العنكبوت الالكتروني
أخبار لبنان، أخبار أستراليا، أخبار الوطن العربي، أخبار عالمية، مقالات، أخبار إقتصادية، أخبار رياضية، أخبار المشاهير، صحة، الدفاع والأمن، منوعات، أخبار على مدار الساعة

Ad Zone 2

الحديث عن الانتخابات للمرّة الألف!

عندما نتأمّل وسائل الإعلام المرئية، ومواقع التواصل الأخرى، يبدو اللبنانيون مستغرقين في الانتخابات كما لم يحدث من قبل. وأعني بـ”من قبل” على وجه الخصوص عامَيْ 2009 و2018. عام 2009 كانت زعامة سعد الحريري في صعود، وعام 2018 كانت زعامة عون وباسيل في صعود. لذلك كان الحديث في الأولى متركّزاً على مدى الإقبال. اعتمد الحريري على استثارة ردود الفعل على غزوة بيروت في 7 أيّار عام 2008، وتوقّع كما توقّع المراقبون أن يحصد دعماً شعبيّاً منقطع النظير، إضافةً إلى ما كان من إنفاق سخيّ على العملية. ولذلك كان هناك عاملان: السياق أو الظرف المصاحب، أي ما سمّاه حسن نصر الله: اليوم المجيد (!) والإنفاق الجيد.

أمّا في انتخابات العام 2018 فإنّ عوناً وصهره كانا شديدَيْ الثقة لجهة الإقبال المسيحي، والتنظيم الجيد، إضافةً إلى سريان هذه الثقة على التحالف مع الثنائي الشيعي. وحتى عندما حصلت القوات، حليفة العونيين حتى ذلك الحين، على نسبة جيّدة من المقاعد، أشار العونيون بين الندم والتكبير إلى أنّه ما كان ينبغي أن يقبلوا بهذه القسمة غير العادلة.

إعلان Zone 4

حسب كلّ التقديرات فإنّ المدنيين أو الثوّار سيكونون أكبر الخاسرين. إذا نجح منهم اثنان أو ثلاثة في كلّ لبنان يكون أبو زيد خالهم

بيد أنّ الظرف المصاحب والمؤثّر ما كان عندهم، بل كان في المحيط والسياق الإقليمي: كسب النظام السوري، وكسب النظام العراقي. وبدا الإيرانيون هم الكاسب الأكبر. ما كان باسيل مهتمّاً إلّا بالاستيلاء الداخلي فدفش الحليفين بقسوة: جعجع أوّلاً، ثمّ الحريري ثانياً. أمّا حزب الله المنتصر بالإقليم (كسْر السُنّة تحت اسم مكافحة الإرهاب) والداخل (زعامة الشيعة بدون منازع) فقد احتار ماذا يفعل بانتصاره: يغيّر النظام اللبناني أو يكتفي بالتغيير في الإقليم؟ الذي يبدو أنّه آثر الأمر الثاني، وأمّا الأمر الأوّل فاكتفى منه بالغرق مثل باسيل في وحول الفساد اللذيذة.

 

انتخابات “إعلامية”

أمّا الأمر في انتخابات العام 2022 فهو مختلف تماماً من حيث الوضع الداخلي، ومن حيث الظروف المصاحبة. في الوضع الداخلي يبدو غياب سعد الحريري مؤثّراً لكنْ لا ينبغي المبالغة فيه. فموقف السُنّة ما تغيّر من الحزب المسلّح، كما صار أشدَّ عداءً تجاه عون. بيد أنّ الانهيارات الفظيعة في شتّى نواحي الحياة المعيشية والوطنية، دفعت إلى حالةٍ من الإحباط الشديد لدى المسلمين، أو لدى اللبنانيين عامّة. وهذا هو السبب بالدرجة الأولى للفتور تجاه الانتخابات والتمنّي السرّيّ والعلنيّ أن لا تحصل لدى عدّة فرقاء وليس لدى فريقٍ واحد. إنّما في الوقت نفسه هناك هذا الهياج الشديد والمنقطع النظير لدى وسائل الإعلام والاتصال. بمعنى أنّ الوسائل الإعلامية ووسائل الاتصال أقبلت على إعادة تمويل نفسها بعد المعاناة الشديدة من التصحّر بسبب الانهيارات وبسبب كورونا. ومن جهةٍ ثانيةٍ، هناك الاصطفافات الحزبية التي جنّدت أنصارها بالطبع، فالذي أزعمه أنّ الانتخابات تجري في وسائل الإعلام، أكثر ممّا جرت أو تجري على الأرض الوطنية والرأي العامّ.

إنّما لننظر في الظروف المصاحبة أو السياقات. إيران هذه المرّة “واقفة على الشوار” كما يُقال. الاتفاق النووي لم يجرِ أو يستحقّ كما كان مأمولاً. وفي العراق حدثت انتكاسة مشهودة لإيران، اضطرّت أنصارها هناك إلى اللجوء إلى الثلث المعطِّل، وهذه حيلة العاجز، التي استُخدمت في لبنان بعد غزو بيروت واتفاق الدوحة. حتى الوضع في سورية بعد الانتصار يزداد جموداً. الأوراق الإيرانية المجموعة ما تزال مجموعة حتى لجهة إسرائيل، لكنّ استخدامها ما صار ممكناً بعد.

