللاجئين.

واهتم بعض الجمعيات في البداية بأعداد من السوريين الذين جاؤوا إلى بريطانيا بطرق غير مشروعة وعانوا قبل الحصول على إقامة أو لجوء. الشاب «صامد» كان واحداً من هؤلاء، إذ اهتمت به منظمة «رفيوجي آكشن» («العمل من أجل اللاجئين»). كان هذا الشاب يعيش في دمشق ويدرس في جامعتها، لكنه فر في الصيف الماضي إلى تركيا، ثم عبر المتوسط نحو اليونان، وهي الرحلة التي يسلكها آلاف اللاجئين الذين يقصدون أوروبا. وعلى رغم أن الزورق الذي كان يستقله تعطّل في البحر، إلا أنه كان محظوظاً لأن البحرية اليونانية أنقذته مع غيره من المسافرين. لم يرد البقاء في اليونان، فاستلف مالاً من قريب له، ودبّر طريقه إلى بريطانيا حيث قدّم طلب لجوء في آب (أغسطس) الماضي. «كل ما أريده»، كما قال، «هو أن أعيش كإنسان طبيعي. أن أعمل وأن أجتمع مجدداً بعائلتي». إنها على الأرجح أمنية كل السوريين المشتتين حول العالم اليوم.

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.