 

هناك ظرفٌ مصاحبٌ آخر ما كان منتظراً أن يؤثّر في بلدنا الصغير. وأقصد بذلك الانقسام الدولي الكبير بسبب الحرب الروسيّة على أوكرانيا. الإيرانيون مع الروس ومع الصين. والغربيون ما عادوا راغبين أو حريصين على بلدٍ يسيطر عليه الحزب المتأيرن الذي يعتبره كثير منهم تنظيماً إرهابياً. وحتى السعوديّون والعرب الآخرون يبدون شديدي الحذر في التدخّل، على الرغم من أنّهم يتفاوضون مع إيران إنّما ليس على لبنان. وهكذا لبنان متروكٌ يزداد كلّ يومٍ غرقاً في أزمته. وما عادت الانتخابات (الديمقراطية) تثير ذلك الاهتمام لدى الكبار والصغار. ووقت التقاسم على كلّ حال لم يحن أوانه بعد. وللمرّة الأولى من شهورٍ أسمع من أصدقاء أوروبيين وإعلاميين أميركيين: ماذا تعني في النهاية انتخاباتكم؟ كلّكم مسلِّم بأنّ الحزب المسلّح وحلفاءه سيحصلون على أكثرية مثل العام 2018 أو أكثر، لكنْ حتى لو لم يحصل فإنّه سيظلّ متحكّماً كما هو عليه الحال اليوم، ما دامت الصفقة الكبيرة بعيدةً في الزمان والمكان.

تبدو وسائل الإعلام العاملة لمصلحة هذا الطرف أو ذاك كأنّما تريد سَوق الناس (وبخاصةٍ السُنّة) إلى صناديق الاقتراع بالسياط والعصيّ. وهناك مَن يراهن على التغيير من طريق ناخبي الخارج. لكنّ الذين تابعوا تلك الانتخابات في الأيّام القليلة الماضية يقولون إنّ الإقبال، حتى من جانب المسيحيين، كان في أحسن الأحوال متوسّطاً.

 

خسارة المدنيين والثوّار

لنعُد إلى الصراط المستقيم كما يُقال. حسب كلّ التقديرات فإنّ المدنيين أو الثوّار سيكونون أكبر الخاسرين. إذا نجح منهم اثنان أو ثلاثة في كلّ لبنان يكون أبو زيد خالهم. أمّا السُنّة فلِعدّة أسباب، ومنها تدنّي نسبة التصويت، سيكثر عدد مَنْ يُسمَّون بـ”المستقلّين” والداخلين في تحالفات مصلحيّة. كما سيزيد عدد الموالين للحزب (يُقال من ستّة إلى عشرة). وقد يخسر جنبلاط واحداً أو اثنين أو لا يخسر. وسيزداد عدد نوّاب القوات إنّما ليس بنسبة كبيرة. وسيخسر العونيون حوالى عشرة نواب أو أقلّ. وسيزيد عدد نواب الكتائب واحداً،، أو لا يزيدون. وسيكون سليمان فرنجية مرشّحاً لرئاسة الجمهورية، سواء أحصل على مقاعد أو لم يحصل. وسيجتمع أقلّ من عشرة نواب من حول فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي. أمّا الثنائي الشيعي فلن يخسر أيَّ مقعد. وفي الحسبة النهائية ستكون هناك زيادات في “التذرر” لدى سائر الطوائف باستثناء الشيعة، إنّما النسبة الكبرى لدى السُنّة.

هل يشكّل هذا “التقدير” تشجيعاً على الانتخاب أو إعراضاً عنه؟

لا هذا ولا ذاك. فالواقع أنّ معظمنا، ما دامت الانتخابات قد جرت، يفضّل المشاركة على الإعراض. مفتي الجمهورية طلب في خطبة عيد الفطر من السُنّة على وجه الخصوص التصويت بكثافة من جهة، والتصويت الصحيح من جهةٍ ثانية، أي لغير الفاسدين.

 

وأنا لا أؤيّد الذهاب إلى التصويت بسبب أملي الكبير في التغيير، بل أرى أنّ من الواجب المشاركة لأنّ النظام اللبناني في خطر. عدم الذهاب إلى صناديق الاقتراع أو تدنّي نسبة المشاركة يزيد النظام اللبناني المتهالك تهالُكاً. وبنفس الأهميّة أن تتشكّل حكومة بعد الانتخابات، وأن يُنتخب رئيسٌ للجمهورية، ليظلَّ الشكل الدستوري للنظام موجوداً أو قائماً. إنّ الطموح الآن لا يتجاوز ذلك، وهو كبير بكلّ المقاييس، أو نقع في الأوهام.

إعلان Zone 5

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.